أكتب عن قناة (يمن شباب) بشعور لا أستطيع فصله تماماً عن ذاكرة البدايات. فقد جاءت القناة في لحظة يمنية شديدة الحساسية، قريبة من روح ثورة الشباب السلمية، ومن ذلك الاندفاع الواسع نحو أفق جديد في حياة اليمنيين. لذلك كانت، بالنسبة لي على الأقل، محطة لمرحلة تبحث عن ذاتها؛ وعن صوتها، وصورتها، وأحلامها، ولغتها، قبل أن تكون شاشة في فضاء إعلامي مزدحم..
واليوم، بعد خمسة عشر عاما من حضورها في الخبر والتحليل والفن والدراما والوعظ والرياضة وبرامج الأسرة تستعد القناة لإطلاق هويتها البصرية والصوتية الجديدة. وهي خطوة أراها امتداداً لذلك القلق الإيجابي الذي رافق التجربة منذ البداية؛ قلق البقاء قريبة من الناس ومواكبة الزمن وتطوير الأدوات والحفاظ على نهج وطني رصين في تناول الأحداث اليمنية.
خلال هذه السنوات، حضرت (يمن شباب) في الحرب وفي المنفى وفي لحظات الانكسار الوطني وظلت في معظم مسارها حريصة على ثوابت اليمن الجامعة.. قد تكون شهادتي فيها مجروحة، بحكم ما ربطني بإدارتها وطواقمها من مودة وصداقة وتقدير، لكن هذه الصلة تجعلني أعرف مقدار الجهد الذي يبذله العاملون فيها خلف الشاشة ومقدار إصرارهم على تطوير القناة ودفعها إلى موقع يليق بطموحها وجمهورها..
أخبرني الصديق الدكتور وسيم القرشي، رئيس مجلس إدارة شبكة يمن شباب الإعلامية، أن القناة دخلت في اتفاق مع شركة بريطانية لتطوير برنامج واقع معزز يرفع مستوى ما يظهر على الشاشة. وهذه خطوة لافتة في بيئة إعلامية يمنية أنهكتها الحرب، وضاقت فيها الإمكانات، وتراجع فيها الاهتمام بالتطوير التقني والفني.
وتحمل الهوية الصوتية الجديدة معنى خاصا من خلال التعاون مع الموسيقار اليمني المعروف محمد القحوم الذي قدّم مقطوعات موسيقية تمزج النفَس الأوركسترالي الحديث بالروح اليمنية الأصيلة. وهذا اختيار ذكي، فالقناة التي تطور صورتها وصوتها تحتاج بالضرورة إلى تجديد يحفظ صلتها بهويتها، وإلى جاذبية تبقي ملامحها اليمنية حاضرة في وجدان مشاهديها وذاكرتهم.
ويضاف إلى ذلك تجهيز المراسلين بأدوات الظهور المباشر من الشارع والجبل والسهل والساحل، وهذه خطوة تمس جوهر العمل الصحفي؛ فالشاشة التي تحترم جمهورها تذهب إلى الناس، وتقترب من حياتهم اليومية، وتعيش آمالهم وآلامهم، وتدافع عن أحلامهم.
ولا تخلو أي تجربة إعلامية حية من أخطاء، أو اختيارات لا تبلغ دائما المستوى المأمول. و(يمن شباب) مثل سائر المؤسسات التي تعمل وتجتهد، فتخطئ وتصيب. والأهم هنا أن القناة تتحرك، وتجرب، وتراجع، وتبحث عن مساحة أوسع في المنافسة، وتدفع الإعلام اليمني خطوة إلى الأمام.
أهنئ (يمن شباب)، وأحيي إدارتها، ومحرريها، ومذيعيها، ومصوريها، وفنييها، ومراسليها في كل مكان. وأرجو أن تفتح هذه النقلة بابا لمرحلة أكثر نضجا واحترافا، وأن تبقى القناة قريبة من اليمنيين، وفيّة لثوابتهم، منفتحة على التطوير الذي يليق بهم وبقضاياهم.
مبارك مرة أخرى ليمن شباب، ومبارك للإعلام اليمني كل خطوة تكسر الجمود.. وتراهن على الطموح.