ما إن تأكد خبر وفاة الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، حتى سرت لدى البعض حمى غريبة للطعن في شرعية المسار السياسي الراهن للحكومة اليمنية، فراحوا يُظهرون النصوص الدستورية التي تحدد انتقال السلطة وحدود تفويض الرئيس وتنازله عنها.
وعند هؤلاء يستوي التفويض السياسي والتفويض التجاري، ولديهم حجة طريفة مفادها أن التفويض ينتهي بموت المفوِّض. أي نعم، فالشعب اليمني ودولته - في تصورهم الساذج- ليسا أكثر من دكان أو ورشة ميكانيك موضع تفويض بين الورثة. إنهم لا يتحدثون عن إرادة شعبية، بل عن ملكية.
والحقيقة أنهم لا يرغبون بالتمسك بالمسار الدستوري بقدر ما يرغبون في الطعن بشرعية آخر ما تبقى من أوتاد دولتهم وجمهوريتهم ونظامهم، وسط ركام عاصفة كانوا سببًا فيها.
والأعجب انتقائيتهم في توظيف نصوص الدستور، وانتزاع ما يناسب رغباتهم، وحبهم لإغراق البلاد في الفوضى، ومنح الحوثي ما لا يستحق وما لا يُتوقع له.
هؤلاء على مذهب "الفوضى من أجل الفوضى". يتباكون على هادي، وقد أخرجوه من داره شريدًا، وانتزعوا منه صلاحيات الرئيس، وأقلقوا الفترة الانتقالية بكل أشكال العبث والاختلال والخروج عن القانون.
وعمومًا، لا معنى لهذه النصوص الدستورية إلا في الحالات الاعتيادية، بينما تسير اليمن منذ عام 2011 في ظروف استثنائية أفرزت حلولًا توافقية فوق دستورية، سواء المبادرة الخليجية، أو اتفاق نقل السلطة، أو أخيرًا استبدال عضوين من مجلس القيادة بعضوين آخرين.
وكما اقتضت المبادرة الخليجية إعادة ترتيب السلطة، اقتضى اتفاق نقل السلطة في 2022 ترتيبات جديدة لا يمكن الرجوع عنها إلا بترتيبات توافقية جديدة، أو أن يقضي الله أمره في دولة هذا الشعب وسلطته.
والأعجب أن يتداعى لهذه الفوضى في التأويل واستخدام النصوص الدستورية محامون لهم باع في العمل السياسي. والحقيقة أنهم "مُحبِطو عمل" في مسارهم الحقوقي والسياسي، وإلا لما اندفعوا الآن إلى الطعن في المسار السياسي للبلاد.
هناك نمط من الناس يمكن تسميتهم "المنتظِرين". او مذهب الانتظارية.
بعضهم انتظر عودة علي عبد الله صالح إلى الحكم، وآخرون ينتظرون عودة هادي، وبالطبع هناك من يتمنون عودة عيدروس الزبيدي، وسبقهم الحوثيون في انتظار عودة الإمامة. ومع كل انتظارية تغرق البلاد في فوضى وجحيم. فماذا تعدّون لهذا الشعب الآن؟