اراء تغييرية

الموت وثقافة التشفي والشماتة

د عيدروس نصر النقيب
وقت القراءة: 1 دقائق


للموت هيبته التي تتجاوز الخلافات السياسية والخصومات الشخصية، إذ جرت الأعراف والقيم الإنسانية على أن تتوقف السجالات عند رحيل الإنسان، ويحل محلها الدعاء والترحم واستحضار ما قدمه من أدوار ومواقف. غير أن ردود الفعل التي صاحبت وفاة الرئيس عبد ربه منصور هادي كشفت عن ظاهرة مقلقة تمثلت في انتشار خطاب التشفي والشماتة لدى بعض الكتّاب والناشطين والإعلاميين.

 

فبدلاً من التعامل مع الحدث بروح إنسانية تراعي حرمة الموت ومشاعر أسرته ومحبيه، تحولت بعض المنصات إلى ساحات للهجوم والسخرية وتصفية الحسابات السياسية. ووصل الأمر بالبعض إلى اختزال تجربة هادي السياسية في عبارات هجومية وأحكام قاسية صدرت في لحظة يفترض أن تكون لحظة تأمل وإنصاف لا مناسبة للانتقام اللفظي.

 

هذه المواقف لا تعكس حقيقة الرجل بقدر ما تكشف طبيعة البيئة السياسية التي عمل فيها. فالرئيس هادي وجد نفسه في مرحلة شديدة التعقيد، وسط صراع محتدم بين مراكز قوى سياسية وقبلية وعسكرية متجذرة في مؤسسات الدولة. وقد تولى المسؤولية دون قاعدة قبلية أو حزبية أو عسكرية قوية تحمي مشروعه أو تمنحه القدرة على فرض رؤيته، الأمر الذي جعله محاصراً بين أطراف متنافسة سعت كل منها إلى توجيه القرار السياسي بما يخدم مصالحها.

 

لقد اعتقد كثيرون أن أزمات اليمن كانت نتيجة أخطاء شخص واحد، بينما يرى آخرون أن جذور الأزمة أعمق بكثير وترتبط ببنية سياسية معقدة وهيمنة مراكز نفوذ ظلت تتحكم بمسار الدولة لعقود طويلة. وفي هذا السياق جاء هادي إلى السلطة وحاول إدارة مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، كان أبرز محطاتها مؤتمر الحوار الوطني الذي حمل آمالاً واسعة لبناء دولة حديثة، غير أن تضارب المصالح والصراعات التقليدية أعاق تنفيذ كثير من مخرجاته.

 

كما أن الحملة التي رافقت وفاته أعادت طرح سؤال مهم حول نظرة بعض النخب السياسية والإعلامية إلى القيادات الجنوبية التي تتولى مواقع عليا في الدولة، إذ يرى كثيرون أن بعض الأحكام التي صدرت بحق هادي تجاوزت النقد السياسي إلى مواقف يغلب عليها البعد المناطقي والجهوي.

 

وفي النهاية، فإن التشفي بالموتى لا يسيء إلى الراحلين بقدر ما يكشف مستوى الخطاب الأخلاقي والثقافي لدى أصحابه. فالمجتمعات التي تسعى إلى بناء مستقبل مستقر تحتاج إلى ثقافة تقوم على التسامح واحترام الاختلاف والقدرة على تقييم التجارب السياسية بموضوعية، بعيداً عن الكراهية والعصبية والانفعال.

 

الرحمة والمغفرة للرئيس عبد ربه منصور هادي، وخالص العزاء لأسرته ومحبيه، ولجميع من آلمهم رحيله.

 

وإنا لله وإنا إليه راجعون.