اراء تغييرية

تحييد تهديدات طهران لا يمرّ عبر تل أبيب: قراءة عربية في حدود الرهان على  محور أبراهام ومأزق الأمن الخليجي

سعيد ثابت سعيد
وقت القراءة: 1 دقائق

دفعت الحرب الأخيرة المنطقة العربية، وفي القلب منها دول الخليج، إلى سؤال لم يعد ممكناً تأجيله: كيف تحمي أمنها ومصالحها في إقليم يتجاذبه خطران غير متماثلين؛ خطر إيراني مباشر يضغط بالصواريخ والمسيّرات والوكلاء والمضائق، وخطر إسرائيلي يسعى إلى تحويل التفوق العسكري إلى موقع قيادة وهيمنة؟

لم يعد النقاش محصوراً في اتفاقات أبراهام، ولا في التطبيع بوصفه علاقة سياسية أو اقتصادية بين بعض العواصم العربية و(إسرائيل). لقد صار السؤال أوسع: أين تقف الدول العربية، وفي مقدمتها دول الخليج، من نظام إقليمي تريد واشنطن وتل أبيب إعادة ترتيبه حول الكيان الصهيوني، بينما توسّع إيران نطاق الردّ ليطال الممرات البحرية والمنشآت الحيوية وأمن المدن؟ وتفعل طهران ذلك لا حرصاً على العرب وقضاياهم الوطنية والدينية، وإنما دفاعاً عن مصالحها القومية، وتثبيتاً لحضورها وريادتها في محيطها الإقليمي. 

وقد أعاد مقال: H. A. Hellyer في Foreign Affairs، بعنوان The End of the Axis of Abraham: The Arab Gulf and Israel Have Different Visions for a New Middle East، المنشور في 4/ مايو/ 2026 فتح النقاش حول حدود الرهان على اتفاقات أبراهام بوصفها مدخلا لنظام إقليمي جديد. غير أن المسألة، في السياق الخليجي بالتحديد، تبدو أوسع من سؤال نهاية الاتفاقات أو استمرارها؛ إذ تتصل قبل ذلك بتعريف طبيعة التهديد الذي تواجهه المنطقة، حيث يضغط الخطر الإيراني مباشرة على أمن الخليج، بينما يسعى الخطر الإسرائيلي التاريخي إلى تحويل تفوقه العسكري إلى هيمنة على الإقليم كله.

إن نهاية محور أبراهام هنا إنما هي نهاية الفكرة التي أرادت تحويل تلك الاتفاقات إلى بنية أمنية إقليمية تتمركز حول (إسرائيل). فالاتفاقات قد تبقى قائمة في خطوطها الثنائية، وقد تستمر في التجارة والتقنية والتنسيق المحدود، لكنها تفقد قدرتها على التحول إلى مظلة إقليمية جامعة كلما تصرفت (إسرائيل) بوصفها قوة فوق سيادة الدول، وكلما أرادت واشنطن إعادة ترتيب المنطقة حول أمن تل أبيب لا حول أمن الأقطار العربية.

يضع ذلك دول الخليج أمام مأزق واضح، فرفض النفوذ الإيراني لا يعني التسليم بقيادة إسرائيلية للمنطقة. والقلق من تمدد طهران عبر أذرعها المسلحة ونفوذها السياسي في العراق ولبنان واليمن لا يعطي تل أبيب حق التحول إلى مركز القرار الأمني في الشرق الأوسط. كما أن الحاجة إلى واشنطن لا تعني إبقاء أمن الخليج معلقاً بحسابات أميركية تجعل أمن تل أبيب في المقدمة دائما، ثم تضع مصالح الدول الخليجية في مرتبة لاحقة. 

لم تُنهِ الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران اتفاقات أبراهام، لكنها كشفت حدود قدرتها على التحول من اتفاقات تطبيع إلى أساس لنظام إقليمي جامع. فهذه الاتفاقات ما زالت قائمة، وقد تتعمق في بعض المسارات وتتوسع، خاصة في الحالة الإماراتية والبحرينية. لكنها لم تعد قادرة على تقديم نفسها بوصفها مظلة تقودها إسرائيل وتصطف خلفها دول الخليج وبقية دول المنطقة. فالتطبيع، في جوهره، ليس علاقة بريئة أو معزولة عن ميزان القوة في الإقليم؛ إنه يفتح لإسرائيل باباً أوسع للتغلغل السياسي والأمني والاقتصادي، ويصبح أكثر خطراً حين يتحول إلى منصة لإعادة ترتيب المنطقة حول مصالح تل أبيب. ولا تملك دول المنطقة مصلحة في التحول إلى خط دفاع أمامي يخدم الكيان الإسرائيلي أو غيره من القوى الأجنبية، في حرب لا تقرر توقيتها ولا تملك التحكم في نتائجها. 

وأزعم هنا أن الضرورة القومية تفرض على قيادات دول المنطقة التمييز بين مستويين من التهديدات التي تحيط بها، وتتحدد، في علم السياسة والعلاقات الدولية، عبر مزيج من القرب الجغرافي، والقدرة، والنية، وسجل السلوك، وحجم التأثير على السيادة والقرار الوطني، مع بقاء القوة العسكرية عنصرًا واحدًا ضمن هذا التقدير.

فإيران، من ناحية الأمن العسكري المباشر، تمثل الخطر الأقرب لدول الخليج والجزيرة العربية تحديدا. فهي تملك أدوات ضغط واسعة: صواريخ، ومسيّرات، وأذرعا وتشكيلات مسلحة، ونفوذا عبر ميليشيات محلية في العراق ولبنان واليمن، وقدرة على تهديد الممرات البحرية ومنشآت الطاقة. وهذا خطر قائم منذ سنوات، ولا يحتاج إلى تضخيم كي يبدو واضحا. 

أما (إسرائيل) فتمثل خطراً مختلفا في طبيعته ومداه؛ فلا يتخذ هذا الخطر صورة تهديد عسكري مباشر لكل دولة خليجية، كما هو الحال مع الخطر الإيراني القريب من الجغرافيا والمنشآت والممرات، لكنه يظهر في مشروع سياسي واستراتيجي يسعى إلى تحويل التفوق العسكري الإسرائيلي إلى قاعدة للهيمنة على المنطقة وقيادتها والتحكم بمصائرها.

فحين تقصف قوات الاحتلال الإسرائيلي خارج حدودها، وتتحرك في أكثر من ساحة، وتتجاوز سيادة دول عربية، كما تفعل في سوريا ولبنان وغزة، وتعتمد الحرب الاستباقية أداةً لتحقيق أهدافها، فإنها إنما تضغط على فكرة النظام العربي نفسه. ويزداد هذا الخطر حين يتواكب التفوق العسكري مع الاستيطان وقضم الأراضي وتهميش الحق الفلسطيني في اتفاقات التطبيع بنسخها المختلفة، لأن النتيجة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية لتطال السيادة، وموقع فلسطين المركزي في الوعي العربي، وقدرة الدول العربية على تعريف أمنها ومصالحها خارج الإرادة الإسرائيلية. وبهذا يتضح أن الخطر الإسرائيلي يصبح خطراً سياسياً واستراتيجياً يمس كينونة النظام العربي، بسعيه الحثيث إلى إعادة ترتيب الإقليم مركزته حول تفوق إسرائيل وحرية حركتها.

بهذا التمييز يمكن الخروج من رؤية شائعة في أوساط بعض النخب العربية والخليجية، تضع إيران و(إسرائيل) في خانة واحدة. فإيران، واقعياً وتاريخياً، شكلت تهديدا مباشراً لدول الخليج ومصالحها الحيوية بأدوات معروفة. أما الكيان الإسرائيلي فيمثل تهديداً وجودياً أعمق للنظام العربي؛ كونه انغرس في قلب المشرق العربي بدعم من القوى الدولية التي هيمنت منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم، ثم رسخ وجوده عبر الحروب والاحتلال والاستيطان وفرض الأمر الواقع، وصولاً إلى السعي لقيادة نظام إقليمي جديد يُعاد تشكيله وفق مصالحه الاستيطانية والاستعمارية.

ويظهر هذا التباين بوضوح في مواقف دول الخليج من اتفاقات أبراهام ومن الحرب الأخيرة؛ فالإمارات تبدو الطرف الخليجي الأكثر استعدادا لتعزيز العلاقة مع (إسرائيل)، بما يتجاوز الاقتصاد والتكنولوجيا إلى المجالين الأمني والعسكري. ذلك أن أبوظبي تنظر إلى إيران بوصفها تهديداً مباشراً لموانئها وتجارتها وموقعها البحري وشبكاتها الاقتصادية، وترى في العلاقة مع تل أبيب مصدر قوة إضافية داخل توازنات المنطقة. وهي تراهن على أن تقوّي تلك وجودها وتأثيرها في أي ترتيبات إقليمية ظل الوزن الأثقل فيها لعقود لعواصم عربية كبرى، مثل الرياض والقاهرة ودمشق.

بالتأكيد فإن الخيار الإماراتي لا يمثل الخليج كله، رغم أن البحرين يقترب موقفها في هذه المسألة من أبوظبي بحكم التطبيع وحساباتها الأمنية الخاصة، لكنها لا تملك الوزن السياسي والاقتصادي الذي يسمح لها بالمنافسة على قيادة هذا الاتجاه داخل الخليج. أما السعودية فتتحرك بحسابات مختلفة، فهي ترى في التمدد الإيراني داخل جوارها العربي خطرا مباشرا على أمنها ومكانتها، وتتعامل في الوقت نفسه مع أي علاقة محتملة مع (إسرائيل) من موقع الدولة التي تفاوض على شروطها. ويمنحها موقعها الديني والسياسي والجغرافي دوراً عربياً قيادياً، ويجعل فلسطين، والضمانات الأميركية، ومكانتها في الإقليم، عناصر حاضرة في أي مقاربة سعودية لهذا الملف. 

وتقف قطر في موقع أكثر حساسية بعد القصف الإسرائيلي على الدوحة، فقد نقل ذلك العدوان الخطر الإسرائيلي من المستوى النظري إلى التجربة المباشرة. فلم يعد الأمر متعلقا بغزة أو الضفة أو لبنان أو سوريا وحدها، وإنما بسيادة عاصمة خليجية كانت تؤدي دور وساطة في ملف شديد التعقيد. ويصعب على الدوحة أن تثق برؤية إسرائيلية للنظام الإقليمي؛ فهي تدرك خطر إيران، وتدرك في الوقت نفسه أن (إسرائيل) قد تتجاوز سيادة الدول وتشكل تهديدا جديا لدول المنطقة حين ترى أن مصلحتها الأمنية تقتضي ذلك.

أما الكويت فهي على تحفظها المعروف تجاه التطبيع، مستندة إلى تقليد سياسي وشعبي أكثر حساسية تجاه القضية الفلسطينية، وإلى رغبة واضحة في تجنب الاصطفافات الحادة. وهي، مثل قطر والسعودية، لا ترى أن رفض النفوذ الإيراني يفرض الانخراط في مشروع أمني إسرائيلي. وتذهب عُمان إلى موقع أبعد في رفض منطق الاصطفاف نفسه؛ فمسقط لا تقف مع طهران بالمعنى المباشر، لكنها تتمسك بنهج التهدئة والوساطة، وترفض تحويل الخليج إلى جبهة تابعة لإسرائيل أو منصة لحروب مفتوحة ضد إيران.

هذه التباينات أضعفت الرهان على تحويل اتفاقات أبراهام من مسار تطبيع انتقائي إلى مظلة إقليمية أوسع، تصبح فيها دول الخليج رافعتها الأساسية. فقد تعامل الكيان الإسرائيلي نفسه مع هذه الاتفاقات بوصفها نافذة لتوسيع حضوره الأمني والسياسي، ومدخلا لإعادة تموضعه داخل النظام الإقليمي. بيد أن الحرب الأخيرة كشفت حدود هذا الرهان؛ فدول الخليج قد تشارك هذا الكيان القلق من إيران، لكنها لا تشاركه بالضرورة تصوره لمستقبل المنطقة. تريد تل أبيب نظاما يمنحها التفوق وحرية الحركة، بينما تريد دول الخليج نظاما يحمي الممرات والطاقة والاستثمار والسيادة وغيرها.

يتبدى هنا الفرق بين أمن الخليج وأمن (إسرائيل)؛ فأمن الاحتلال الإسرائيلي، كما تصوغه حكوماتها المختلفة، يقوم على استخدام القوة لإرهاب الآخرين وإخضاعهم، وشن الحروب الوقائية، وفرض الوقائع، وإبقاء الجوار في حالة ضعف وهشاشة. أما دول المنطقة، وفي القلب منها الخليج، فتبحث عن أمن يحمي الاستقرار، وتدفق التجارة، وانفتاح الأسواق، واستمرار الطاقة، ويمنع انتقال الحروب إلى أراضيها وممراتها الحيوية. لذلك فإن تحويل أمن المنطقة إلى امتداد للأمن الإسرائيلي يجعلها جزءا من معادلة صراع لا تخدم مصالحها بالضرورة، ولا تصنع الاستقرار الذي تنشده. وتتحمل الولايات المتحدة نصيبا واضحا من هذا الخلل. فقد تعاملت طويلا مع أمن (إسرائيل) وأمن الخليج كأنهما متكاملان بطبيعتهما، غير أن الوقائع الأخيرة أظهرت أن هذا الافتراض يحتاج إلى مراجعة؛ فحين تتحرك تل أبيب عسكريا في إحدى ساحات المنطقة، لا تبقى آثار التصعيد محصورة في تلك الساحة، بل تمتد إلى دول أخرى، وخاصة دول الخليج، عبر تهديد المنشآت، وارتفاع كلفة التأمين، واضطراب الملاحة، وقلق أسواق الطاقة، وتراجع ثقة المستثمرين. لذلك لم يعد سهلا تسويق فكرة أن الاندماج في نظام أمني تدور إسرائيل في مركزه سيمنح الخليج حماية مضمونة. قد يمنح هذا النظام الكيان الإسرائيلي عمقا إقليميا أوسع، لكنه يترك دول الخليج أمام مخاطر أوسع وانكشاف أكبر.

لا تستطيع دول الخليج، في المقابل، أن تظل في موقع المراوحة بين الحذر من إيران والقلق من (إسرائيل)، ولا أن تترك لواشنطن وحدها رسم حدود أمنها، فالحياد الذي قد تلجأ إليه لتخفيف كلفة الاصطفاف يظل محدود الأثر إذا لم تعترف به الأطراف المنخرطة في الحرب أو التصعيد، والانفتاح على إيران قد يساعد على خفض التوتر، لكنه لا يمنح ضمانة كافية ما دامت طهران تنظر إلى القواعد الأميركية، والتعاون العسكري مع واشنطن بوصفهما جزءا من منظومة معادية لها. أما التطبيع، الذي يراد له أن يفتح أبوابا للتعاون الاقتصادي أو التقني أو الأمني، فلا يصنع حماية حقيقية حين تصبح (إسرائيل) نفسها أحد مصادر التصعيد في المنطقة. فتحتاج دول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج، إلى مقاربة ثالثة متخففة من الضغط الإيراني، ومتحررة من الهيمنة الإسرائيلية، وفي ذات الوقت لا ترهن أمنها كله للضمانة الأميركية.

تبدأ هذه المقاربة من بناء قدرة خليجية أوسع على حماية الأمن المشترك. فبيانات مجلس التعاون لا تكفي، والتحالفات القائمة لا توفر لدوله الأعضاء ما تحتاجه من طمأنينة إذا بقي القرار موزعاً بين العواصم الكبرى. وتبدأ الحماية الأكثر رسوخا من داخل البيت الخليجي نفسه، عبر تنسيق دفاعي فعلي بين الدول التي تشترك في الممرات والموانئ ومنشآت الطاقة، وتبادل سريع لبيانات الإنذار المبكر، وتكامل في الدفاع الجوي، ومخزون مشترك من الصواريخ الاعتراضية، وصناعات قادرة على مواجهة المسيّرات التي صارت إحدى أدوات الحرب في المنطقة. لكن هذه الخطوات ستبقى محدودة ما لم تقف خلفها إرادة سياسية خليجية تعرف ما تريد، وتحوّل الشعور بالخطر إلى موقف واحد، وتمنح العواصم الخليجية صوتا أوضح في واشنطن، وقنوات أكثر توازنا مع طهران، وعلاقة ندية مع (إسرائيل).

واجب الوقت في اعتقادي ليس الدوران في الثنائية القاتلة بين إيران و(إسرائيل)، ولا استبدال الاعتماد الكامل على واشنطن باعتماد آخر في عاصمة أخرى.. الواجب الملحّ أن توسّع هذه الدول هامش حركتها وقرارها في منطقة تملك هذا الوزن الجغرافي والاقتصادي والسياسي، وأن تجعل شراكاتها الخارجية رافداً لأمنها لا بديلا عنه.

لا يتوقف درس الحرب الأخيرة عند سؤال: ما إذا كانت اتفاقات أبراهام ستستمر أو تتعثر، فقد باتت دول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج، بحاجة إلى رؤية أمنية تخصها، لا تبرر عبث طهران، ولا تمنح تفوق تل أبيب غطاء، ولا تنتظر من واشنطن أن تفكر نيابة عنها. فالمنطقة التي تقف على مضيقي هرمز وباب المندب وتقع على ضفاف الخليج العربي وبحر العرب لا يجوز أن تبقى مجرد كيانات هامشية في المجالات الجيوسياسية للآخرين. وإذا لم تضع دولها متطلبات أمنها بيدها، فستظل عالقة بين خوف من إيران، وقلق من (إسرائيل)، واعتماد مكلف على الولايات المتحدة.