اراء تغييرية

أزمة الأدوات الأخلاقية: لماذا لا يجوز تقليد الإماميين في محاربة الكذب بالكذب؟

مجيب الحميدي
وقت القراءة: 1 دقائق

 

تتفق المذاهب الإسلامية، في أصولها الأخلاقية والفقهية المحكمة، على تحريم الافتراء، والقذف، وشهادة الزور، والبهتان. وتكاد تتطابق الرؤى على أن الكذب لا يمكن أن يكون وسيلة شريفة للنيل من الخصوم مهما اشتد الخلاف معهم، ومهما بلغ ظلمهم أو عدوانهم. فالموقف القرآني في هذا الباب حاسم ولا يقبل القسمة، إذ يأمر بالعدل كقيمة مطلقة حتى مع الأعداء، ويجعل الإنصاف معيارًا تعبديًا لا يسقط بحال من أحوال الخصومة: {كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [المائدة: 8].

ومن هذا المنطلق التأسيسي، قرر علماء الإسلام أن الكذب والبهتان لا يدخلان أبدًا في باب "المعاملة بالمثل"؛ لأنهما من المحرمات المتعلقة بحق الله تعالى أولًا وحق الإنسانية ثانيًا. فلا يملك المرء رخصة شرعية تردّ بها كذب من كذب عليه بافتراء مثله.

وهذا المبدأ هو ما جسده الإمام المجتهد ابن تيمية عملًا ونظرًا ؛ فعندما صنّف كتابًا في الاستغاثة ردَّ عليه أحدهم فكفَّره وضلله وشتمه، ومع ذلك لم يقابله بالمثل، بل قال في "الرد على الإخنائي":

"ونحن نعدل فيه ونقصد قول الحق والعدل فيه، كما أمر الله تعالى؛ فإنه أمر بالقسط على أعدائنا الكفار... فكيف بإخواننا المسلمين".

وفي موضع آخر من "مجموع الفتاوى" يضع معيارًا ذهبيًا في إدارة الخصومة قائلًا:

"هذا وأنا في سعة صَدْرٍ لمن يخالفني، فإنه وإن تعدَّى حدود الله فيّ بتكفير أو تفسيق أو افتراء أو عصبية جاهلية، فأنا لا أتعدى حدود الله فيه، بل أضبط ما أقوله وأفعله، وأزنه بميزان العدل".

ويؤكد في كتابه "الرد على البكري" أن المحرمات لذاتها لا تُقابل بالمثل، فيقول: "من كذب عليك وزنى بأهلك، ليس لك أن تكذب عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنا حرام لحق الله تعالى".

إن من يرمي بريئًا -أو حتى خصمًا فاجرًا- بذنب لم يقترفه، فقد احتمل بهتانًا وإثمًا مبينًا ولا يغني عنه ظنه الساذج أنه يخدم عقيدته، أو يحارب أهل الباطل؛ فلا باطل أعظم من شهادة الزور. والشريعة لم تستثنِ الكذب إلا في أضيق الحدود (كإعلان النوايا الاستراتيجية والتكتيكات التضليلية العسكرية في الحروب، أو الإصلاح بين المتخاصمين أو حالات الاكراه على المعتقد) وهي مواضع لا تسقط حقاً ولا تظلم بريئاً، ولم تفتح الباب قط لقذف البريء بالبهتان كائنًا من كان. هذا مبدأ ديني اتفقت عليه أمة الإسلام بجميع مذاهبها، باستثناء انحراف وتفرد شهير وقع فيه كبار مرجعيات الشيعة الإمامية.

 

المأزق الأخلاقي في التراث الإمامي

لقد انفردت مدرسة الشيعة الإمامية بتأسيس شرعي يجيز الكذب على من يسمونهم "أهل البدع" -وهم كل من خالف ركائز مذهبهم كالقول بالعصمة والرجعة والولاية-. حيث اعتبر كبار مراجعهم أن مصلحة المذهب تقتضي إيغالاً في الكذب والبهتان والقذف وشهادة الزور لتشويه سمعة الخالف وتنفير الناس منه لإسقاط حجته.

والأقبح من هذا الانحطاط السلوكي هو نسبته إلى الرسول ﷺ زيفاً؛ حيث روى شيخهم الكليني في الكافي حديثًا (زعموا صحته) منسوباً للنبي ﷺ جاء فيه:

"... "إِذَا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الرَّيْبِ والْبِدَعِ مِنْ بَعْدِي فَأَظْهِرُوا الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ، وأَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْ، والْقَوْلَ فِيهِمْ والْوَقِيعَةَ، وبَاهِتُوهُمْ كَيْلَا يَطْمَعُوا فِي الْفَسَادِ فِي الإِسْلَامِ، ويَحْذَرَهُمُ النَّاسُ، ولَا يَتَعَلَّمُوا مِنْ بِدَعِهِمْ، يَكْتُبِ اللَّه لَكُمْ بِذَلِكَ الْحَسَنَاتِ ويَرْفَعْ لَكُمْ بِه الدَّرَجَاتِ فِي الآخِرَةِ"..."

كما نسبوا للإمام السجاد تجويز ترويج شائعات السوء والوقيعة والمباهتة ضد الخصوم. وعلى هذا الأثر الملتوي، أفتى مرجعهم الملقب بآية الله العظمى السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي، بجواز الافتراء والقذف وإلقاء الأكاذيب على أصحاب البدع ودعاة الضلال، ناسبًا جواز القذف والافتراء إلى إمامهم المعصوم بناءً على صحيحة داود بن سرحان وتم تقييد هذا الجواز بحالة العجر عن مواجهة الحجة بالحجة وحينها يتم اللجوء إلى القذف لتشويه المخالف وتشويه حجته بأدوات غير أخلاقية.

ومن باب الإنصاف يجب التأكيد على أن ثمة علماء ومحققين في المذهب الشيعي تنبهوا لخطورة هذا المنزلق الأخلاقي ورفضوا هذه الفتاوى، وحاولوا تأويل النصوص بأن المقصود بـ"المباهتة" هو إفحامهم بالدليل والحجة البالغة وهو ما أشار إليه المرجع العراقي المعاصر كمال الحيدري ناقلاً هذا الرفض عن الشيخ الأنصاري وغيره. 

 

معركتنا اليوم: التحدي والمسؤولية

إن التحدي الأخلاقي الذي يواجه الصف الجمهوري اليمني اليوم في معركته المصيرية ضد المليشيات الحوثية (التي تتغذى على ذات التراث الجارودي والإمامي)، يتمثل في عدم الانجرار إلى أساليب الخصم ذاتها في الفجور بالخصومة.

إنها لمفارقة عجيبة ومحرجة جداً، أن نرى بعض الأقلام والناشطين في صفوف المقاومة والشرعية يعتقدون أن صناعة الشائعات تخدم القضية الوطنية وبذلك يسقطون في الفخ الأخلاقي، ويتبعون -من حيث لا يشعرون- المنهجية المنحرفة لعلماء الشيعة الإماميين الذين يستبيحون البهتان لإسقاط الخصم.

إن الانزلاق إلى تزييف الوعي والكذب يترتب عليه آثار كارثية في معركتنا الوطنية منها:

1. فقدان المصداقية: إذا اكتشف المجتمع أو الرأي العام العالمي كذبة واحدة ملفقة، فإنه سيشكك تلقائياً في مئات الحقائق الصادقة والجرائم الحقيقية الموثقة التي يرتكبها الحوثيون، وما أكثرها.

2. إضعاف الخطاب الجمهوري: يرتكز مشروعنا على الدولة والقانون والمواطنة والمدنية، وهي قيم تقوم على "الحقيقة"، وبمجرد استخدام التلفيق يمنح الخصم فرصة ذهبية لتشويه عدالة القضية برمتها.

3. خسارة التفوق الأخلاقي: إن أعظم قوة نملكها في مواجهة هذا المشروع الكهنوتي السلالي هي تفوقنا الأخلاقي المتمثل في الصدق، والعدل، والنزاهة، فإذا تخلّينا عن هذه الأسلحة تشابهت الوجوه وضاعت الميزة." إنكم إذن مثلهم".

إن لدى خصوم الشرعية والجمهورية من الحوثيين وغيرهم من الممارسات الشنيعة، وتفجير المنازل، ونهب الأموال، وحصار المدن، وتجويع الشعب، ما يغنينا تماماً عن اختلاق كذبة واحدة ضدهم. الحقيقة العارية وحدها كافية لفضحهم، والصدق المجرد كفيل بأن يمنح خطابنا القوة والمصداقية والتأثير الطويل الأجل.

فلنحرص جميعًا على التحقق قبل النشر، ولنميز بين الانتصار العادل للقضية وبين الانزلاق لوسائل رخيصة تضرها ولا تنفعها. لنحارب هذا المشروع الأسود بعدل الإسلام ونزاهة الجمهورية، لا بانفعال الخصومة الجاهلية.