اراء تغييرية

عن المجاعة حين تصبح وسيلة حكم

سامي الكاف
وقت القراءة: 1 دقائق

أعتقد انه في التجارب التي تنهار فيها الدولة تحت سطوة الجماعات العقائدية المسلحة، لا يصبح الاقتصاد مجالاً للإدارة والتنمية، بل أداة للهيمنة وإعادة تشكيل المجتمع وفق منطق القوة.

واليمن اليوم يقدم واحداً من أكثر النماذج قسوة في هذا السياق؛ حيث تحولت معاناة الناس في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثية من نتيجة للحرب إلى جزء من آلية الحكم نفسها. فحين تُصادر الموارد، وتُنهك الأسواق، وتُقطع الرواتب، ويُدفع المجتمع إلى حافة الحاجة الدائمة، فإن الأمر في تصوري يتجاوز حدود الفشل الاقتصادي إلى بناء منظومة إخضاع كاملة.

وعليه؛ لا تعود المجاعة هنا كارثة طارئة فحسب، بل تتحول في تقديري إلى وسيلة سياسية تُدار بها الجماعات وتُكسر بها إرادة الناس تحت وطأة الخوف والعوز.

لاحظوا أن الحوثية منذ لحظة انقلابها على الدولة بقوة السلاح، أثبتت أنها والمدنية نقيضان لا يجتمعان؛ فالمشروع الذي يقوم على السلالة والقوة لا يستطيع أن يتعايش مع فكرة الدولة الحديثة القائمة على القانون والمواطنة والمؤسسات.

ولذلك لم يكن تدمير الاقتصاد اليمني نتيجة جانبية للحرب، بل كان امتداداً طبيعياً لبنية فكرية ترى في المجتمع مورداً للجباية لا شريكاً في الوطن.

فمنذ سيطرتها على مؤسسات الدولة، تحولت الموانئ والمعابر والأسواق إلى نقاط استنزاف مفتوحة، وفُرضت الجمارك والإتاوات والضرائب المضاعفة على التجار والمواطنين، بينما ذهبت الأموال المنهوبة إلى تمويل الحرب وإثراء المشرفين بدلًا من تحسين حياة الناس. حتى ميناء الحديدة، الذي كان يمثل شرياناً اقتصادياً حيوياً لليمنيين، جرى تحويله إلى ساحة صراع عسكري أفضى إلى تدمير بنيته التحتية وتعميق الخسائر الاقتصادية والمعيشية على ملايين المواطنين.

في الواقع، لم تكتفِ الحوثية بإسقاط الدولة، بل عملت على تفكيك شروط الحياة نفسها؛ فصادرت رواتب الموظفين، وعبثت بالقطاع المصرفي، وأضعفت العملة الوطنية، ودفعت مئات الشركات ورجال الأعمال إلى الإغلاق أو الهجرة تحت وطأة الابتزاز والفوضى وانعدام الاستقرار.

لاحظوا معي من فضلكم أن الاقتصاد حين يتحول إلى أداة إخضاع، تصبح المجاعة وسيلة حكم، ويغدو الفقر سياسة مقصودة لا مجرد نتيجة عابرة.

ولذلك فإن ما يعيشه اليمن اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية طارئة، بل تعبير عن مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع عبر التجويع والإفقار وكسر الإرادة، بحيث يتحول الإنسان من مواطن يمتلك حقه في الحياة والكرامة إلى كائن مرتهن لكسرة خبز قد لا تأتي وكأنها أشبه بسراب.

في تقديري إن أخطر ما في الكارثة اليمنية ليس حجم الفقر وحده، بل اعتياد العالم على مشهد الانهيار بوصفه واقعاً دائماً. فالمجاعة التي تُنتجها الحروب قد تكون مأساة، لكنها حين تُدار وتُستثمر وتُستخدم لإبقاء المجتمع خاضعاً، فإنها تتحول إلى بنية حكم كاملة.

ولهذا فإن معركة اليمن الحقيقية، كما أرى، لا تتعلق فقط باستعادة الجغرافيا أو إسقاط انقلاب مسلح، بل باستعادة معنى الدولة نفسها باعتبارها الضامن للكرامة والعدالة والحق في الحياة. فالدولة التي لا تحمي مواطنيها من الجوع والعوز تتحول إلى فراغ، والفراغ في اليمن لم تملأه سوى مشاريع القوة والفوضى والسلالة على حساب الإنسان ومستقبله وحقه الطبيعي في وطن آمن ومستقر؛ وقابل للحياة وهذا هو بيت القصيد.