في ثاني أيام عيد الأضحى، توفي آخر رئيس منتخب للجمهورية اليمنية، الرئيس عبدربه منصور هادي في ذمة الله، بعد أعوام قليلة من مغادرته المشهد السياسي الذي تربع على عرشه طويلاً؛ نائباً لرئيس الجمهورية ثم رئيساً في مرحلة صعبة، ولعل قدرته المذهلة على خلق جنة شخصية هادئة في عين العاصفة كانت إحدى أهم مزاياه ونقاط ضعفه في آن واحد، ومن هذا التناقض تحديداً، تتكشف ملامح شخصية حكمت بلاداً تنهار، وتتضح معالم مرحلة بأكملها.
تأسست بنية الصمت لدى عبدربه منصور هادي كضرورة وظيفية داخل بيئة سياسية مفرطة الشخصنة وشديدة الحساسية تجاه مراكز القوى، فرضت متطلبات البقاء في دوائر السلطة العليا خلال حقبة النظام السابق إتقان فن التواري وتغييب الأثر، فكان انعدام الطموح المعلن درعاً يجنبه الاستهداف في معادلة حكم تقصي الطامحين وتستنزفهم، حيث أدرك وقتها أن النجاة تكمن في البقاء خارج رادار الصراع، فمارس الحياد، واكتفى بحدود الدور الوظيفي المنضبط الذي يطابق توقعات المركز الحاكم ولا يثير ريبته.
بمرور الوقت، تجاوز هذا الانكفاء كونه تكتيكاً أمنياً مؤقتاً، وتجذر في التكوين النفسي ليصبح سمة مستقرة تحكم استجابته للمتغيرات، وحين وضعته التحولات في قمة الهرم، حدث الصدام الحتمي بين موقع سيادي يتطلب حضوراً يومياً طاغياً، ورغبة ذاتية تميل إلى تجنب الضوء، فواجه الرئيس انكشافاً إجبارياً لم يألفه طوال عقود، فاستدعى آليات الدفاع القديمة، وتراجع إلى الظل مجدداً، وفضل العزلة على الاشتباك المباشر مع استحقاقات القيادة.
انعكست هذه الطبيعة النفسية مباشرة على صناعة القرار السيادي، فأصبح الغياب الطوعي وتجنب الاشتباك خيارات سياسية يومية وبدائل عن المواجهة، وترك للقضايا المشتعلة أن تبرد ذاتياً أو تتعقد، مما أحدث فراغاً هائلاً في قلب مركز الدولة، فأسس هذا المنهج لمتلازمة الشلل الرئاسي، وسمح للقوى المحلية والإقليمية بتشكيل وقائع الأرض بحرية تامة، بينما ظل رأس الدولة يحتفظ بصمته غير المفهوم، والقابل لكل التفسيرات.
لعزل إيقاعه اليومي عن الفوضى العاصفة في الخارج، أرسى عبدربه منصور هادي آلية خاصة إلى بناء روتين شديد الرتابة والانتظام، وتحول بمرور الوقت إلى جدار نفسي سميك يحجب ضجيج الكارثة، وأظن هذه الرتابة المفرطة منحته شعوراً زائفاً بالسيطرة، ووفرت بيئة مصغرة ومستقرة تتناقض كلياً مع حالة السيولة والانهيار التي كانت تجتاح البلاد.
تجاوزت هذه العزلة حدود القصور الإداري لتشكل درعاً نفسيا حتمياً، مثّل بناء هذه الجنة الشخصية الهادئة استجابة دفاعية لحماية البنية النفسية من التصدع أمام أزمة وجودية تفوق القدرة الذاتية على الاستيعاب والمواجهة، حيث صار تجنب النظر إلى الهاوية وتجاهل مركزية الحدث العنيف شرطاً أساسياً للاستمرار، ومساراً إجبارياً للنجاة الفردية من وطأة الضغوط المتصاعدة.
أفرزت هذه الآلية مفارقة حادة تجلت في نجاة الفرد وغرق الدولة، تسرب هذا الهدوء المفتعل والبطء الشخصي إلى مفاصل المؤسسة الرئاسية بأكملها، وأنتج فجوة زمنية هائلة بين سرعة تشكل الوقائع على الأرض، ورخاوة الاستجابة في قمة السلطة، ودفع هذا الانفصال الهيكلي مركز القرار إلى حالة من الشلل الكامل، ودفع الكيان الوطني كلفة باهظة لضمان بقاء السكينة الفردية لشاغل المنصب.
وزهداً في السلطة أو استهانةً بأعبائها ومسؤولياتها، اعتاد هادي أن يحتجب عن مستشاريه ورجال دولته أسابيع وشهوراً، ومثّل هذا الاحتجاب داءً سياسياً ورّثه لطبقة الحكم من بعده؛ إذ اكتشف هؤلاء أن بإمكانهم الاستجمام بعيداً عن ضجيج العمل اليومي ومتطلبات القيادة، وحين يعودون لا يجدون أمامهم من التعقيدات ما يكفي لخلق أي شعور بالندم على ابتعادهم عن الناس.
تشكلت الذاكرة السياسية اليمنية عبر عقود طويلة من الاعتياد على نموذج الزعيم المستعرض للقوة، الذي يدير التناقضات المفتوحة بخطابات شعبوية وتواصل مباشر مع الجماهير، وارتبط مفهوم السلطة ومشروعية الحكم في الوعي الجمعي بالصوت المرتفع والقدرة على المناورة العلنية، إلى جانب الحضور الطاغي الذي يملأ الفراغ البصري والنفسي للمجتمع، ويمنح الأفراد شعوراً بوجود قيادة تتصدر المشهد وتتحمل مسؤولية التوجيه المباشر.
وفي خضم هذا التكوين النفسي المتجذر، برز تباين صادم بين تطلعات الشارع في لحظة حرب وجودية تتطلب قائداً ملهِماً يعبئ الطاقات، وبين شخصية رئاسية تفتقر لأبجديات الخطابة والتحشيد، وقد أسهم ظهوره النادر ولغته المنسحبة، واعتماده غالبا على نصوص مكتوبة تقرأ بلغة بيروقراطية جافة، في تعميق الإحباط العام، وأدى إلى تبريد همة الشارع وإضعاف مستوى استجابته للتحدي التاريخي الذي يحيط بالبلاد.
ونتيجة لهذا الغياب الكاريزمي، استشعر المجتمع حالة قاسية من اليتم السياسي في أحلك أوقاته التاريخية وأكثرها حاجة لمركز استقطاب وطني، وتزامن ذلك مع استغلال المشاريع الموازية والانقلابية لهذا الفراغ الرمزي، حيث سارعت إلى تقديم قياداتها لتملأ المساحة العاطفية والتعبوية التي تخلى عنها رئيس الدولة، واستحوذت على المساحات النفسية التي فشلت السلطة الشرعية في إدارتها وتوجيهها.
قارب هادي الانقلاب العسكري وتداعي مؤسسات الدولة بمنطق الإدارة اليومية، إذ تعاطى مع التحولات الجذرية والتهديدات الوجودية كما لو كانت مجرد أزمات بيروقراطية تقبل المعالجة عبر المراسيم والقرارات الورقية، وبناءً على ذلك، أفضى هذا المنظور إلى تفريغ الكارثة من طابعها العنيف، كما أسهم في إضعاف حالة الاستنفار القصوى التي تقتضيها عادة لحظات السقوط المدوي للأنظمة.
وفي سياق متصل، مال الرجل باستمرار نحو إحالة القضايا المشتعلة والأزمات الطارئة إلى لجان دراسة متأنية، ليهرب بذلك من اتخاذ مواقف حاسمة، ولأن هذا الإيقاع الإداري البطيء يعمل خارج الزمن الفعلي للحرب المفتوحة، فقد منح الفاعلين الميدانيين هوامش زمنية شاسعة، استغلوها لتثبيت وقائع عسكرية وسياسية صلبة، وأفقدوا بذلك أي قرارات رئاسية لاحقة قيمتها الفعلية وتأثيرها المباشر.
ونتيجة لهذه المنهجية، برز تناقض حاد بين ديناميكية الحدث اليمني المتسارع وبطء الاستجابة الرئاسية، ففي حين كانت الجغرافيا تتبدل والتحالفات تتشكل بسرعة فائقة، ظلت مؤسسة الرئاسة تدير أزمتها بإيقاع رتيب ومتردد، وهو الأمر الذي سلبها زمام المبادرة كلياً، وحولها إلى هيكل معزول يكتفي بمراقبة التحولات، ويعجز تماماً عن توجيه مسارها أو السيطرة على مآلاتها.
حين انتقل عبدربه منصور هادي إلى الرياض كانت مجردا من كافة أدوات القوة الخشنة، ولم يتبقَ بين يديه سوى نص دستوري واعتراف دولي يمثلان أداته الوحيدة لممارسة السلطة، ولتعويض هذا الفراغ الميداني، شرع في بناء جهاز إداري جديد للدولة وانطلق من الصفر، واعتمد في ذلك حصرياً على من اختار الالتحاق به في المنفى، ونتيجة لذلك، تحولت مؤسسة الرئاسة إلى كيان معلق، يمتلك حق التوقيع وإصدار المراسيم، غير أنه يفتقد القدرة الفعلية على فرض سيادته على الأرض، خاصة وقد تزامن ذلك مع تمكين للقوى الانفصالية في المناطق التابعة شكليا للدولة الشرعية.
وفي هذا السياق المعزول، تشكلت حول الرئيس بطانة تمثل أسوأ تحالف مصلحي هجين، حيث تجمعت بقايا من نظام صالح مع أفراد من شباب الثورة الذين استثمروا اللحظة بانتهازية، فضلاً عن شخصيات خاملة قفزت فجأة إلى مواقع القرار وتخلت عن مواقعها السابقة، وقد أسست هذه المجموعة شبكة محكمة لاحتكار مكاسب السلطة واقتصاد الحرب، واستأثرت لنفسها بالامتيازات، وضمنت البقاء في مساحات آمنة ومغلقة بعيداً عن نار المعارك وغبارها.
وتأسيساً على هذا الواقع، برزت مفارقة مأساوية بين نخبة تستقر في العاصمة البديلة لتتشارك المغانم، وبين أولئك المخلصين والحالمين الذين تُركوا لدفع الأثمان الباهظة في ميادين المواجهة، فقد أدى استئثار مجموعة الرياض بالقرار إلى خذلان الجبهات التي ظلت تقاتل بشراسة في مسارين متناقضين؛ إذ واجهت انقلاباً في الشمال تدعمه إيران من جهة، وتصدت لمشاريع تشطير في الجنوب تدعمها الإمارات من جهة أخرى، في حين ظلت القيادة الشرعية تراقب هذا الاستنزاف وتركت القوى الوطنية تواجه مصيرها وحيدة.
اعتمد عبدربه منصور هادي تكتيكا ثابتا في إدارة الصراع، وراهن بشكل مطلق على الوقت لإطالة أمد الحرب، واعتقد أن هذا المسار يؤدي حتما إلى استنزاف الخصوم، ويفكك الانقلاب من الداخل، ويورط الحلفاء الإقليميين في تحمل الكلف العسكرية والمادية، وتأسيسا على هذا الاعتقاد، فضل الركون السلبي للزمن، وابتعد عن اتخاذ أي فعل مباشر أو مبادرة تكسر حالة الجمود وتعيد تعريف قواعد الاشتباك.
وفي سياق هذا التوجه، برزت مقولته التي كان يرد بها على من يحذره من ضياع الوقت وحكم التاريخ حين يقول: "لا تخف، نحن أسرة أعمارنا طويلة"، وتعكس هذه العبارة خلطا قاتلا بين العمر الفسيولوجي للفرد والعمر الافتراضي للمؤسسات، إذ قاس صمود الدولة والمجتمع بقدرته البيولوجية الموروثة على البقاء، وتجاهل في خضم ذلك أن الدول تنهار وتتلاشى في أزمنة قياسية لا تنتظر شيخوخة الحكام، ليتحول هذا الاطمئنان الجيني إلى تخدير سياسي يعطل أي استجابة عاجلة لمتطلبات الإنقاذ.
وكنتيجة طبيعية لسياسة الانتظار، حصدت البلاد نتائج كارثية عصفت بكيانها، ورغم نجاح هذا التكتيك في تأمين بقائه الشخصي والسياسي لسنوات، فإنه أدى بالتوازي إلى تهشم الهيكل الوطني بالكامل، وارتد الرهان على استنزاف الخصوم بشكل عكسي، لينتهي باستنزاف الشرعية ذاتها التي فقدت احتكارها للقوة والموارد، وتركت الجغرافيا عرضة للابتلاع اليومي من قبل التشكيلات العسكرية والسياسية الهجينة.
وسط التناقضات الحادة التي ميزت مسيرته، احتفظ عبدربه منصور هادي، بإيمان صلب بفكرة الوحدة اليمنية، وقاتل ببسالة للدفاع عنها في محطات تاريخية مفصلية، وبرزت هذه العقيدة الوحدوية بوضوح أثناء رعايته وإدارته لمؤتمر الحوار الوطني، حيث بذل جهودا مضنية للحفاظ على تماسك الكيان اليمني، وحاول هندسة مسار سياسي يضمن بقاء الجغرافيا الوطنية متصلة، ويتجاوز مشاريع التشظي التي هددت بنية الدولة، وحاول اجتراح طريق ثالث بين المركزية والانفصال من خلال مشروع الأقاليم..
كما أنه خلال عقدين من الزمن في موقع نائب الرئيس، عمل بصمت ودأب على خدمة أبناء محافظته وتخفيف أعبائهم ضمن المتاح من هوامش السلطة آنذاك، وامتدت محاولات الدعم هذه لتشمل قطاع الشباب إبان توليه الرئاسة، إذ سعى إلى إدماجهم في هياكل الدولة، وأتاح لهم مساحات حضور ضمن مراكز القرار، ورغب من خلال ذلك في تجديد دماء الإدارة وتجاوز احتكار الحرس القديم للمناصب.
وتتوج هذه الجوانب المضيئة بمشهد مغادرته السلطة، الذي أظهر زهدا سياسيا نادرا في التمسك بمكاسب الحكم، حيث انسحب بهدوء من المشهد المعقد، وأعرض عن أي محاولة للعودة أو التشويش على من خلفه، رغم توفر فرص عديدة ودواعي سياسية وميدانية أتاحت له إرباك المعادلة من جديد، واختار العزلة الطوعية، ليطوي صفحته بموقف يترفع عن التشبث بكرسي الرئاسة، ويغادر المسرح ويحتفظ بصمت أخير يعكس ترفعه عن صراعات النفوذ والمغانم.
مشهد خروج هادي الأخير من السلطة طابق منهجه النفسي والإداري طوال سنوات حكمه، حيث سلم القرار بهدوء وتوارى دون أدنى اشتباك، ووقع على تفويض صلاحياته الرئاسية بالآلية الرتيبة ذاتها التي اعتاد أن يوقع بها يومياته الإدارية، فآثر الانسحاب مجدداً، وتجنب المواجهة المباشرة مع التحولات الإقليمية والمحلية التي فرضت عليه هذا الخروج الطارئ، وأنهى مسيرته واحتفظ بسكينته الفردية المعتادة.
وعقب هذا الانسحاب، ترك خلفه أنقاض سلطة ومررها إلى كيان هجين كان يحمل تناقضات أشد فتكاً ببنية المجتمع، وأسس هذا الانتقال لمرحلة جديدة من التيه السياسي والمؤسسي، حيث كانت تتوزع قرارات السيادة بين مراكز قوى متعددة، تتنازع ما تبقى من الموارد والجغرافيا، وتدير الشأن العام بعقلية الفصائل المتناحرة.
سيحفظ التاريخ صورة عبدربه منصور هادي في الوعي الجمعي بعيداً عن ملامح الحاكم البطاش الذي تعمد تدمير بلاده، ويوثق سيرته كشخصية مسالمة فتكت بالدولة عبر الصمت والانتظار، لتتجسد المأساة في رئيس دفع وطنه أثماناً باهظة لحماية سكينته، ثم غادر المشهد وترك خلفه جمهورية تتلاشى ملامحها وتتآكل سيادتها يوماً بعد آخر.