ماذا يجرى .. وديعة مالية مقابل حقول نفط والمهرة.!؟
قبل 14 يوم, 22 ساعة
2020-06-27ظ… الساعة 19:00 (التغيير نت - متابعات: )

تعرض الحكومة اليمنية التي يتواجد معظم وزرائها في الرياض لضغوطات كبيرة يقودها السفير السعودي لدى اليمن، محمد آل جابر، لتوقيع مسودة اتفاقيات بين الطرفين تحت إطار ما يسمى بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن والذي يرأسه السفير السعودي، والجلوس مع حلفاء الإمارات المجلس الانتقالي الجنوبي المتمرد على الحكومة لمناقشة تنفيذ اتفاق الرياض بصيغته المعدلة والتي ترفضها الحكومة.

وتتجه السعودية وشريكتها في التحالف الإمارات، إلى البسط على عديد المواقع الاقتصادية اليمنية النفطية والغازية والنقل، والإشراف على بعض المناطق والمحافظات الاستراتيجية في إطار اتفاقيات يجري توقيعها مع الحكومة اليمنية. وبعد الاستيلاء على سقطرى يرى مراقبون أن الدور القادم سيكون على ثروات مثل النفط ومواقع أخرى استراتيجية مهمة مثل المهرة.

وكشفت وثيقة مسربة صادرة عن وزارة النفط اليمنية اطلعت عليها "العربي الجديد" عن بنود اتفاقية مزمع توقيعها بين الحكومة اليمنية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، يتم بموجبها استحواذ البرنامج عن طريق شركة "أرامكو" الوطنية السعودية على قطاعات ما يعرف بـ"المثلث الأسود" النفطية في المناطق الشرقية من اليمن الواقعة على امتداد ثلاث محافظات مأرب والجوف وشبوة، لمدة 40 عاماً.

ورغم نفي الحكومة اليمنية صحة المعلومات والاتفاقية التي اعتبرتها مزورة، إلا أن مصادر مطلعة أكدت لـ"العربي الجديد" أن الحكومة تتعرض لضغوطات سعودية شديدة تتعلق بالمعارك الدائرة في جبهات الجوف ومأرب مع الحوثيين، وفي أبين مع حلفاء الإمارات الانتقالي الجنوبي، بهدف الرضوخ والتجاوب مع المشاريع التي يتبناها ما يسمى بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.

وأضافت المصادر، التي رفضت ذكر اسمها، أن السعودية ترفض تجديد الوديعة الدولارية في البنك المركزي اليمني، وتشترط لتجديدها رضوخ الحكومة، والجلوس مع الانتقالي الانفصالي الجنوبي لمناقشة تنفيذ اتفاق الرياض وفق الصيغة السعودية المعدلة والمعطيات الجديدة على الأرض، بعد استيلاء حلفاء الإمارات على عدن العاصمة المؤقتة المفترضة للحكومة الشرعية، وجزيرة سقطرى.

وحسب المصادر: "يضاف إلى ذلك التفاهم حول بعض الاتفاقيات مثل اتفاقية استغلال وإدارة حقول المناطق الشرقية اليمنية النفطية ومنحها امتيازات حق التنقيب والاستكشاف في قطاع 18 النفطي والغازي في مأرب والجوف، والقطاع رقم 4 في شبوة".

وتعد مأرب وشبوة من بين 20 محافظة يمنية، أهم ما تبقى من جغرافيا للحكومة المعترف بها دولياً، في ظل انتشار الصراع على بقية المحافظات التي يسيطر الحوثيون على ما يقارب 8 محافظات منها، بينما تخضع عدن ومناطق في جنوب البلاد لنفوذ المجلس الانتقالي المدعوم إماراتياً، في حين ما تزال هناك محافظات محل نزاع وصراع وحرب ضروس بين مختلف الأطراف المتنازعة.

وكانت "العربي الجديد" قد كشفت في إبريل/نيسان الماضي عن توجه الحكومة اليمنية إلى بيع أكبر الحقول النفطية اليمنية المتمثل بقطاع 18 التابع لشركة صافر الحكومية في المناطق الشرقية من اليمن، في ظل ظروف صعبة يمر بها اليمن بسبب الصراع الدائر في البلاد، إلى جانب الانشغال الدولي والمحلي بالتصدي لفيروس كورونا وتنفيذ إجراءات احترازية واسعة لمكافحته.

وتمتلك شركة صافر الحكومية القطاع النفطي 18 والذي يعد أكبر الحقول النفطية في اليمن، إذ تعمل الحكومة على إعادة الإنتاج من هذا الحقل الذي يشمل مأرب والجوف بكامل طاقته منذ العام الماضي دون جدوى حتى الآن، مع الاكتفاء بإنتاج وتصدير ما يقرب من 15 ألف برميل في اليوم من قطاع يتجاوز إنتاجه نحو 100 ألف برميل يومياً.

وتحدثت المصادر، عن قيام أطراف حكومية لم تحددها بالضغط لاستكمال المفاوضات التي جرت مؤخراً في العاصمة الأردنية عمّان مع الشركات النفطية الدولية التي لم تسمها في حينها لإنهاء عملية البيع لأكبر حقول النفط اليمنية.

في هذا السياق، أكد مسؤول رفيع في وزارة المالية لـ"العربي الجديد"، أن اليمن يمر بمأزق مالي كبير بعد نفاد الدولار من البنك المركزي، وتتعرض البلاد إلى مضاعفات صعبة بسبب تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً، والذي نتج عنه الاستيلاء على موارد الضرائب والجمارك وأموال حكومية كانت مخصصة لصرف رواتب الموظفين المدنيين لشهر مايو/أيار الماضي.

هذا المأزق قد يدفع الحكومة اليمنية للرضوخ للضغوطات السعودية التي يديرها السفير السعودي والمشرف على الملف الاقتصادي اليمني في التحالف العربي الذي تقوده بلاده في اليمن، وذلك لتوقيع الاتفاقية النفطية واتفاقية أخرى يجري الإعداد لها تتعلق بمد أنبوب للصادرات النفطية السعودية عبر محافظة المهرة شرق اليمن المحاذية لسلطنة عُمان إلى البحر العربي.

وبحكم الخلافات المزمنة بين النظامين السعودي والإيراني، وتهديدات طهران المتواصلة بقطع الطريق على إمدادات النفط عبر مضيق هرمز، حاولت السعودية منذ عقود الحصول على منفذ على "البحر العربي" لبناء أنبوب لنقل نفطها للهروب من هذه التهديدات.

ويأتي ذلك بالرغم من أن لدى السعودية أنبوبا طوله 1200 كيلومتر ويمتد من حقل "بقيق" في المنطقة الشرقية إلى مدينة ينبع بالبحر الأحمر، إلا أن هذا الأنبوب لا يستطيع نقل ما يتراوح بين خمسة وستة ملايين برميل يومياً، وبالتالي فهناك حاجة إلى أنبوب عملاق لنقل كميات أخرى من النفط الخليجي عبر بحر العرب كما يوضح الخبير الاقتصادي، إبراهيم عبيد.

وحسب الخبير الاقتصادي لـ"العربي الجديد"، فإن مد هذا الأنبوب يهم السعودية أكثر من استحواذ "أرامكو" على حقول "المثلث الأسود"، لأنها تمتلك ثروة نفطية هائلة بينما ما يمتلكه اليمن لا يشكل أي رقم مقارنة بما لديها.

وأوضح عبيد أن هدف الرياض الاستحواذ على كل مقدرات اليمن للتحكم بمصيره وإخضاع كل الأطراف المتصارعة لأهدافها المشبوهة في الحرب، لافتاً إلى أن السعودية تعتقد أن مد الأنبوب سيسهل لها كثيراً من رفع صادراتها النفطية وكسب جولة في صراعها مع إيران.

ويشبه يمنيون السفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، بالمبعوث الأميركي السابق في العراق السفير الشهير بول بريمر، لتشابه الدور الذي يلعبه آل جابر في اليمن بالدور الذي لعبه بريمر بعد الاجتياح الأميركي للعراق.

ويرى محللون أنه لأجل بناء هذا الأنبوب تحتاج المملكة إلى أرض تكون تحت سيطرة السعودية وغير خاضعة لسلطة أي دولة أخرى، وهذا يظهر جلياً مدى الاهتمام الخالص الذي توليه الرياض بمحافظة المهرة التي من الواضح أنها الأرض التي ترغب في الاستيلاء عليها.

ومن جانبه، يشدد الباحث في مركز الدراسات والأبحاث النفطية في صنعاء، أمين العليي، على عدم شرعية أي طرف في التصرف بأي ممتلكات سيادية في هذه الظروف من الحرب التي يمر بها اليمن، وأن الأمر يتطلب سلطات تشريعية دستورية للبت في مثل هذه القضايا المتعلقة في بيع حقول نفطية أو منح عقود استغلال جديدة لشركات محلية أو أجنبية.

ويشير إلى أن تواجد الحكومة اليمنية في الرياض والتي أصبح وضعها بمثابة المحتجز، يجعل أي خطوة سعودية لاستغلال الوضع في اليمن، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، محل إدانة قانونية وفق مختلف التشريعات الدولية، لأنه لا يحق لأي سلطات موازية غير شرعية، مثل المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً أو حتى الحوثيون في صنعاء، التصرف بأي ممتلكات سيادية في دولة بوضعية حرب وصراعات متعددة ومركبة على أكثر من اتجاه.

وكان وزير النفط في الحكومة اليمنية، أوس العود، قد لمح الشهر الماضي في تصريحات صحافية إلى توجه وزارته لطرح بعض القطاعات النفطية للاستثمار أمام الشركات الأجنبية، حيث تمتلك البلاد نحو 105 حقول نفطية في مناطق الامتياز، منها 12 منتجة ونحو 81 مفتوحة للتنقيب، بينما هناك 18 شركة محلية وأجنبية عاملة في الإنتاج والاستكشاف.

وتذكر إحصائية رسمية اطلعت عليها "العربي الجديد"، أن المخزون النفطي في اليمن يقدر بنحو 11.950 مليار برميل، منها 4.788 مليارات برميل نفط قابل للاستخراج بالطرق الأولية والحالية. ويصل إجمالي النفط المنتج حتى ديسمبر/ كانون الأول 2018، وهو إنتاج تراكمي لجميع القطاعات منذ 2015، إلى حوالي 2.9 مليار برميل، بينما يصل إجمالي المخزون الغازي إلى نحو 18.283 تريليون قدم مكعبة.

وفي هذا السياق، يتوقع الباحث الاقتصادي، توفيق النهمي، اتجاه دولتي التحالف في اليمن (السعودية والإمارات) إلى إنهاء عقود أغلب الشركات المحلية اليمنية والأجنبية العاملة في حقول إنتاج وتصدير النفط والغاز في اليمن.

وتعمل في محافظتي شبوة وحضرموت جنوب شرق اليمن وفق تقارير رسمية 35 قطاعا نفطيا، وهو ما شكل دافعا للإمارات لتعزيز وجودها في المحافظتين، إذ ما تزال بعض المناطق النفطية في شبوة تحت سيطرتها بينما 50% من حضرموت تحت سيطرة قوات محلية موالية لها.

ويفسر النهمي في حديثه لـ"العربي الجديد" تلك التوجهات بأنها تأتي ضمن مخطط واسع شرعت بتنفيذه بشكل علني، كما هو حاصل في عدن وحضرموت والمهرة وسقطرى من خلال تقويض السلطات الحكومية لصالح الكيان الموازي غير الشرعي الذي كونته الإمارات المتمثل بالمجلس الانتقالي الجنوبي.

وضخت السعودية عشرات مليارات الدولارات لدعم نظام عبد ربه منصور هادي وحكومته، على شكل مساعدات إنسانية وإعانات من الوقود، بالإضافة إلى إيداعات مالية في المصرف المركزي اليمني ودعم العملة المحلية.

ومن المفارقات أنه في ظل احتدام الصراع على نفط البلاد، يواجه اليمنيون أزمات وقود خانقة ومتكررة، إذ تمتد طوابير طويلة من السيارات متكدسة أمام المحطات التي اضطر بعضها إلى الإغلاق لنفاد الكمية المتوفرة لديها من البنزين.

ولا تزال أزمات الوقود الخانقة التي شهدها اليمن، العام الماضي، مثل التي حدثت في سبتمبر/ أيلول الماضي، التي تعتبر الأكثر حدةً وتأثيراً، عالقة في أذهان اليمنيين الذين يعيشون على وقع أزمات معيشية متتالية منذ ما يزيد على خمس سنوات، وسط ترد كبير في الخدمات العامة وتوقف الرواتب وانعدام الدخل ومحدودية توفر الأعمال.