غليان صامت في صنعاء من ضعف إدارة الحوثيين وفسادهم
قبل 8 يوم, 2 ساعة
2018-09-13ظ… الساعة 15:46

التغيير- صنعاء:

«رمتني بدائها وانسلت» هذا هو حال زعيم الميليشيات الحوثية كما يقول أحد سكان صنعاء واصفا زعيم الحوثيين وهو يحاول أن يتنصل من الجناية الكارثية التي تسبب بها انقلابه على الشرعية وفاقمت منها ميليشياته جراء طريقة إدارتها للموارد الاقتصادية ونهبها للمال العام وتجريفها للاقتصاد الوطني وإهدارها للاحتياطيات النقدية في البنك المركزي.

لا تكاد تمر في شارع من شوارع صنعاء أو أزقتها إلا وقابلتك نظرات البؤس المطلة من أعين السكان التي أنهكها واقع الحال في ظل سلطة الميليشيات التي احتكرت كل شيء لصالح قادتها ومشرفيها، في الوقت الذي يتضور الناس فيه جوعا، هناك غليان صامت، وسينفجر قريبا، كما يقول: «إبراهيم. ن» أحد الموظفين في التربية والتعليم.

قبل أيام في أحد خطاباته الأخيرة، خرج عبد الملك الحوثي بما سماه «مبادرة» لمعالجة تدهور الأوضاع الاقتصادية، عارضا مبادرة وصفها سكان من صنعاء بأنها «مراوغة» يزعم فيها أن جماعته لا مانع لديها من تحييد الاقتصاد والبنك المركزي اليمني، وهي مبادرة، يرجح المراقبون أنها ليست إلا من باب «ذر الرماد في العيون» إذ إن الجماعة كما يقول «سعيد.ج» وهو تاجر مواد كهربائية، لا تجيد غير الكذب على البسطاء وبيع الأوهام لهم منذ انقلابها على الشرعية وحتى الآن.

ويؤكد «سمير. ح» وهو موظف في مكتب تخليص جمركي أن «الجهل» الذي يعيشه قادة الميليشيات اختلط مع عدم خبرتهم في إدارة المؤسسات، أحد العوامل المهمة في فشلهم في وضع حلول مناسبة للجوانب الاقتصادية، بل إن هذا الأمر - على حد قوله – لا يعني شيئا للجماعة بقدر ما يعنيها» جباية المجهود الحربي» من التجار وأصحاب المحلات.

ويتفق معه «وليد. د» وهو تاجر في سوق الإلكترونيات، في أن الميليشيات الحوثية وزعيمها، لا يفقهون في إدارة المؤسسات سوى جباية إيراداتها وتسخيرها لإثراء المشرفين وتمويل الجبهات واستقطاب الأتباع، كما أنهم - على حد تعبيره - مجرد «جماعة كهفية» تعيش خارج لغة العصر وأدواته من خلال خطابها الطائفي ومحاولة تحويل المجتمع إلى قطيع يلهج بتقديس زعيمها وترديد خزعبلات ملازمها الخمينية.

من جهته، يعتقد «ن. خ» وهو أستاذ جامعي، في جامعة صنعاء، أن السلاح الأكثر فتكا الذي يتربص بالميليشيات هو الميليشيات نفسها من خلال منسوب الغباء والتخلف الذي يتسم به قادتها لجهة إدارة الموارد ولجهة حصر التعيين في المناصب على منتسبي السلالة الحوثية بغض النظر عن مؤهلاتهم العلمية أو خبرتهم العملية.

ويرجح الأستاذ الجامعي أن صبر الناس لن يطول في مناطق سيطرة الجماعة أكثر من ذي قبل مهما حاولت الجماعة التنصل من مسؤوليتها في دفع رواتب الموظفين والبحث عن سبل تقود إلى إنهاء انقلابها وإحلال السلام، إذ إن «ثورة الجياع» - بحسب قوله - ستكون سيلا جارفا حين تتهيأ لها اللحظة المناسبة للانتفاض في وجه الجماعة لإزاحتها من صنعاء وبقية المناطق الخاضعة.

ويشكك الخبير المصرفي «علي. ك» في جدية الحوثي في تقديم تنازل يفضي إلى جمع موارد المؤسسات والضرائب والجمارك وتوريدها إلى البنك المركزي في عدن، إذ إنه - كما يقول - يحاول فقط أن يتنصل من المسؤولية في هذا التوقيت الذي بلغ في الاقتصاد حد الهاوية، وانهارت فيه العملة إلى القاع، وهي حيلة - بحسب تعبيره - لامتصاص غضب الشارع الذي بات في أوجه لجهة ارتفاع الأسعار المتسارع وعدم إدراك الجماعة لمعاناة السكان.

ويعتقد الخبير المصرفي أن الجماعة الحوثية، ضالعة في المقام الأول في تجريف الوضع الاقتصادي وانهيار سعر العملة، لجهة أنها المتحكم الفعلي بالسوق المصرفية ومحلات الصرافة فضلا عن المصارف المحلية التي تقع مقراتها الرئيسية في صنعاء، إلى جانب سعي قياداتها إلى المضاربة بالعملة واحتكار العملة الصعبة واكتنازها.

ويضيف: «هناك خمسة من كبار الصرافين في البلاد، يعرف الجميع أن الميليشيات هي التي تحميهم وهم الذين يتحكمون في سوق صرف العملة بالزيادة والنقصان، نظرا لوجود مئات المحلات غير المرخصة التي افتتحوها منذ الانقلاب لشراء العملات الصعبة والتلاعب بأسعار الصرف بإيعاز منهم».

ويؤكد عدد من الناشطين المناهضين للجماعة في صنعاء، أنها تسعى من خلال تجريفها للاقتصاد إلى إذلال الناس وتجويعهم من أجل تسهيل السيطرة عليهم واستقطاب أبنائهم في صفوفها مقابل الفتات الذي تمنحه للمجندين معها.

ويستدل الناشطون على ذلك بسلوك الجماعة في تجارة المشتقات النفطية واحتكارها، إذ إن عددا من كبار الموالين لها هم الذين يحتكرون سوق النفط عبر الاستيراد والتوزيع، وهم الذين يفرضون الزيادات المتتالية في الأسعار دون أن تحرك الجماعة ساكنا، على الرغم من أن حجتها الرئيسية للقيام بانقلابها كانت ارتفاع أسعار الوقود كما كانت تزعم.

وعن محاولة الجماعة إلقاء التهم بخصوص الأوضاع الاقتصادية على «الحكومة الشرعية» والتحالف الداعم لها، عبر تثوير الشارع وإقامة الفعاليات المنددة، أكد الناشطون أن هذا السلوك الحوثي المفضوح لا يخفى على أحد، إذ إن من تحشدهم في مظاهراتها واجتماعاتها ومسيراتها هم أتباعها الطائفيون وعناصر ميليشياتها الذين تحاول أن تتقمص عبرهم إرادة الشارع وما يغتلي في صدور السكان.

ولا يستبعد «جميل. ص» وهو ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي ومدرب في مجال التنمية البشرية، أن يكون العرض الحوثي هذه المرة بتحييد الاقتصاد جادا، بخاصة أن الجماعة استنفدت كل الحلول وباتت في مواجهة مع سكان المناطق الخاضعة لها، بل حتى مع كثير من أتباعها، الذين أصبحوا على يقين بأن الميليشيات لا يمكن أن تدير مؤسسات الدولة فضلا عن إيجاد حلول للمشكلات الاقتصادية المتفاقمة.

من جانبه يعتقد «و. ق» وهو موظف في مصلحة الضرائب، أن الجماعة الحوثية وزعيمها، يدركون أن حجم الأموال التي يتم جبايتها في صنعاء وبقية المحافظات كافية جدا لصرف رواتب الموظفين، لكنهم يناورون الآن من أجل التنصل من هذا الملف نهائيا عبر البحث عن توافق مع الشرعية لتحميلها مسؤولية هذا الجانب، دون ضمانات حقيقية تلزم الجماعة بالإيفاء بوعودها لتسليم الإيرادات إلى البنك المركزي في عدن.

كثير من سكان صنعاء، من جميع الفئات الاجتماعية ممن تحدثت معهم «الشرق الأوسط»، أكدوا بدورهم أن الميليشيات الحوثية وزعميها لا مشكلة لديهم في ارتفاع الأسعار أو انهيار الاقتصاد، وكل ما يعنيهم هو الجبايات التي يقومون بتحصيلها من التجار، تحت أسماء متعددة، وكلها في النهاية تذهب إلى جيوب المشرفين الحوثيين وإلى خزانة المجهود الحربي.

وبقدر ما يرى السكان أن الجماعة الطائفية، ليست في واردها أبدأ الالتفات إليهم، يرون أيضا أن الأوضاع المعيشية، باتت لا تحتمل، وأنه لا بد للحكومة الشرعية أن تضع اعتبارا لجميع أبناء الشعب، سواء عن طريق آلية معينة لصرف الرواتب وإيجاد الحلول الاقتصادية أو عن طريق التسريع بالحسم العسكري واستغلال فورة الغضب التي باتت تغلي في قلوب السكان ضد الوجود الحوثي.

يقول «نبيل. ب» وهو موظف في وزارة التجارة والصناعة: «قيادات الجماعة الحوثية لا تشعر بمعاناة الناس، بعض السكان في صنعاء باتوا يأكلون من النفايات، وكثير منهم، باتوا يعيشون على الخبز فقط، كما أن مسألة شراء علبة زبادي بالنسبة لكثير من الأسر باتت فوق طاقة ميزانية الأسرة».

وفي الوقت الذي لا يحمل فيه نبيل، التجار المسؤولية وحدهم عن ارتفاع الأسعار، يرى صديقه، أحمد أن الجماعة الحوثية بطريقة تفكيرها وإدارتها للموارد هي المتسبب الأول في الأوضاع الكارثية التي وصلت إليها المناطق التي تديرها.

ويضيف متسائلا: «ماذا يمكن أن تتوقع من جماعة تسمح لأساتذة الجامعة بأن يغادروا قاعات المحاضرات ليعملوا بالأجر اليومي في مهن أخرى بعضها يتطلب جهدا بدنيا شاقا، بل ماذا تتوقع منها أو تعول عليها وقد وصل بها الحال إلى اعتقال وتعذيب من يريد من الأكاديميين والموظفين أن يغادر إلى مناطق الشرعية للبحث عن راتبه!».