2019/08/31
  • مساهمة في قراءة القضية الجنوبية (5-3)
  •  

    مساهمة في قراءة ، القضية الجنوبية

    (الجذور ، والواقع ، والمحتوى).

          القضية الجنوبية

    1- علاقة الجذور ، بالواقع:

    (5-3)

    هذه الدراسة كتبت في العام 2013م وانا في قلب مؤتمر الحوار(فريق القضية الجنوبية) محاولة سياسية فكرية للأضاءة على القضية الجنوبية في مرحلة صعبة:خلفياتها التاريخية، وواقعها السياسي المأساوي الذي أنتجته جريمة حرب 1994م الذي يجب ان تدان سياسيا ووطنيا، وليس الاعتذار عنها فحسب.

     وهي دراسة لم تنشر في حينه وماتزال تحتفظ بكامل معانيها ودلالاتها السياسية، وقد تساهم اليوم رغم كل مايجري في الكشف عن الابعاد السياسية والوطنية للقضية الجنوبية العادلة بإمتياز.

     ولشهداء الحراك الجنوبي السلمي من بعد حرب 1994م وحتى 2007م وإلى اليوم عظيم الاجلال والتقدير

    4- المحتوى السياسي (1) للقضية الجنوبية:

    لم يدرك النظام العصبوي السابق مكر التاريخ ، وخذلانه لمن لا يتعظ من مراوغاته واحتيالاته ، فحاول عابثاً ، أن يمكر بالتاريخ ، فمكر هو به ، حين توهم أن لحظة انتصاره العسكري ، على الحزب الاشتراكي الشريك السياسي الأول في صناعة الوحدة ، وذهابه المجنون إلى اجتياح الجنوب عسكرياً ، وبذلك العنف ، وتدميرهونهبه لكل ما يقع أمامه وحوله ، واعتقاده أن ذلك كان نهاية التاريخ للاشتراكي ، وللجنوب ، وهي بداية تاريخه السياسي ، والذاتي الخاص ، وجاءت وقائع وحقائق الحياة السياسية لتقول له إن تلك اللحظة لم تكن سوى بداية نهايته هو ، وليس ما توهم ، بداية أفوله السياسي التاريخي كنظام استنفد أغراضه السياسية ، والوطنية ، والتاريخية ، وأن البلاد معه ، وبعده ، وبعد ما أنتجه من أزمات مركبة ومعقدة ، سياسياً ، ووطنياً ، إقتصادياً ، واجتماعياً ، ولم يعد معها قادراً على حلها ، بعد أن انقلب السحر على الساحر... ، ×  قد دخلت –أي البلاد كلها شمالاً ، وجنوباً- في حالة تحول سياسي نوعي مختلف عن ما كانت عليه ، حيث بدأت البلاد كلها (شمالاً ، وجنوباً) ، تلج إلى مرحلة صعود الفعل الجماهيري الشعبي الديمقراطي ، في صورة صعود عملاق الحراك السياسي الجنوبي السلمي ، وتحول هذا الحراك الاحتجاجي السلمي الجنوبي إلى قضية سياسية وطنية جنوبية كبرى ، ثم جاء الهدير الجماهيري الثوري الشبابي الشعبي العاصف في ثورة 11 فبراير 2011م ، ليأتي على ما تبقى من قوة تماسك النظام ، التاريخية ، بعد أن هزت وزعزعت ثورة الشباب والشعب ، الأركان الأساسية للدولة العميقة(2)، في طابعها التقليدي المركزي المتخلف (بتفكيكها تابو العصبية المركزية المقدسة) والذي تمثل في الآتي:

                كسر حاجز الخوف في مواجهة النظام واتساع رقعة المواجهة ضده ، تلك التي شملت كل البلاد شمالاً ، وجنوباً ، وبصورة سلمية ديمقراطية ، قطعت عليه الطريق أمام إمكانية تحويل الثورة ، إلى حالة حرب أهلية.

                خروج البنية القبلية في شمال الشمال ، عن العادة التقليدية التاريخية في الدفاع عن النظام كيفما اتفق ، ورفضها الطوعي والتلقائي لبقاءها خارج العملية السياسية الثورية الجارية ، ورفض القطاع الواسع منها تحولها إلى أداة حربية ضد الثورة ، والشعب ، كما كان يجري في مراحل سياسية تاريخية ، سابقة ، وهي أول "بروفة" سياسية نوعية واسعة لمشاركة أبناء القبائل في الدفاع عن الثورة بصورة عفوية وتلقائية ، وبدون انتظار غنيمة ، أو فيد ، أو شيء في مقابل ذلك ، وهي لحظة سياسية تاريخية ، وعى فيها أبناء القبيلة المد الثوري ، وأدركوا أين تكون مصلحتهم التاريخية في التغيير. وهي في نظرنا المقدمة السياسية التاريخية ، لإقامة حالة من الاستقلالية النسبية بين المشيخة القبلية ، وبين ، القبيلة ، كبنية اجتماعية مقهورة ، ومظلومة ، ومفصولة عن السلطة المشيخية. التي هي في الأصل ، والواقع ، جزء من سلطة الحكم ، والدولة. طيلة خمسة عقود متواصلة على الأقل.

                وصول النظام السياسي السابق ، نفسه إلى قناعة بعدم القدرة على الاستمرار في الحكم ، وفي إدارة البلاد بالطريقة القديمة ، بعد أن فشلت محاولاته المستمرة في إدارة النظام بتعميم نهج الحرب على كل البلاد دون تكلفة سياسية واقتصادية ، واجتماعية ، وأخلاقية باهظة. مما أوقعه في حرج أمام الداخل ، وأمام الخارج ، خاصة ، بعد مجزرة جمعة الكرامة 18 مارس 2011م.

                أكدت الوقائع السياسية ، والوطنية ، والعملية أن نهج الحرب وسع الفجوة بين الشمال ، والجنوب ، لتطغى الجغرافيا (الهويات الجهوية) على حقائق التاريخ الوطني الجامعة ، وأن توسيع وتعميم نهج الحرب العسكرية ، والأمنية والسياسية ، على "الجنوب" ، و"صعدة" ، كان خصماً من شرعية النظام ، السياسية ، والوطنية ، والدستورية ، وفقدان مستمر لمشروعيته الاجتماعية في الجنوب ، والشمال.

                قاد فشل النظام وعجزه عن إنتاج مشروع سياسي وطني ديمقراطي وحدوي ، بعد الحرب ، وخاصة بعد سيره باتجاه "التوريث للجمهورية" ، والدولة ، والوحدة ، -المقصود حرب 1994م- في الأبناء ، والأحفاد ، إلى تضييق قاعدته الاجتماعية ، والسياسية ، والوطنية ، في الشمال والجنوب ، وجاء الحراك الجنوبي السلمي ، وبعده ثورة الشباب ، والشعب ، العاصفة لترفع الستار عن ذلك ، في صورة:

                انشقاق الجيش والأمن ، وهما من نخبة عصبة رقبة الحكم.

                انفراط عقد الحكومة كليا ، وحدوث ما يشبه الشلل السياسي العام.

    جـ-  الاستقالات الواسعة لأعضاء البرلمان ، وخاصة من أعضاء برلمان الحزب الحاكم. ومن العناصر النوعية والشريفة غير الملطخة بالفساد ، أو الجريمة السياسية.

                  وصول الاستقالات إلى السلك الدبلوماسي.

    هـ-  تحول قسم واسع في الأغلبية الصامتة إلى صف الثورة ، ودعمها .

    إن هوس السلطة ، وجنون هيلمانها ، أفقدت نخبة الحكم البصيرة ، والقدرة على رؤية الأشياء كما هي بالواقع ، وزين لهم نقش النصر العابر للوطنية ، وللسياسة ، وللمصالح المشتركة لليمنيين. (في الشمال ، والجنوب) الذي استمر رأس الحكم يرسمه ، باعتباره مجده الأزلي الخالد ، عن قراءة ورؤية ما بعد الاستفراد والاستئثار بالسلطة ، والثروة... ، فقد أسكرته خمرة شعار "الوحدة بالدم" و"الوحدة أو الموت" عن قراءة التحولات السياسية والاجتماعية الجارية في الواقع ، وعن رؤية الخراب العظيم الذي أوصل البلاد إليه.. ، الخراب العظيم في العقل ، والروح ، والوجدان ، والمشاعر ، ومن حالة كراهية غير معهودة لفكرة الوحدة (3)، بين قطاع لا بأس به من ابناء الجنوب ، ومن انقسام حاد بين الشمال ، والجنوب غير مسبوق في تاريخ الوعي السياسي ، والاجتماعي ، والثقافي لليمنيين ، على قاعدة أيديولوجية "الهوية" ، لا على قاعدة المشروع السياسي ، كما هو عند قطاع من المعارضين للوحدة على الأقل. لم يدرك النظام العصبوي ، الفردي ، المتكئ على إرث المركز المقدس ، أن مركزه بدأ بالتحلل ، والتفكك لحظة إعلانه الحرب على الجنوب ، وإقصائه له كلياً ، من الشراكة ، في السياسة ، وفي السلطة ، والثروة ، وأن لحظة انتصاره الموهوم والعبثي عسكرياً ، هي لحظة نهايته السياسية ، والوطنية والتاريخية ، كنظام حكم ، وبداية عصر التغيير ، والثورة ، والشعب ، -أقول بداية- في صورة صعود الحراك السياسي السلمي الجنوبي ، 2006-2007م ، وبعده بسنوات قليلة قيام ثورة الشباب والشعب.

    والأخطر هنا أن لحظة الحرب العبثيه ، والنصر الموهوم ، هي ذاتها لحظة تتويج البلاد كلها بغار ، وعار الهزيمة الوطنية الكبرى ، جنوباً ، وشمالاً ، وخاصة في الجنوب المغدور والمجروح في العمق ، الذي حاولت ، وعملت الحرب على إعادته إلى العصور الوسطى ، والى المربع السياسي التاريخي الأول من صراع الهويات الجهوية ، والمشاريع الصغيرة ، وكأننا نعود بالجنوب القهقرى إلى ما قبل التاريخ الحديث والمعاصر ، بعد أن بعثرت الحرب المدمرة على الجنوب خصوصاً ، المعنى السياسي الكلي لمفهوم "اليمن" ، ولمعنى الوحدة ، ولمعنى "التاريخ المشترك لليمنيين" ، وهي قمة الكارثة السياسية والوطنية ، التي قد تحتاج إلى سنوات طويلة ، لإعادة ترميمها ، ومداواة جراحها الغائرة ، وهي مهمة ، ومسؤولية الجميع ، ممثلة في:

                الإرادة السياسية الرسمية في الحكم ، في صورة رأس الدولة.

                حكومة الوفاق الوطني ، في إدراكها لمستوى التحديات الملقاة على عاتقهم جميعا.

                الحوار الوطني الشامل ، والذي يعول عليه الناس الكثير ، باعتباره النقيض السياسي ، والأيديولوجي ، والتاريخي ، لمفهوم "أصحاب الحل والعقد" و"الأطراف المعنية" التي حكمت ، وتحكمت بالفضاء السياسي العام ، طيلة العقود الماضية ، -بل تاريخياً- ومن هنا حالة عداء ، وخصومة ، القوى ، والجماعات التقليدية ، لمؤتمر الحوار الوطني الشامل ، وسعيها الدؤوب لإفشاله.

                الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية المختلفة ، المدنية ، والديمقراطية ، التي ما يزال موقفها غير موحد ، وتتحرك بصورة انعزالية ، وحزبية ضيقة ، غير مدركة خطورة التحديات.

                منظمات المجتمع المدني ، والمكونات الحقوقية ، والقانونية ، والدستورية.

                الدول الراعية للمبادرة الخليجية ، وآليتها التنفيذية.

    وعلى ، كل ذلك لا نقرأ ، في التسوية السياسية التاريخية ، عبر المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية ، سوى الخطوة السياسية التاريخية ، الإجبارية ، لمصالحة سياسية تاريخية على قاعدة التغيير ، جاءت تحت ضغط حمم الثورة ، وقوافل الشهداء ، والجرحى ، للحراك السلمي الجنوبي ، وللثورة الشبابية الشعبية ، وهي ليست سوى البداية السياسية لتسوية تاريخية شاملة ، المهم أن يدرك الناس بوعي أن ذلك هو بداية الإصلاح السياسي الشامل على قاعدة التغيير العظيم ، لتهديم صنمية المركز المقدس التاريخي ، الذي شكل عامل تعويق وكبح ، سياسي تاريخي لعمليات التقدم الاجتماعي في اليمن ، شمالاً وجنوباً.

    إن الحقائق والوقائع ، الموضوعية والتاريخية ، والتجارب السياسية التي مررنا بها في بناء الدولة الوطنية ، سواء في زمن التشطير ، وبعد إعلان الوحدة السلمية ، الديمقراطية ، في 22 مايو 1990م ، ثم الانقلاب عليها بالحرب 1994م ، جميعها ، أكدت للجميع ، أن تجربة الوحدة الاندماجية الفورية ، سقطت ، وفشلت ، ووصلت إلى طريق مسدود ، وأنتجت في سياق ذلك الفشل ، دولة الوحدة بالحرب ، والدم ، والتكفير ، وهي ذاتها ، فشلت تاريخياً ، لأنها وقفت عند حدود إنتاج مصالحها الذاتية ، والفردية ، العصبوية ، الجهوية والمركزية ، في صورة الدولة البسيطة: دولة الجند ، ودولة الاستيلاء ، ودولة الغلبة ، والسلطنة حتى التوريث... ، ولا خيار أمام اليمنيين جميعاً ، في الشمال ، والجنوب ، سوى العودة لصياغة إنتاج سياسي إبداعي ديمقراطي جديد ، لعقد وحدة جديدة ، وعقد جديد لبناء دولة مدنية ، ديمقراطية ، اتحادية ، فيدرالية ، بما يحقق طموحات ، وتطلعات ، ومصالح جميع اليمنيين ، في الجنوب ، والشمال ، وبدون ذلك في تقديري الشخصي ، فإننا سنعود من جديد للحروب الشطرية البينية ، وللحروب داخل كل شطر على حدة... ، فتاريخ التجزئة السياسية ، القريب ، والبعيد ، (التاريخي) أطول عمراً ، وحضوراً ، من تاريخ بناء الدولة الوطنية الديمقراطية المعاصرة ، وفي غياب ، وحدة قوى التقدم السياسي ، والاجتماعي ، والوطني ، في اليمن الجديد ، وضعف حضور مشروعها السياسي الكبير ، فإن المشاريع السياسية الصغيرة التفكيكية ، قادرة على اقتحام المشهد السياسي ، واختراقه ، وإعادة إنتاج تاريخها السياسي ، والذاتي الخاص ، على أنقاض المشروع الوطني كله... ، وهي جاهزة ، ومؤهلة لذلك ، (تاريخ الإمامة ، والمشيخة القبلية العسكرية ، وتاريخ السلطنات ، والإمارات ، إضافة لواقع توازن القوة الحاصل لصالحها على الأرض) ، ويساعدها في ذلك ، أن سنوات الوحدة بالحرب ، 1994م – 2013م راكمت عوامل سلبية عديدة ، وخطيرة ، لتفكيك ، وإضعاف النسيج الاجتماعي ، والوطني ، على صعيد كل شطر ، وفيما بين الشطرين ، ومن هنا أهمية عامل التوحيد ، والوحدة ، على أسس ، وقواعد ، سياسية ، وديمقراطية ، وقانونية ، ودستورية ، جديدة ، في صياغة مشروع الوحدة ، وفي بناء الدولة معاً.

    ولا نرى في تشكيل حكومة الوفاق الوطني على كل مصاعب ولادتها ، وقصور أدائها المعلوم لنا جميعاً أسبابه ، وظروفه ، ووصول رئيس للجمهورية اليمنية ، بصورة سلمية وديمقراطية ، ومن خارج المعادلة السياسية العصبوية ، التاريخية. وبرضى الأغلبية ، وعبر انتخابات ديمقراطية جاءت بها تداعيات الثورة على قاعدة التسوية السياسية التاريخية. لا نرى بالمعنى التاريخي في كل ذلك ، إلا انتصاراً سياسياً ووطنياً أولياً ، لمحتوى القضية الجنوبية ، ولمحتوى القضية الوطنية اليمنية قاطبة. وهي بداية للأعمال السياسية المشتركة. المهم أن يدرك الجميع ، وبخاصة القوى السياسية ، والاجتماعية ، المعنية بقضية التغيير السياسي ، والاجتماعي ، الأهمية السياسية والوطنية ، والتاريخية ، لكل ما جرى ، وأن يستوعبوا بعمق ، الأهمية السياسية الاستثنائية ، لمؤتمر الحوار الوطني الشامل ، كفرصة سياسية وطنية تاريخية ، للإنتقال بالتسوية السياسية ، من حالة الإصلاح ، إلى مرحلة التغيير.

      والمطلوب اليوم ، قبل الغد ، الإسراع في تقديم حلول عاجلة لما جرى ، من الجميع. وعلى مؤتمر الحوار الوطني الشامل يقع جزء مهم من المسئولية السياسية التاريخية. وهي مسؤولية ، سياسية ، وطنية تاريخية ، يتقاسمها بصورة رئيسية ، الأطراف الثلاثة الآتية. رئاسة الجمهورية ، حكومة الوفاق الوطني ، مؤتمر الحوار الوطني ، وهي مسؤولية سياسية مشتركة تكاملية وتفاعلية ، كل منهم يقود إلى الآخر ويكمله.

    ويحتم علينا اليوم التفكير العقلاني والسليم أن نضع حرب 1994م في سياقها السياسي التاريخي ، باعتبارها حرب ، عبثيه ، اعتباطية ، حكمها ، وتحكم بها ، عقل سياسي مهجوس بالثروة ، وباحتكار السلطة ، ولا علاقة له بالوحدة ، والديمقراطية ، وقضية المواطنة ، وبناء الدولة ، ومشروعها السياسي التعددي ، لتداول السلطة سلميا ، وهنا يكمن الجذر المفسر للحرب ، ونهج الحرب.

    الهوامش:

    (1) أن التاريخ السياسي ، والفكري اليمني المعاصر يقول لنا وبوضوح أن الوطنية اليمنية المعاصرة ، وقضية الوحدة اليمنية بدلالاتها الوطنية الحديثة وفكرة المساواة بين أبناء اليمن جميعاً (في الشمال ، وفي الجنوب) هي مفردات ، ومعطيات ، ومفاهيم ظهرت ، وتبلورت ، وتخلقت في جنوب البلاد ، وتحديداً في المدينة عدن ، وخاصة مع بداية النصف الثاني من خمسينيات القرن الماضي ، وكانت المدينة عدن ، هي الحاضنة ، والقابلة لإنضاج ، ونشر ، وتعميم مثل هذه القيم ، والمفاهيم ، والأفكار/ وهي البدايات الأولى المعاصرة لفكرة ، وقضية وحدة اليمن ، واليمنيين ، بمعنى الوحدة ، السلمية ، الديمقراطية ، على قاعدة التعددية ، أو الإقرار والاعتراف بالآخر ، فحين فر ، أو هرب الأحرار اليمنيين بأنفسهم ، وبأفكارهم ، كان الجنوب ، وكانت المدينة عدن هي الحاضنة لهم ، وفيها ومنها ، شكلوا أحزابهم الأولى ، حزب الأحرار اليمنيين ، 1944م ، ثم الجمعية اليمنية الكبرى 1946م ، وصحافتهم المستقلة الحرة المبكرة ، لأول مرة في تاريخهم السياسي المعاصر ، صحيفة "صوت اليمن" ، بل أن اليمنيين حين فكروا ببلورة وإنتاج دستور للوحدة ، كان الجنوب ، وكانت المدينة عدن ، هي الأرض الخصبة لذلك ، وعندما تعذر عليهم إعلان بيان عدن ، وكذا إعلان تحقيق الوحدة ، ورفع علمها ، ونشيدها ، كانت عدن وسمائها هي المكان السياسي ، والوطني المؤهل ، والمناسب لذلك. وكان الضغط الجماهيري والشعبي الحقيقي لتحقيق الوحدة أتياً من كل الجنوب ، وليس من عدن وحدها. والمفارقة ، المقابلة لكل ذلك ، هو ما نشاهده اليوم كرد فعل لمنطق الوحدة بالحرب ، والدم ، والغلبة.

    (2) السيا سة والسياسي : صار متداولاً ، أو شائعاً ، في الوعي الاجتماعي ، والسياسي ، والثقافي العام ، أن السياسة ، تعني السلطة ، أو تشير إليها ، حتى صارت كلمة السياسة ، مرتبطة بالحكم ، والسلطة ، وأن من يشتغل بالسياسة ، أو يتكلم عنها ، أو يكتب حولها ، إنما يريد الاستيلاء على السلطة ، وهو قطعاً معارض ، لما هو قائم من سياسة ، مع أن هناك تعريف مختصر جامع يقول أن السياسية هي "فن الممكن" والتعريف الموسوعي للسياسة يرى أنها "هي النشاط الاجتماعي المدعوم بالقوة ، المستند إلى مفهوم للحق ، أو العدالة ، لضمان الأمن الخارجي ، والسلم الاجتماعي الداخلي للوحدة السياسية ، ولضبط الصراعات ، والتعدد في المصالح ، ووجهات النظر للحيلولة دون الإخلال بتماسك الوحدة السياسية ، باستخدام أقل حد ممكن من العنف" د. عبد الوهاب الكيالي "الموسوعة السياسية" صـ 363. المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت الجزء الثالث ط أولى 1983م.

    فالسياسة في جميع القواميس والموسوعات السياسية ، تعني الحوار ، والمساومات ، تعني توازن المصالح ، ومراعاتها ، تعني التفاوض ، وهناك عشرات ، بل مئات التعريفات للسياسة ، والسياسي ، ولكنها جميعاً لا نجد لها أثراً في الفكر ، والممارسة السياسيين ، الذين سادا في بلادنا ، وخاصة من بعد حرب 1994م. حيث السياسة ، صارت تعني استخدام الحد الأقصى من القوة ، والإلغاء ، والإقصاء للشريك السياسي الجنوبي ، والحد الأقصى من العنف السياسي ، والاجتماعي ، والثقافي ، والحد الأقصى من الفيد ، والنهب ، لممتلكات دولة الجنوب السابقة ، غاب معها أي معنى للسياسة مرتبط بالنظام ، والدستور ، والقانون ، والعدالة ، والحرية ، والمساواة... ، لقد جرد نهج الحرب الذي جرى تعميمه على كل الجنوب ، السياسة من معناها ، بعد أن حولها إلى فوضى ، في صورة وضع القوة فوق الحق ، والقانون ، بعد تحويل أراضي أبناء الجنوب ، ومناطقهم ، إلى أراضي ومناطق مفتوحة للفيد ، والنهب ، وكأنها ، أراضي ، ومناطق خراجية ، وهو عملياً ما انتج القضية الجنوبية المشهودة أمامنا اليوم.  -يتبع-

    × حيث وجدنا أنفسنا بعد حرب 1994م أمام جماعة سياسية ، لا تعريف للسياسة عندها ، إلا كونها غنيمة ، وفيد ، وسلطة محتكرة بيدها وحدها ، ولذلك شدت على رقاب الناس حتى الاختناق ، وعدم القدرة على التنفس ، وهو دليل على قصر وعي النخبة ، التي امتلكت الحكم ، وجشعها ، وعدم فهمها ، للسياسة ، وللتاريخ ، ولا حضور لمعنى الدولة في عقلها ، ولذلك لم يفهموا قول معاوية بن أبي سفيان ، حين قال: "لو كان بيني وبين الناس شعرة ، لما انقطعت ، فإذا شدوا أرخيت ، وإذا أرخوا شددت" ولكن سياسة نظام حرب 1994م شدت الحبل على رقاب أبناء الجنوب تحديداً ، وعلى كل اليمنيين عموماً ، حتى الموت ، ولذلك خرجوا معلنين ثورتهم... ، حفاظاً على الحق في الحياة ، ومطالبين بقدر معقول من السياسة ، أو بسياسة جديدة وهو ما أعلنه الحراك الجنوبي السلمي منذ بداية 2007م كمحتوى سياسي ، وحقوقي للقضية الجنوبية.

     (3) ستلاحظون أنني لم أقل غيرت ، أو أحدثت تغييراً جذرياً في بنية  الدولة العميقة التاريخية القديمة ، بل أنني حاولت أن أكون دقيقاً ، وواقعياً ، في توصيفي لما جرى ، بالقول أن الحراك الجنوبي السلمي ، وثورة الشباب والشعب فبراير 2011م ، قد هزتا ، وزعزعتا الأركان الأساسية للنظام القديم ، وهي خطوات سياسية إصلاحية ، ذات طابع تاريخي عميق ، جاءت على قاعدة وخلفية ، ثورة تغييرية كبيرة ، وعملية سياسية ثورية نوعية ، لم يشهدها التاريخ السياسي اليمني كله ، في جميع مراحل تاريخه ، وجدت في شروطها السياسية الداخلية ، وفي ارتباطاتها الإقليمية ، والدولية ، في المبادرة الخليجية ، وآلياتها التنفيذية ، طريقاً للعبور إلى بعض ما تريده ، وهو السير باتجاه التغيير الديمقراطي والثوري للمجتمع ، وللنظام السياسي معاً ، ولكن على مراحل ، تجنبنا الدخول في دوامة حرب أهلية ، كان النظام السابق ، يسعى إليها ، ويريدها ، حتى يخلط الأوراق ، بين الثورة السلمية المدنية ، والديمقراطية ، وبين الحرب الأهلية ، التي كان معداً نفسه لها ، ومعداً كذلك ، المسرح العسكري ، والأمني ، والسياسي ، والاجتماعي ، والإعلامي ، لتحقيقها ، وجاءت المبادرة الخليجية ، لتقطع خط على الحرب الأهلية ، وبالنتيجة وقف العملية الثورية عند حدود ، الانجاز السياسي الإصلاحي على قاعدة التغيير كإمكانية مفتوحة. 

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art38415.html