2019/03/10
  • شقوق الأفاعي في حوائط اليمن
  • يُقلِّبُ الناس آلام الاستعمار المباشر وغيرها من صنوف القهر الذي كانت تمارسه الدول العظمى في مستعمراتها ثم ترحل تاركة الشعوب لشأنها نالت تلك المستعمرات من الرقي واتِّقاد الذهن واكتِساب خبرة التطوير ما نال الغازي من فوائد ثرواتهم حتى تحرروا، رغم شكواها المرة من اغتصاب الأرض واستغلال الثروات وإعمال أدواته المختلفة لتجريف الهوية بما أحب من الطغيان الثقافي والديني غير أنها تحررت ورسمت معالم حياتها.

    إلا أن غزاة اليمن صورة نادرة أخرى ومغايرة لكل أنواع الغزو والاستعمار في العالم القديم والمعاصر كل غزاة العالم يأتون بجيوشهم للهيمنة بطرق مباشرة أو غير مباشرة طمعاً في تحقيق الفائدة الاقتصادية وعندما تشيخ وتنعدم الفائدة أو تندلع نيران مقاومة الشعوب يرحلون عائدين إلى بلادهم تاركين الأرض لأهلها.

    أما غزاة اليمن السلاليون جاءوا طمعاً في السلطة والأرض والإنسان لبسوا عباءات الدين والتحفوا سماء اليمن وافترشوا ارضها تقمصوا هويتها، لعنوا تاريخها تنكروا لعطاياها وكرم أهلها وقالوا أنتم الثرى ونحن الثُريا ونحن البِعران وأنتم البعر ونحن أعلام الهدى من اتبعنا فقد اهتدى ومن خالفنا فقد ضل وغوى، نحن آل المصطفى آل البيت وأنتم القبائل ليس لكم من الأمر إلا ما أعطيناكم وبه تفضلنا.

    وكأنهم جاءوا إلى أرضٍ بدون شعب أو شعباً بدون هوية ولا أصل، ولم يكن له في التاريخ وجوداً ولا دور، وكأن اليمن كانت خالية إلا من الضباع البشرية التي انساقت مع خرافتهم الدينية وصدَّقت ألسنتهم الفارسية وأجسادهم المليئة بأرواح الحقد والطغيان فحلوا فيها، وأحلوا كل قيم الإنسانية وحقوق الانسان المتساوية منها أشاعوا الجهل والفقر واعتبروهما أحدَّ أدواتهم الناجعة.

    أورد حقيقة وضرورة التحرر من ذلك الغز المبطن الشهيد الزبيري في كتابه الإمامة وخطرها على وحدة الأمة قائلاً "إننا نريد أن نُحرر حياتنا وعقولنا من كل ضروب العبودية ، وتتمثل في الاستعمار ودعاته، وفي الحكم الاستبدادي الذي يمسك بخناقنا وفي العبودية الروحية التي تتجلى في الأوهام الغاشمة الزائفة".

     

    فعلاً وكأنه لم يكن لليمنيين الدور الأبرز في بناء الحضارة الإنسانية من قديم الزمان والدفاع عن الإسلام ضد طواغيت المتوردين من الفرس وقريش أصل غزاة اليمن وفجَّارها، ولم يكونوا  قادة جيوش الجهاد والفتوحات الاسلامية وسيوفها اليمانية القاطعة حتى يحرَموا من قيادة شعبهم على أراضهم أرض ميلاد العرب وأمجادها، ولولاهم وتضحياتهم لاقتلعت قريش الإسلام وأطفأت نوره وسراجه في المهد، باتت مناجل الحروف التي ينقشها اليمنيون تعريةً وكشفاً لتاريخهم تحرُثُ في صُلب عقولهم اليوم فأشعلتهم أنيناً وصراخ، كيف لليمني أن يتعلم ويكتب ويحلل ويغوص في أعماق الظواهر الاجتماعية والعلمية ويكشف منها أسرارها وخفايا دجلها وزيفها؟ وليس له في عقيدة المتوردين غير بقايا الخبز وزراعة الارض وحمل السلاح وتقبيل الأيادي ذلاً ومهانة!!.

    يا هؤلاء لولا الشقوق التي أحدثتموها في صفوف اليمنيين دجلاً وإثارة للعنصرية والمذهبية والطائفية والفتن لما تمكنتم من الانتصاب بين ظهورهم لأنكم كما ذكر علي الكحلاني عبارة عن هجرة، لحماً دون عظام يحميكم اليمني كما يذود عن نسائه وأطفاله.

    المعاول التي هشَّمتم بها جدران تلاحم القُبُل اليمنية من عهد المقبور حسين الرسي واحدة، سلطتم بمنهجية مدروسة بعضها على البعض الآخر، وبالطريقة نفسها أُفشلت ثورة الفقية سعيد في إب عام 1250م أغريتم حسين أبو حُليقة وأعوانه للخيانة بالفقيه وهم قادة جيشه، خانوه غير أنهم كانوا أول ضحايا جبروت الإمامة بعد النصر في ضوران آنس بتهم الخيانة، وبالخديعة ذاتها عندما تدحرجوا صوب الوديان من أعالي الجبال عقب خروج العثمانيين من اليمن عام 1919م إلى تعز ومحافظة إب عقب مقاومة حبيش بقيادة الشيخ محمد العقاب وإغراء أعوانه وهي نفسها التي أخمدت ثورة المقاطرة والحجرية عام 1922م والتخلل من خلال الصراع بين قبائل آل سعيد وبيت والنعمان، ثم ألقيَّ بهم جميعاً في السجن بعد قتل الأسرى وهدم البيوت، عبر عن تلك الحالة إمامهم أحمد قائلاً

    ولأضربنّ قبيلة بقبيلة * ولأملأنّ بيوتهن نياحاً

    وهي هي الشقوق التي من خلالها تسللوا للسيطرة على أرض التهايم بعد الغدر بثورة الزرانيق الحقوقية وكذلك حركة حاشد وانقلاب 1948م أما التآمر على رموز ثورة السادس والعشرين من سبتمبر وتفكيك صفوف ثوارها وما تلاها من انقلابات حتى اليوم فقصة بالغة الحزن لها بقية أخرى.  

    الشقوق التي تخللتها أنياب أفاعيكم لتنفث السموم في قوائم الصف اليمني، ستلتحم وقد بدأت بالتوحد ولملمت الصفوف، انتفضت تعز بالأمس ضدكم نفشت التراب في وجوهكم شاهت الوجوه، وتحررت عدن وتردد صداها اليوم في الحديدة وفي حجور الصمود، وصنعاء التاريخ تغلي، كي تعلموا أنكم نكثتم بالعهد الذي قطعتموه على أنفسكم لليمن ونظامه الجمهورية وتدحرجتم على حين غرة وغفلة من زمن منهم، معاول هدمكم لن تفلح في تفتيت جبهة حجور صغيرة الحجم قوية العزم مثالاً فرقدياً للرفض وعلامة للنصر تلوح بالآفق تزين سماء اليمن.

    وللتاريخ اليمني في حياتنا محطات شعراً ورواية تيها حضارياً وأدب قال شاعرة..

    أبونا نبي الله هودُ بن عامرٍ***ونحن بنو هود النبي المطهرَ

    لنا الملك في شرق البلاد وغربها***وفخرنا يسمو على كل مفخرَ

    فمن مثل كهلان القواضب والقنا***ومن مثل أملاك البرية حميرَ

    * " القواضب: السيوف شديدة القطع"

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art37698.html