2018/10/29
  • اليمن... بلد المواهب ومقبرتها!
  • هذا البلد مليئ بالنجوم؛ بل إنّه مكتظ. في اليمن يولد كل يوم نجم، لكنه سرعان ما ينطفئ؛  يتزاحم الرسامون في فضاءات الإبداع بلا ريَش. يتنافس لاعبو كرة القدم في ملاعب من سراب؛ الكثير من الأصابع تعزف على آلة البيانو في الحلم فقط. هناك من يمتلك صوتاً خرافياً، لكنه يغني للبراري ليستمتع برجع الصّدى، وأخرى مصممّة أزياء لا تمتلك زيّاً واحداً تشهره ليشهرها؛ شعراء يهيمون في دائرة مغلقة، وكأنه محكومُ عليهم بنظم الشعر لبعضهم البعض؛ روائي طموح، انشغل عن الكتابة ببيع القات، دفن خياله كي يعيل أسرته؛ عازف جيتار بارع، باع آلته الموسيقية لتسديد ديونه؛ خليط من المواهب مدفونة في مقبرة جماعية؛ هي اليمن.

    صحيح... أن اليمن يعاني من أزمة إنسانية خانقة، تصفها الأمم المتحدة بأنها الأزمة الأعظم على مستوى العالم، ولكن، كل ما سمعنا عن المنظمات الدولية تتعاطف مع أزمة اليمن، يتبادر إلى الذهن، فقط، أزمة الغذاء والدواء، مع أن الأزمة شاملة كاملة، تبدأ بانعدام الحاجات الأساسية ولا تنتهي بدفن المواهب حيّة. وبرأي الكثير، لا تختلف هذه عن تلك، فعندما يموت إنسان من الجوع بسبب نقص الغذاء، يموت موهوباً من كلا الحالتين «انعدام الغذاء وانسداد أفق الموهبة»، وفي مثل هذه الحالة تكون خسارتنا مُركّبة.

    الشاعر أو القاص أو الملحّن أو غيره؛ لو أتيحت له الفرصة مثلاً، وحقّق نجوميته بحكم الموهبة لديه، لصار رسولاً لبلده في المحافل والمنابر، يعبّر عن معاناتهم بلغة الكبار، وبصوت يبلغ مداه الأفق، فحينما يموت الموهوب، يموت مرّتين؛ ونفقد على إثر ذلك روحه وموهبته.

    صفية، عشرينية يمنية تمتلك صوتاً مدهشاً، حلمها أن تكون نجمة كبيرة على مستوى الوطن العربي، مثلها مثل بلقيس أحمد فتحي، هكذا تقول. وتضيف: «لكن أحلامي تحطّمت مع أول طلقة سمعتها في مدينة الحديدة. وبدلاً من إحياء الحفلات الغنائية في مجتمعها.

    تتابع صفية: «أصبحت أسارب على المعونات الغذائية التي تقدمها المنظمات المحلية والدولية في محافظ إب، وعند سؤالها عمّا إذا كان بمقدورها إحياء حفلات في مجتمعها الجديد الذي نزحت إليه»، موضحة «أن لا أحد يعرف قيمتها الفنية بعد». وأشارت إلى أنها ظلّلت سنوات تنحت اسمها، ومع ذلك كانت تحيي حفلات فنية متواضعة، كالأعراس وغيرها، كونها كانت في بداية مشوارها الفني. صفية هنا لا تعبّر عن نفسها؛ هناك الكثير ممن يشبهونها في المعاناة والظروف.

    اليوم، أقرّت منظمة الـ«يونيسيف» 50 دولاراً بالشهر لكل معلّم ومعلّمة في اليمن، كي تستمر العملية التعليمية، بحيث لا يفقد الطلاب تعليمهم؛ هذا خبر جيّد. هل من منظمة أخرى لدعم المواهب الناشئة، ليس بمبالغ مادية، فالمال يقتل المواهب، إنما بتبنيها، من خلال تسجيلها في المعاهد، إلحاقها بالأندية، ربطها بوسائل الإعلام المحلية والعربية والدولية، السفر بها إلى الخارج إذا اقتضى الأمر، وإخراجها من عزلتها. فالمواهب في نهاية الأمر هي يمنية، واليمني هو ضحية هذه الحرب، وهو جزء لا يتجزأ من الخسائر إن لم يكن أهمها، إذا ما قارنّاه بالمكتسبات المادية والمعنوية الأخرى.

    «المنظمات»، ليست وحدها مدعوّة لتبني هذا الأمر أو هذه الفكرة، بل رجال المال والأعمال اليمنيين في المقدّمة، عليهم النظر بعين الاعتبار، لمد يد العون لكل موهبة يرون بأنها تستحق أن تزهر وتكبر، فمن نراها اليوم بذرة؛ سنراها غداً شجرةً وافرة، يستظل تحتها الكثير، ويجني ثمارها اليمن؛ ولنا أن نتخيّل كم يفتخر اليمن واليمنيون، بمن حققوا شهرة عربية وعالمية كـ البردوني، وأبو بكر سالم، وأحمد فتحي، والمحضار، وغيرهم.

    هنا، يجب التنويه إلى أن كل البذور لا تنمو في ظروف مشابهة، وكل طرق النجاح ليست معبّدة؛ فالأسلاك الشائكة، وبفعل هذه الحرب المجنونة، باتت تحاصر غالبية المواهب، إن لم نقل جميعها. ما يجب التأكيد عليه في هذا المضمار، هو دعم المواهب عبر طرق ووسائل راقية ومُبجّلة، تضمن للموهبة حريتها وكرامتها، فأخطر ما على الموهبة، وأبرز ما يؤدي بها إلى التهلكة، هو الانتقاص بشكل أو بآخر من كرامتها؛ ناهيك عن أن كرامة اليمني بشكلٍ عام، فوق موهبته وفوق كل اعتبار.

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art37190.html