2018/10/05
  • الدولة، بين الديني، والمدني (1-2)
  • الأهداء : إلى اللواء/ السفير / أحمد الوديدي، صديقاً وقائداًسياسياً، ومناضلاً، وطنياً كبيراً ، واحداً من أهم وأنبل رموز تنظيم الضباط الأحرار، ومن أبطال وقادة الدفاع عن الثورة والجمهورية، في حصار السبعين يوماً، هو حقاً واحد من أشرف ، وأصدق، وأشجع الرجال، الذين عرفتهم عن قربـ، وأكثرهم جسارة، وحزماً في قول الحق، وكراهة الزيف ، والكذب، وفي سبيل ذلك تعرض لألوان من القهر، والسجن، وبقي في كل الأحوال شامخاً، لم ينحن، ولم يهن...كان ومايزال مثل الأشجار وقوفاً.

    إليه مع محبتي وتقديري

    لن أدخل، وأنا أقرأ هذه الفقرة من البحث حول الدولة المدنية الحديثة، في الجدل السفسطائي، والعقيم، حول أن (الإسلام دين، ودولة)، ومنها أن (الحل في الإسلام)، وأن "الدين عقيدة وشريعة"، ومن ضرورات قيام دولة الخلافة، التي قدمنا لها قراءة سريعة في مواضع مختلفة سابقة، ولن أخوض في غمار المناقشات السجالية الدينية، المذهبية، الفقهية، التي يفضلها البعض ليحرف النقاش عن مساره، وعن طابعه المحدد، وهي الدولة، التي ينشدها الناس ويرجونها. والكلام هنا واضح ومحدد، أن الحديث مقصود به علاقات الناس في الدولة (السلطة)، وفي علاقة الدولة كبنى، ومؤسسات بالمجتمع في أطيافه المختلفة، والمقصود هنا علاقة الناس / المجتمع / بالدولة/ السلطة، وليس علاقتهم بالدين المقدس ... الدولة التي يفترض أنهم يقعون في ظل إدارتها، وحمايتها، ورعايتها، ويقفون على مسافة واحدة منها، ولا يدور الحديث عن عباداتهم، ومعتقداتهم، أو طبيعة أديان الناس المنضوين تحت ظل هذه الدولة، وتقسيمهم على أساس من ذلك. فالدولة موضوعياً، وفي سياق تطورها التاريخي وجدت قبل الأديان السماوية الثلاثة لتنظم وترعى مصالح أبنائها، (شعوبها) ، وهي كيان ونصاب متعالٍ، وكلي محايد لا علاقة لها بالدين، تمثل وتعبر عن مصالح جميع الأفراد (المواطنين)، الواقعين تحت ظل أنظمتها، وقوانينها، وحمايتها . وقد اهتمت وركزت الكتابات شبه المتخصصة في تاريخنا العربي الإسلامي الوسيط بقراءة الواقع السياسي التاريخي السلطاني، وأنتجت جملة من الكتابات  المختلفة المتناقضة، المبررة ،والمفسرة، والمشرعة، لقيام الدولة السلطانية باسم المذهب، والدين، وهي دويلات وأنظمة قامت على القوة، والعصبية، والغلبة، والشوكة القبلية أو المذهبية، أو العائلية في غالبها، في منطقة المغرب العربي، وكذا مشرقه. كتابات: علي بن عمر بن حبيب الماوردي، ابن الخطيب (لسان الدين)، إبن رضوان (أبو القاسم)، أبو حمد موسى الزياني، ابن الأزرق (أبو عبد الله)، ابن أبي الربيع (أحمد بن محمد)، السيوطي (جلال الدين)، الطرطوشي (سراج الدين)، المرادي ( أبو بكر)، فالإسلام لم يعرف الدولة الدينية الصرفة، والكاملة التمثيل الديني، شأن المسيحية، ولكن الكثير من دول الخلافة الإسلامية منذ الأمويين والعباسيين، وغيرها من السلطنات والممالك والدول الوسيطة حتى دولة الخلافة العثمانية، جميعها كانت في واقع الأمر دول، شبه دينية، شبه مدنية في واقع الممارسة، ولا تفسير لذلك تاريخياً سوى أن هذه الأنظمة والدول، وظفت واستخدمت الدين أداة لخدمة الدولة، والسلطان، لتكريس حكمها أكثر فأكثر باسم الدين، والشواهد التاريخية على ذلك أكثر من أن تحصى، ذلك لأن الشريعة ليست هي العقيدة (الدين)، فالشريعة منتج بشري من قبل "الفقهاء"، وهي ليست كما يروج البعض، "المعلوم من الدين بالضرورة"، هي اجتهاد الفقهاء، في عصور مختلفة ولكل عصر، تشريعاته الخاصة به.

    كما أن الدولة العربية الإسلامية منذ دولة الخلافة الأموية، وما بعدها هي حصيلة -كما سبقت الإشارة- الحضارة ، والخبرة الفارسية الساسانية، وكذلك الثقافة اليونانية الهيلنستية، والروحية الدينية الإسلامية،  في طور صعودها وتقدمها التاريخي. ومن هنا حضور ذلك الخليط الإنساني في تشكُّلها والذي عبَّر عنه وجودها السياسي التاريخي. وللعلم، فإن مصطلح أو شعار (الإسلام دين، ودولة) ، إنما هو مصطلح ومفهوم معاصر أبدعه وقدمه للفكر السياسي الإسلامي الشيخ / حسن البناء، مؤسس جماعة "الإخوان المسلمين" في الاسماعيلية عام 1928م، حيث يرى أخوه المفكر الإسلامي جمال البناء أن الشيخ الأستاذ حسن البناء هو من (أظهر وأبدع شعار "الإسلام دين ودولة"، ونقله من دائرة المتخصصين -سواء كانوا فقهاء أو علماء سياسة- إلى الجماهير بحيث اكتسب شعبية وشهرة مدوية، ولكن الحقيقة -كما يقول- إن حسن البناء عندما وضع شعار (الإسلام دين ودولة)(1) لم يكن يستهدف إقامة الدولة الإسلامية كما تصورها بعد ذلك، المودودي، وسيد قطب، والخميني، ولكنه أراد نظاماً للحكم يستلهم القيم والمبادئ الإسلامية والأصول الإسلامية، وهذه الأصول هي التي عرفتنا عليها النظم الأوروبية، وتحدث عنها الإمام البناء، كما يتحدث الأوروبيون، وليس على طريقة الفقهاء(...) وهذا هو ما يستخلص من رسالته الهامة "مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي"، فهو يبني نظام الحكم على ثلاث دعائم، الأولى، الحكم، الثانية، وحدة الأمة، والثالثة، إرادة الأمة)(2). والوقائع السياسية التاريخية تؤكد نظرياً، وعملياً وقوف الشيخ الأستاذ حسن البناء مع دستور 1923م الذي كان إفرازاً للثورة العرابية، ولثورة 1919م على وجه الخصوص، وكان مع المؤسسات الدستورية البرلمانية للدولة حينذاك،  مع عرض لرؤيته التي تتضمنها كتاباته المختلفة.

    إن الدولة الدينية أياً كانت وتحت أي عنوان أو مسمى،، يهودية، مسيحية، إسلامية، هي دولة الدين الواحد، وهي إقصائية، وعدائية تجاه الأديان الأخرى. فالقول بدولة تقوم على أساس ديني (إسلامي، مسيحي، يهودي)، يشير مباشرة إلى الدولة الدينية العصبوية الشمولية "الثيوقراطية"، ويفتح الباب واسعاً أمام جميع التقولات والاجتهادات (النظرية، والعملية)، حول مضمونها الوطني، والسياسي، والديمقراطي . إن مقاصد الشريعة الإسلامية العليا كما تؤكدها النصوص القرآنية الصريحة الواضحة ،هي مقاصد: العدالة، والحرية، والمساواة، والكرامة الإنسانية، والعلم، والعقل . إن الدولة الدينية هي مرحلة تاريخية في تطور معنى، ومفهوم، وواقع الدولة، هي دولة سادت أو دالت ، وبادت ، في المراحل التاريخية القديمة، والوسيطة بالمعنى الأوروبي، أي في عصور الظلام .. هي دولة لا علاقة لها بالدين، إلا من حيث توظيفه أداة ووسيلة أيديولوجية لقهر المعارضين باسم المقدس السماوي، هذا أولاً، ولخدمة السلطة، والسلطان، والدولة الاستبدادية، وهو ثانياً،  إن رجال الدين، يسعون من خلال أي سلطة سياسية إلى أن يكونوا هم ، الرمزية الوحيدة والمطلقة للدين ، بهم وحدهم ومن خلالهم  يفهم الدين شرحاً ، وتفسيراً وتطبيقاً ، بعد أن يحولوا الدين إلى أيديولوجية، ثم إلى السلطة سياسية يبدهم، باسم تطبيق الشريعة. فالدولة الدينية الكهنوتية ليست مرتبطة بالتاريخ المسيحي فقط ،بل هي تنطبق على أي لحظة سياسية دولتية تاريخية تعمل على توظيف واستخدام الدين لخدمة السلطة، والسلطان. فالكهنوتية (الكهانة)، ارتبطت بالمسيحية كواقع تاريخي، ومفهوم نظري ايديولوجي، مؤسسي، ولكنها قطعاً لها تجلياتها وتعبيراتها الواقعية والسياسية، والايديولوجية، في جميع ممارسات وتطبيقات الأديان السماوية، وغير السماوية. فماذا تسمى دولة الخلافة العربية المختلفة (في المشرق، والمغرب) التي حكمت باسم الدين الإسلامي، وكانت في جوهرها استبدادية مطلقة، وملكاً عضوضاً، وراثياً، عائلياً، باسم الدين حكمت وقتلت، واستبدت، وهي في العديد منها دول ثيوقراطية، كهنوتية وفي أكثر نماذجها سوءاً. ألم تكن دول، ودويلات دينية، مذهبية، طائفية (سلطانية)، وراثية / عائلية في لباس عربي إسلامي؟ ثم ماذا نسمي دولة الإمامة الزيدية "الهادوية"، التي حكمتنا باسم المذهب الديني، وبالحق السلالي (البطنيين)، طيلة عدة قرون من الاستبداد والتخلف الديني والمذهبي؟!  وما يزال هناك اليوم من يحلم باستعادة ذلك الوهم . مما لا خلاف حوله أن الكهانة، والكهنوتية (كصفة)، ارتبطت تاريخياً بالفكر المسيحي، والنظام السياسي الغربي المسيحي، في مرحلة من مراحل التطور التاريخي للدولة الأيديولوجية الكنيسة المسيحية، حيث الملك عبر سلطة الكنسية "ظل الله في الأرض"، ولكن هذه المنظومة الأيديولوجية والسياسية، جرى تجاوزها منذ عدة قرون، ولم يعد لها وجود ،كما تجاوز العرب، والمسلمون دولة الخلافة، ودول السلطنات والإمامة، والإمارات، والمشيخات، والممالك القديمة، (التبابعة، والمكاربة، والأقيال) ، وهي تجمع بين القبلي / والديني، ولم يتبق منها سوى دولتان في المنطقة العربية اليوم، وهما السعودية (دولة مذهبية، وهابية سنية)، ونظام حكم البشير في السودان الذي يعيش خارج الحياة والعصر، وإيران دولة "ولاية الفقيه" الشيعية، الإثني عشرية، وباكستان على الصعيد الإسلامي، بعد أن أسقطت دولة "طالبان"، في افغانستان. إلى جانب هذه الدول تقف إسرائيل التي تطالب بقيام دولة دينية يهودية في فلسطين المحتلة (في أراضي 1948م، وبعض 1967م المحتلة)، وهي اليوم أصدرت قبل شهرين قانون "الدولة القومية الدينية" .

    والغريب أن نسمع اليوم المتشددين ، والمكفرين للآخر في اليمن من يقول ويكتب من (أن الإسلام لا يعرف ولا يعترف بأي سلطة كهنوتية تدعي الوساطة بين الله وخلقه، وأن قياس الإسلام على المسيحية قياس باطل من أساسه، فالمسيحية تقوم على نظام كهنوتي معترف به، له سلطانه، ونفوذه، وأملاكه، ورجاله على اختلاف مراتبهم، ودرجاتهم، في سلم القيادة المسيحية، ولا يوجد هذا في الإسلام)(3) وتعليقاً على القول المذكور.

    أولاً: أتفق مع ما يذهب إليه مؤلفا الكتاب المذكور في الفقرة المشار إليها، من أن الإسلام كدين، لا يعرف ولا يعترف بأي سلطة كهنوتية تدعي الوساطة بين الله وخلقه، فالدين الإسلامي كدين بريء من أي وساطة أو كهانة، أو رجال دين يدعون أنهم حراس العقيدة ، والأجدر بتطبيق الشريعة.

    ثانياً: أن جميع الدول الغربية، الأمريكية، والأوروبية، هي اليوم ليست دولاً دينية، بل علمانية،  ولكل منها تطبيقه واجتهاده الذاتي الخاص في تطبيق العلمانية، ولم نسمع عن أن أياً من هذه الدول تناصب الدين، كدين، العداء، أو تدعو للحرب على الدين، أياً كان هذا الدين. ففي ظل هذه الدول العلمانية (الكافرة)، يعيش مئات الملايين من المسلمين،  والبوذيين ، والملحدين ، وغير المتدينين، ولهم جميع حقوقهم الدينية، الكاملة، ولا تتدخل الدولة في حياة الناس العبادية وشعائرهم وطقوسهم الدينية الخاصة بهم، بل إنه في معظمها، يسمح لهم ببناء مساجدهم الإسلامية الخاصة، ومراكزهم الثقافية الدينية، -باستثناء دولة أو دولتين، حادت عن هذا الحق- وهي دول مسيحية، بمعنى انتماء غالبية أو معظم سكانها للدين المسيحي، وليس بمعنى أن الدولة مسيحية دينية. اليوم في الدولة العلمانية، ذات الغالبية المسيحية ينتخب إلى قمة السلطة أعضاء برلمان من المسلمين ويعين وزراء من المسلمين  في مواقع حساسة في الحكومة ، والدولة، وينتخب ، أمين عاصمة لمدينة لندن ، ويسمح للمسلمين ببناء مساجدهم الاسلامية، علماً أن مشكلة بناء الكنائس في مصر ما تزال إحدى دوائر العنف والاضطراب في مصر اليوم، والأهم أن الكنيسة اليوم في الغرب المسيحي تمارس دورها كمؤسسة دينية، لا دخل لها في شأن السياسة، والدولة.

     ثالثاً: إن المؤسسات الدينية الإسلامية (سنة أو شيعة) لها أملاك الأوقاف، وأملاك الحوزات، وملكية المؤسسة الدينية (الحوزات)، ففي العراق تصل في الشهر الواحد لأرقام كبيرة من ملايين الدولارات حسب احصائية أوردها المغفور له الصديق  د. فالح عبد الجبار في مقالة له في صحيفة "الحياة" اللندنية. كذلك الأمر في إيران التي  تصل أرقام الأرصدة المالية للحوزات الإيرانية الآتية من مصادر الضريبة (الخمس)، وغيرها إلى عشرات إن لم يكن أكثر من مليارات الدولارات المستثمرة في جوانب اقتصادية، ومالية مختلفة. ومعلوم اليوم أن الحركات السياسية الإسلامية في كل المنطقة العربية (المشرق، والمغرب)، هي من أكثر وأغنى الحركات السياسية، ولهم استثمارات مالية، واقتصادية، وتجارية كبيرة، داخل بلدانهم، أو في خارجها، وقدراتهم الهائلة على تمويل الانتخابات وإشراك المال السياسي في دعم انتخاباتهم أكبر دليل على ذلك، تمويل "الأخوان المسلمين" في مصر الإنتخابات 2005م التي حصدوا فيها (88). مقعداً في البرلمان ، ومصادر ذلك عديدة ومتنوعة، (السعودية، ودول الخليج، والدول الإسلامية في العالم الإسلامي، إضافة إلى التبرعات الداخلية). ثم ماذا نسمي ظاهرة (المطاوعة) العاملين تحت اسم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، الذين تم اليوم، ازاحتهم من طريق الناس في السعودية، وتقليص دورهم ووضعهم تحت رقابة الدولة في السعودية، وهي الهيئة التي كانت إلى أشهر قريبة منصرمة تطارد النساء، والرجال في الشوارع والأماكن العامة، باعتبارهم كهنة، أو حراس للدين؟! أليسوا صورة إسلامية مصغرة لظاهرة الوساطة أو الكهانة، وهم ومنذ عقود يمارسون أسوأ صورة بشعة يقدم فيها الإسلام في المنطقة..، والعالم، ونماذجها بدأت تنتشر في أكثر من بلد عربي، بما فيه اليمن.  واليوم هذه حركات الإسلام السياسي "سنية / شيعية" تعمل لفرض إسلامهم الخاص على الناس بالقوة والإكراه.  انظر ماذل يقول ويفعل تحريضاً ونشراً لثقافة  التكفير الشيخ العديني في تعز ، وغيره وما يجري من قتل لخطباء، وأئمة المساجد في المدينة المسالمة عدن، ومن قبل الأجهزة الأمنية التي يديرها سلفيون أو عصبيويون انفصاليون، مع أن القرآن الكريم يقول في محكم كتابه "لا إكراه في الدين.."، "وجادلهم بالتي هي أحسن..."، وقوله تعالى "وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" .

    صحيح أن الدين الإسلامي كدين لا يعترف بالوساطة، والرهبنة، والكهانة، بين الله، وخلقه، ومع ذلك فعلى صعيد الممارسة والتطبيق السياسي، والاجتماعي التاريخي، عرفنا أنظمة، ودولاً حكمت باسم الدين الإسلامي وقدمت وما تزال تقدم، أسوأ نماذجها في التاريخ السياسي للدول.

    إن المشروع الاسلامي في الأصل والجوهر، هو مشروع سياسي "حزبي/ أيديولوجي"، وليس مسألة أو قضية دينية(دين). القرآن فيه ستة الآف ومائتين وستة وثلاثون آية، منها فقط مائتين آية تختص بالتشريع في كل شيء ، ومنها فقط تسع آيات تتصل بالحدود. إن  الدين الإسلامي علاقة بين الإنسان، وربه ، بدون واسطة، ولا كهانة، الدين الإسلامي قيمة أخلاقية إنسانية "جئت متمماً لمكارم الأخلاق" ، الإسلام رؤية إنسانية كونية، لخدمة العباد (المصالح كمقصدية أولى)، فيه الحقوق قبل الحدود، ولذلك أوقف الخليفة عمر بن الخطاب ، حد السرقة لانتقاء شرط تطبيقه، في عام المجاعة، "الرمادة""ولامعاد لمن لا معاش له"، انظر ماذا تفعل اليوم في بلاد العرب ، "القاعدة"، و"داعش" و" أنصار الشرعية"، من تكفير، وقتل، ونهب للمال ، وسبي، واغتصاب للنساء من بنات العرب ، في العراق ، وسوريا، وليبيا ، وكله باسم الإسلام، وتطبيق الحدود، باسم تطبيق الشريعة.

    إن حديث البعض اليوم عن دولة إسلامية، وخلافة أسلامية، يذكرني بالشعار السياسي الذي رفعته القوى الإمامية، والملكية، بعد قيام ثورة 26سبتمبر 1962م، قبل مؤتمر الطائف وبعده، فقد رفع مؤتمر الطائف 1965م، شعار (الدولة الإسلامية)، كحل (والدولة الدينية)، في مواجهة جمهورية سبتمبر، وثورة 26سبتمبر. ولا أرى في حديث البعض اليوم عن دولة دينية، ودولة إسلامية، أو حديث عبد المجيد الزنداني، ومحمد الصادق المغلس، وغيرهما عن دولة خلافة إسلامية،  أو دولة ، "ولاية الفقية" ، سوى رجع صدى لخطاب القوى الإمامية، والملكية في مواجهة ثورة الشباب الشعبية، ومطالبتهم بقيام دولة مدنية دستورية حديثة، دولة تقوم على عقد اجتماعي مدني، مصدر وصاحب السلطة فيه هو الشعب وحده. وكما يرى المفكر الإسلامي خالد محمد خالد، "لكي يكون الشعب حراً يجب أن يسود، ولكي يسود يجب أن يحكم، وهذه هي الديمقراطية، حكم الشعب" (4). وفي هذا السياق وتأصيلاً لحكمه وسيادته، ورفضاً للدولة الدينية، يقول الأستاذ خالد محمد خالد في كتابه الآخر (من هنا..نبدأ).  "إن أجل خدمة نؤديها للدين، أن نجعله قريباً من قلوب الناس، عميقاً في نفوسهم، وتطعيم الدولة والمجتمع بروحه الحي ومعنوياته الفاضلة، لا  أن تأتي بحكومة تستغله في تقديس ذاتها وتبرير اطماعها، واستكراه الناس لجبروتها.. وأن الدين يجب أن يظل كما أراده ربه نبوة، لا ملكاً، وهداية، لا حكومة، وموعظة، لا سوطاً(...) وحيث أن الدين شيء، ودعاة الدين والحكومات الدينية شيء آخر، ولا يعد الطعن في هؤلاء الدعاة، أو، في هذه الحكومات طعناً في الدين(...) –والكلام ما يزال للأستاذ الشيخ / خالد محمد خالد- فالدين حقائق خالدة ثابتة، أما هؤلاء الدعاة، ومتولو شؤون هذه الحكومات فهم بشر من الناس يصيبون ويخطئون"،(5). وحديث المفكرين الإسلاميين، وكذا فتاوى رجال الدين الإسلاميين -بمن فيهم رجال الدين المستنيرين- حول قضايا الدولة، وبنائها وشروط قيامها، ومفهومها، هي اجتهادات أيديولوجية سياسية، وليس القول الديني الفصل "القرآني".

      وكذلك فإننا لا نرى في حديث البعض اليوم عن دولة إسلامية، أو دولة مدنية، دينية، وفي حالة جمع بين المتناقضات التي لا تجتمع، كما يصرح البعض، أو دولة خلافة إسلامية، سوى معارضة، ومقاومة ماضوية لمشروع الدولة المدنية الحديثة الذي قال به، وما يزال يقول به،   شباب الثورة بمختلف تياراتهم ومكوناتهم.

     هذه الدعوات المضادة للدولة المدنية هي اليوم  - ما يدعو له بعض رجال الدين- دعوة دينية لدولة ثيوقراطية في شروط عصر مغاير، ولا تمتلك أدنى شروط ومقومات القدرة على الوجود والحياة، وهي دعوة سلفية ماضوية، صلتها بالسياسة، والمصالح ، والغنائم ، أكبر وأعمق من صلتها بالدين، الإسلامي الذي لم يقل بالدولة الدينية، ولم يعرف في تاريخه دولة دينية، بالاسم الصريح للدولة الدينية، أو الإسلامية .. فقط الحكام (الخلفاء، والملوك، والسلاطين، والامراء، والأئمة)، هم من كانوا يلحقون بأسمائهم العديد من الصفات والنعوت، والألقاب الدينية، لأهداف سياسية, سلطوية (دنيوية)، مثل الحاكم بأمر الله، الناصر لدين الله، المتوكل على الله، المستنصر بالله، المستعظم بالله، مع أن الخليفة عمر بن الخطان اكتفى بلقب "أمير المؤمنين"، بدلاً عن خليفة رسول الله، ودلالة تسمية عمر بن الخطاب هنا تحمل دلالة سياسية اجتماعية بشرية تعني علاقة بين حاكم، ومحكوم، علاقة بين رئيس، ومرؤوس حددها في خطاب توليه الخلافة في صورة "العقد" الذي قدمه للناس بعد مبايعته، سبق أن أوردنا مختصره، في الحلقات السابقة ، وهو لا يختلف عن قسم تولية الخليفة أبو بكر الصديق.

    ويمكننا القول إن معظم الدول العربية الإسلامية التي تدعي أنها دول دينية إسلامية، أو تحكم باسم الدين الإسلامي، هي من أكثر الدول والأنظمة ابتعاداً عن روح الدين الإسلامي، والأكثر إغراقاً في الاستبداد الثيوقراطي، وفي التخلف الاجتماعي: بدءاً من السعودية، ونظامي جعفر النميري، والبشير ومعهم د. حسن الترابي، المتقلب المزاج الذي يدعو للفكرة وتقيضها ، إلى نظام دولة باكستان، ودولة "طالبان"، حتى دولة "ولاية الفقيه"، المذهبية، في جمهورية إيران الإسلامية... جميعها نماذج بشعة لدولة سياسية استبدادية عائلية وراثية، أو شبة توريثية بعد حصر موقع الولاية الأول "الرئاسة"، في مذهب محدد، وهي جميعاً تقدم  أسوأ نماذج الدولة الاستبدادية المعادية لحرية العقيدة، والفكر، والرأي، والتعبير، باسم الدين الإسلامي. وقدمت للعالم كله صورة مشوهة عن الإسلام باعتباره دين إرهاب، وقتل، وعدم تسامح مع الآخر الديني.

    فلا يزايدن أحدٌ علينا اليوم في الحديث عن نموذج لدولة تدعي صلتها بالدين، وتحكم باسمه، ولا يشار إليها بالبنان بأنها دولة ثيوقراطية، مستبدة، كهنوتية، تستخدم الدين الإسلامي أداة ووسيلة لخدمة السلطة، والسلطان، وفي الغالب لخدمة السلطة الفاسدة الفاسقة، والفاجرة، بل وفي خدمة الاستعمار، والدول الاستعمارية الكبرى.

     وهنا أجد نفسي متفقاً مع ما يقوله المفكر الإسلامي الأستاذ خالد محمد خالد : "فما حاجة الدين إذاً إلى أن يكون دولة؟ ، وكيف يمكن أن يكونها وهو عبارة عن حقائق خالدة لا تتغير، بينما الدولة نظم تخضع لعوامل التطور والزمن المستمر، والتبدل الدائم؟ وهل الدين أدنى مرتبة من الدولة حتى يتحول إليها ويندمج فيها؟، ثم أن الدولة بنظمها الدائمة التغيير، عرضة للنقد والتجريح وعرضة للسقوط والهزائم، والاستعمار، - يقصد عرضه لأن تقع تحت الاحتلال- فكيف نعرض الدين لهذه المهاب، أو بعضها؟، إن الذين يريدون أن يجعلوا الدين دولة، ويؤمنون بوجوب قيام حكومة دينية يبررون ذلك بثلاثة أمور: الأول القضاء على الرذائل، الثاني: إقامة الحدود، الثالث: تحرير البلاد، والعمل لاستكمال استقلالها، وإنعاش أهلها"،(6). والأمور والقضايا الثلاثة التي أشار إليها  الشيخ / الأستاذ خالد محمد خالد، يمكن أن تقوم بها أي دولة مدنية ديمقراطية حديثة، تقوم على العدل،  والحرية، والمساواة بين الناس. كما أن إجابات التاريخ السياسي العربي الإسلامي حول الأسئلة الثلاثة اختلفت، وتعددت، بل وتناقضت، فليست إجابة خليفتي رسول الله (ص)، أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، ومن بعدهما ، الإمام / الخليفة علي بن أبي طالب، وعمر بن عبد العزيز، هي ذاتها إجابة عثمان بن عفان، ومعاوية بن أبي سفيان، وولده يزيد، ولا هي إجابة أبي جعفر المنصور، وعبد الملك بن مروان، حتى الخلافة العثمانية، وصولاً لإجابة الدولة الوهابية السعودية، والإثني عشرية الشيعية الإيرانية (الجمهورية الإسلامية)، حتى دولة "طالبان"، وإرهاب "القاعدة" و "داعش"، وجميعهم يقولون إنهم يحكمون (بما أنزل الله).

    الهوامش:-

    (1) يشير القاضي والمستشار محمد سعيد العشماوي في كتابه "الإسلام السياسي" صـ 157، إلى أن الدكتور والقاضي الدستوري الكبير عبد الرزاق السنهوري هو أول من أشار إلى مصطلح أو تعبير "الإسلام دين ودولة" في بحث له منشور في مجلة المحاماة الشرعية (أكتوبر 1929م)، أي أنه سبق الأستاذ الشيخ حسن البنا إلى صك ذلك المصطلح.

    (2) جمال البناء "الإسلام دين وأمه" مصدر سابق، صـ 256.

    (3)  د. إسماعيل السهيلي، د. أحمد عبد الواحد الزنداني كتاب (مقاربات في الدولة المدنية والإسلامية: الباقات الفكرية والاستراتيجية)، صـ47.

    (4)  خالد محمد خالد، كتاب(مواطنون لا رعايا)، صـ134،133، دار الكتاب العربي، بيروت، ط السابعة 1974م.

    (5)  خالد محمد خالد، كتاب (من هنا.. نبدأ) صـ20،19، دار الكتاب العربي / بيروت، ط الثانية عشر 1974م، وصدرت الطبعة الأولى في عام 1951م.

    (6) خالد محمد خالد، كتاب ( من هنا.. نبدأ)، مصدر سابق، صـ180

    تم طباعة هذه المقالة من موقع التغيير نت www.al-tagheer.com - رابط المقالة: http://al-tagheer.com.com/art37110.html