مقبل: حلم الحرية الـذي لا يشبه "الزعماء" الفارغين (2-2)
قبل 6 شهر, 9 يوم

 أخي وعزيزي ورفيقي «مقبل» متأكد أن روحك تسمعني، أنا لم أر في ما أقوله أي ثناء أو مديح، بل أنني كثيراً ما أكره ذلك، ولكنني معك وجدت نفسي مجبراً ومضطراً لقول كلمة حق في زمن جائر وحقير يجري فيه صناعة الجبن والنذالة وهندسة الاوغاد.

 لقد جسدت في سلوكك التاريخي المعادل الموضوعي لمقاومة تقسيم الاحزاب، وتفكيك المجتمعات، وتدمير الدول..جسدت  صلابة انسان يحمل عبء زمن مثقل بوعي تاريخي مأزوم، تاريخ مشحون بالعنف والتوتر، ولكنني معك – وأمثالك على قلتهم اليوم-  أشعر بقوة مقاومة، وإرادة لن ينل منها كل أنواع القهر والإستبداد والإرهاب الذي أصبح يغلف وجه حياتنا البائسة اليوم.

 حقاً إن علي صالح عباد ميلاد دائم ومتجدد أبداً، لم يولد ليساهم في تأسيس يوم الكفاح الوطني التحرري ضد الاستعمار والإمامة، ومن أجل الوحدة السلمية الديمقراطية. بل هو مشروع ولادة حقيقية في الفعل التاريخي. إنه إنسان عصامي بنى نفسه من الصفر، إنسان يستحق كل التقدير والاحترام،(لم يجد كل شيئا امامه على طبق من ذهب)، انسان منا يستحق من والوطن كل الحب والاجلال، فما قدمه للوطن والحزب والشعب، لا علاقة له بما يمس شخصه واسمه، وذاته، أو أية مصالح صغيرة تتعلق به كفرد. وهناك اشياء كثيرة من حقه على هذا الوطن والدولة، ولا يحصل عليها إلا بشق الأنفس، مثل العلاج البسيط والمحدود، ورحل عن حياتنا وهو في أمس الحاجة للعلاج، في الوقت الذي يبذخ فيه البعض بمئات الالاف من الدولارات والريالات السعودية حول امور تافهة.

 إن السنوات القليلة التي عشتها مع هذا الرجل - بعمر الزمن التاريخي - علمتني أشياء كثيرة وعظيمة، لأن قيمتها كتجربة وخبرة تصل لتاريخ قراءة حقبة طويلة من تاريخ كفاح هذا الشعب. وخلال كل هذه السنوات - القليلة - وجدته إنساناً حاملاً قيماً كبيرة، لا صلة له بالطائفية والمناطقية، والجهوية والرؤى الماقبل وطنية، يقفز محلقاً بعيداً عن فضاء جغرافية الشمال والجنوب، وعقلية القسمة اللاوطنية لمعنى اليمن ووحدته وديمقراطيته، وهو ما تقرأه بوضوح في ورقته الطويلة حول مسألة "المصالحة الوطنية"،(حين كانت واجبة التنفيذ)، لمن يريد العودة إليها، وإلى غيرها من الأدبيات السياسية التي صاغها بعقله المنير التي عكست افقاً وطنياً ديمقراطياً شاملاً وعميقاً، كان من الممكن أن يستفيد منها النظام –في حينه- لبلورة رؤية استراتيجية لمعالجة إشكالات اليمن المعاصر. في رؤيته تلك المنشورة في صحيفة  «الثوري» ، كان يقرأ مستقبل اليمن بعيون وعقل وروح المستقبل، بعيون زرقاء اليمامة، التي نعيش مأساة عدم إدراكها فيما يجري اليوم في المحافظات الجنوبية والشرقية، وفي صعدة، وفي الجوف،وفي مارب، وغيرها من حروب قبلية، وسلطوية عقيمة.

إن ميزة القائد أو الحزب المستقبلي تكمن وتتحدد في أنه يقرأ الواقع بشيء من الموضوعية والدقة والعمق، وقد حاولت المعارضة بهذه الدرجة أو تلك أن تقدم شيئاً معقولاً في ذلك الحين،  وإن كان دون المستوى المطلوب كبديل ديمقراطي .

ومع هذا تم رفضه واتهامها بالخيانة والتجريم السياسي والتكفير الديني الذي قاد الوطن كله إلى ما نشهده اليوم من تفكك ومن حرب تنال من المعنى الوطني، ومن كرامة الإنسان وسيادة واستقلال البلاد كلها.

يمكنني القول إن «مقبل» واحد من أهم الرموز السياسية التاريخية التي ساهمت بعد حرب الفيد على السلطة في 7/7/1994م، وما بعدها، في إعادة بناء الحزب، وصياغة برامجه ورؤاه، وتكوين هيئاته القيادية والمؤسسية التنظيمية، والفكرية والسياسية في أعقد وأشد وأصعب مراحل الكفاح السياسي التي تعرض خلالها الحزب لكافة صنوف الحرب والقمع والإرهاب والمصادرة لأمواله وممتلكاته وكأنها غنيمة حرب وفق ما يقول رامسفيلد وزير الحرب الامريكي عن احتلال اسرائيل لأراضي وممتلكات الشعب الفلسطيني بعد حرب 1967. وأننا حقيقة أمام مقارنة تاريخية مأساوية كلها تعكس عقلية وذهنية الغنيمة والفيد، سواء للمال، أو للأرض في المكانين، مع اختلاف الزمان والمسميات.

وفي هذه الظروف الصعبة والقاسية أدار القائد علي صالح عباد «مقبل» دفة أمور الحزب بكل الصلابة والشجاعة والقوة التي تميز بها وعمل مع زملائه على اخراج الحزب والوطن من المحنة الكارثية التي وضعت سلطة الفيد البلاد أمامها وفي مواجهتها، حيث كانت تواجه الحزب تهم الخيانة، والعمالة، و"الانفصال"، و"الردة" بالمعنيين السياسي، والديني التكفيري، بعد أن انحصرت تهمة الانفصالي في أبناء الجنوب فقط، وفي الحزب الاشتراكي. وكانت تجري محاولات لحل الحزب بعد تخوينه سياسياً ووطنياً. وامام كل هذه المصاعب ومن أول اسبوع أو شهر بعد الحرب بادر «مقبل» إلى إعادة بناء الحزب وترميم ما خربته حرب الفيد على السلطة وليس على الوحدة. وكل ما يجري اليوم من دمار وحرب وخراب فاجع إنما يعود إلى جذر الأزمة السياسية الوطنية الماثلة في جريمة حرب 1994م ، التي يجب ان تدان وطنيا ويجري الاعتذار عنها علنيا وبوضوح لالبس فيه، فتلك الحرب/الجريمة هي اس وجذر كل الشرور التي نعيشها اليوم .

وما أزال أتذكر كيف وقف "مقبل" من موقعه كنائب لرئيس مجلس النواب امام كل محاولات الإبتزاز والضغوطات السياسية والأمنية والمالية والوظيفية التي كانت وما تزال تلاحق الحزب الاشتراكي وكل الجنوب حتى اليوم.

 لقد كان «مقبل» ورفاقه الرقم الصعب في الزمن الرديء، ولم يمكِّن سلطة الاستبداد من حلمهم في نشر وتعميم ثقافة الخوف والارهاب، ووقف كل أعضاء وقيادات الحزب في مواجهة ذلك الجنون التسلطي القبلي العسكري الديني الذي حاول - في ذلك الحين - أن يتدثر بالغطاء الوحدوي الطائفي لتمرير مشاريعه في تمزيق وحدة البلاد الى طوائف وقبائل، وملل ونحل، وقاوم أحلام البعض من القلة في الدخول في مساومات رخيصة ومذلة، على تاريخ الحزب ودوره الوطني والتاريخي، وتحمل من أجل كل ذلك أنواع القهر والاستبداد، الذي وصل الى درجة احتلال منزله المستأجر في «حي الدائري الغربي» وشاهد بأم عينه وهو نائب رئيس مجلس النواب كيف ينهب منزله وكل مصاغ أسرته وابنته الصغرى( عفاف)، بعد أن حاصرت الأطقم العسكرية منزله من كل الجهات، وبعد أن احتلوا كل غرف المنزل، وشاهد طفلته الصغيرة ابنة الاربع سنوات تبكي امام (العكفة) عسكر الفيد "الوحدويين" وهم ينهبون مصاغ اسرته، وخاصة مصاغ الابنة الصغيرة التي كانت تتلقاها كهدايا من أسرتها وأهلها بمناسبات عيد ميلادها. وتقول لوالدها «مقبل»: «بابا ايش بيعملوا بها هم كبار وهذا الذهب حق الاطفال الصغار»، وكان بدوره يهدهدها ويهدئها، بعد أن كانت تلح في تساؤلاتها: "ماذا يابابا يريدون بذهب عيد ميلادي الذي لا يناسب احجامهم واعمارهم". ولم تكن تدري وتدرك أنه الفيد العظيم الذي يدخل ضمن فيد الوحدة، فيد الايديولوجيا، وفيد التاريخ، وفيد الثروة، والسلطة، فيد الجنوب كله قطعة قطعة.

 إنه فيد النفوس الصغيرة في زمن الهزائم الكبيرة والخطيرة التي ما نزال نعيش تداعياتها في صورة كل ما يجري اليوم.

 لقد وجدنا أنفسنا أمام هزيمة سياسية ووطنية عميقة للوحدة. لا علاقة لها بالوحدة ولا بالديمقراطية، ولا بالانفصال. وما تزال أشكال الفيد المتعدد الاسماء مستمرة وقائمة حتى اللحظة.

 لقد حفرت جريمة حرب 1994م في و جدان وعقل الطفلة الصغيرة ذكريات مرعبة عن معنى الوحدة ومعنى الوطن والعسكر، هل بعد كل ذلك من مأساة؟!! هذا هو علي صالح عباد «مقبل» واحد من أبرز رموز أبطال الاستقلال الوطني، والحرية، والديمقراطية، والوحدة السلمية، بعد أن حولته الصحف الصفراء إلى "انفصالي"، خائن، ولاوحدوي. هل بعد كل ذلك من مفارقة لاتاريخية تعمل على اغتيال الحقيقة وتشويه التاريخ، ومصادرة العقل.

 وهنا في تقديري يكمن دور الابطال والزعماء في التاريخ، وليس ما نراه اليوم من بؤس في اشكال "قيادات كرتونية".

لقد كان وما يزال حقاً رقماً صعباً في تاريخ اليمن المعاصر، وفي قلب وجود الحزب الاشتراكي الفاعل والمؤثر رغم كل الضغوطات وأنواع القهر والاستبداد التي طالته، وما تزال تطال الوطن كله شمالاً وجنوباً.

إن علي صالح عباد ليس هو ذلك السياسي المناضل، المنافح عن الحرية، والاستقلال، والعدالة والوحدة والديمقراطية، والمواطنة المتساوية، بل هو كذلك عقل مفكر ومثقف نبيل في زمن الهزائم الكبرى.

 لقد كانت اذاعة عدن - سابقاً - تقرأ له كتابات اسبوعية مخصصة للاذاعة حول تاريخ الحركة الوطنية «كفاح الشعب اليمني وتجربته الواقعية للاستقلال وبناء الدولة الوطنية في جنوب الوطن"، وكنت واحداً من المستمعين لهذه القراءات، كما كانت تصلنا، وما يصل من كتاباته وافكاره ونحن في سن السياسة والقراءة الأولى من حياتنا، وهو في رأيي ما يجب تجميعه وإعادة نشره كجزء من قراءتنا للتاريخ ، كيفما كانت.

إن علي صالح عباد «مقبل»، وسالم ربيع علي، وعبدالفتاح اسماعيل، وعبدالله باذيب، وعلي باذيب، وعلي أحمد ناصر عنتر، وغيرهم هم من الأسماء القليلة النادرة التي يؤرخ بهم وبتاريخهم المجيد،  التاريخ السياسي الوطني المعاصر لجنوب الوطن بهم وبدورهم وكفاحهم، ومن خلال كتاباتهم،ومواقفهم، واتمنى لو يتمكن المقربون منه من تسجيل وتدوين كتاباته، وشريط ذكرياته، وتواريخ الاحداث المختلفة التي مر بها والوطن - بالسلب والايجاب - إنها ستكون محاولة لتحقيب تاريخي لفترة من كفاح الشعب اليمني في شماله وجنوبه، من حرب الاستقلال، إلى تحقيقه، إلى الوحدة المغدورة، وحتى اليوم.

 وعلى الرغم من التحولات الكوكبية العاصفة، والإنكسارات الوطنية المدمرة، بقي علي صالح عباد «مقبل» -حتى رحيله-متمسكاً بالقيم و المثل الإنسانية العليا، وظل مثل الطود شامخاً يحلق في سماء القيم وفضاءات العقل المفتوح على حالته المرضية الصعبة.

 إنه تفاؤل الارادة العظيم الذي استطاع، كما يقول انطونيو جرامشي ، أن يقهر تشاؤم الواقع وينتصر على حالة الضعف الإنساني، وقسوة المرض. وهو حقيقة ما يعكسه حضور المعنى الانساني في عقله ووجدانه ونفسه - رسوخ المعنى والقيم - رغم كل فساد الواقع وانحطاطه، الذي نعيشه اليوم.

إن علي صالح عباد «مقبل» أمين عام حزبنا الاشتراكي الأسبق هو جزء من تاريخ وطني عظيم عصرته الأحداث، تعارك معها .. هزمها، وغلبته احياناً، ولكنه كان يخرج من كل ذلك مستفيداً تجارب جديدة وخبرات تعينه على قراءة المستقبل بصورة أفضل وأجمل. وهو ما كشفت عنه حقيقة وواقع إدارته للحزب في أصعب الظروف، -وهو ما نفتقده اليوم مع كل الأسف- حيث كان يستمع للجميع، ويستمع اكثر لمن يغايرونه في الرأي بدون حدود، وجعل من مداولات دورات اللجنة المركزية الفاصل الديمقراطي حول كل ما كان يجري داخل الدورة، وخارجها، وتلك كانت من القيم والمفاهيم والافكار التي اكتسبها خلال تجربته وخبرته الوطنية الطويلة في السلطة والمعارضة، وهي قيم أصبحت جزءاً من تفكيره الديمقراطي المؤسسي، الذي افتقرنا إليه جميعاً طيلة السنوات الماضية.

 إنه حقاً من أبرز رموز اليسار الديمقراطي، استفاد من تجارب الحياة والتاريخ، بما تخللها من إنجازات وإخفاقات أثرت على مسار التجربة وكبحت، بهذا القدر أو ذاك، عوامل تطورها الممكنة. ولكنه التاريخ ومساره، وهو شأن حياة الإنسان العاقل ودوره في التاريخ.. وللأجيال القادمة من الباحثين والكتاب المتخصصين في ما سيأتي من الأيام تقديم مساهماتهم، و قراءاتهم حول كل ذلك.

إن علي صالح عباد «مقبل» هو بحق نموذج فذ، ووطني حقيقي، وديمقراطي أصيل كان يتجدد باستمرار - على كل مصاعب حياته الصحية - إنه نموذج للمكافح السياسي، والمثقف النبيل، إنسان بسيط، وكبير في الوقت نفسه، ربط خياراته وحياته بالوطن والشعب، ولم تنفصل أفكاره ورؤاه عن مواقفه، وآرائه وخطاباته المباشرة في مواجهة الحكام، وهي من أقوى المعارك في مواجهة الاستبداد، وفي التعبير عن وحدة الحزب ووحدة الوطن على قاعدة المساواة، والحوار، والتسامح. إنه قضية كفاح متصلة ضد الإستبداد، ولا يعرف المساومة والتنازلات الرخيصة عن قضايا الكرامة، والحرية والوطن والمصالح العليا للشعب.

 إنه تعبير حي عن وحدة الرؤية والفكر والثقافة، والموقف، في رحلة امتداد متواصل مع قضايا التقدم الاجتماعي، والحرية، والدولة المدنية الديمقراطية.

وانا هنا لا اقدم تحية لهذا الانسان في ذكرى رحيله، أو بعد رحيله ولا احتفل وأحتفى به، وإنما أعزز إيماني بانتصار قيم الحق والعدل، والحرية، والقضايا التي آمن وضحى من أجلها "مقبل"، وكل رموز الحرية والمساواة والعدل والتسامح والتنوير والعقلانية، في وجوه الطغاة ورموز الاستبداد.

وفي ختام هذه التحية الاحتفائية بك أقول ما كتبه الناقد والروائي إلياس خوري في وداع الفنان والكاتب الفلسطيني كمال بلاطة في شهر أغسطس 2019م"اليوم لا نودعك إلاَّ لنستودعك في سر الأرض، فالموت يا أخي ليس سوى استعارة الحياة الكبرى، وأنت اليوم تصير جزءاً من استعارة (...) اليمن التي تتخطى هذا التاريخ الأعمى" التاريخ الذي نكبنا به من ناس الداخل والخارج معاً، بعد أن احتل الخارج –مع الأسف- داخلنا، وما نزال متمسكين بحكمة الصمت التي هي أحد ألوان الخوف، إن لم يكن هو الخوف عينه، الذي يشطر الاحزاب ، ويفكك الدول .