السعودية والطوق الفارسي
قبل 29 يوم, 15 ساعة

نجح الفُرس بحلتهم الجديدة -جمهورية إيران الخُمينية- في فرض طوقٍ محكمٍ على السعودية يبدأ من لبنان فسوريا مرورا بالعراق ووصولاً إلى اليمن ، هذا الطوق الفارسي ليس بالضرورة أن تكون أدواته منتمية للعرقية الفارسية نسباً ، وإنما الولاء للمشروع الفارسي المتدثر بالتشيع والولاية الهاشمية إنتسابا ، ذلك أن الإنتساب الولائي أشد خطراً في تأثيره من الإنتماء العرقي، لأن الإنتماء العرقي دوما ما تحرّكه القناعة في فعل الشيء و ربما نقيضه، بينما الولاء للفرس العابر الحدود -من غير عرقيتهم- تكون أداته سليبة الإرادة مرتهنة الأداء تتحرك وفقا للإملاءات والتعليمات المُرسلة للتنفيذ دون إبداء أي رأي أو الدخول في أية محاورة!

وكما هو معلوم، فإن تأريخ العرب والفرس لم يكن يوما في وئام وسلام، سواء ما قبل الإسلام أو ما بعده، فالحروب التي نشبت بينهما كمعركة ذي قار قبل الاسلام والقادسية في عصر الفتوحات الاسلامية فضلا عن الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينات القرن المنصرم -قادسية صدام- تشير إلى حقيقة ثابتة وهي أن الصراع العربي - الفارسي في الألفية الثالثة لم تكن بدايته مع ثورة الخميني إثر الإطاحة بنظام الشاه وظهور موجة التشيع الحالية ، بل إنه صراع أزلي له أروماته التأريخية وسيبقى كذلك مهما تغيرت مسميات الدولة الفارسية وأنظمة حكمها.

المثير للإستغراب هنا أن إيران شرعت في تشكيل الطوق الفارسي حول السعودية مبكراً ، بُعيد وصول العمائم السوداء إلى سدة حكم إيران ، حيث كانت البداية من لبنان من خلال إنشاء حزب الله ثم سوريا -بنظامها العلوي- فاليمن عبر إنشاء -الشباب المؤمن- في منتصف الثمانينات كفكرة وفي بداية التسعينات ككيان ، ثم كانت العراق التي واجهت مشروع الهيمنة الفارسية لعقود من الزمن وتمكن الفرس من التهامها في مطلع الألفية الثالثة، وكل ماسبق حصل في ظل صمت سعودي مطبق أو غض طرف كما في الحالة العراقية!

وما لا يجب إغفاله في هذا المضمار أن إيران الفارسية لا تدعم وكلاءها والموالين لمشروعها الفارسي كدول قائمة وكيانات موحدة وإن كانت تحت هيمنتها ، بل إنها تعمد على تهميشها وتدعمها كمليشيات مرتبطة بها ، كما هو الحال في العراق الذي أنشأت فيه إيران جيش -الحشد الشعبي- الموالي لها والمؤتمِر بأمرها ، والموازي للجيش الحكومي الرسمي، علما أن العراق كدولة واقعٌ تحت هيمنتها وسيطرتها المباشرة؛ وفي لبنان أيضا عملت إيران على إيجاد جيش مواز لجيش الدولة اللبنانية تحت يافطة المقاومة والممانعة. سوريا كذلك ورغم وجود الجيش السوري التابع لنظام الأسد إلا أن إيران شكّلت جيوشا متعددة -بأسماء طائفية- تأتمر بأمرها ، والهدف من هذا النهج الفارسي إبقاء الدول العربية ضعيفة مفككة كي تضمن ديمومة هيمنتها عليها وولاء وكلائها لها.

وعلى الرغم من ذلك ، فإن السعودية لم تفق من سباتها بعد ، وهذا أمر محيّر ومثير للدهشة ، فالمتابع لسياساتها يرى إنها تسعى بإصرار عجيب لقضم نفسها بنفسها و زيادة وتيرة تآكلها الذاتي، رغم أنه بمقدورها فعل الكثير للحفاظ على كيانها أولا وكينونة جيرانها ثانيا.

اليمن على سبيل المثال أكبر دليل على تخبط السياسة السعودية وطيشها، فهل من المعقول أن تَشن حربا لاستعادة الشرعية -كما تقول- من مليشيات موالية لإيران حتى العظم، وعلى مدار خمس سنوات لم تحقق شيء في هذه الحرب، بل إنها أدخلت اليمن في صراعات داخلية مدمرة ، تهدد وحدة اليمن وشعبه وتزيد الطين بلة والنار شبيبا واشتعالا!!

المراقب لديناميات الحرب في اليمن يرى بوضوح أن موجة الهجمات بالطائرات المسيرة على السعودية هي دون شك النتاج الطبيعي للتقاعس والتمنُّع والتأخر في هزيمة المليشيات السلالية الهاشمية، واستعادة الشرعية ، وهذا ما أوجد ذريعة وغطاء لإيران كي تشن ضرباتها -الدرونية- الموجعة على السعودية وعلى أن يكون تبنيها للمليشيات الحوثي السلالية ، وكان آخرها ضرب عصب الاقتصاد السعودي المتمثل بشركة أرامكو في منطقتي بقيق وخريص يوم أمس الأول.

أمام السعودية اليوم فرصة قد لا تتكرر، وهي السماح للحكومة اليمنية الشرعية بالعودة إلى العاصمة المؤقتة عدن وإنهاء تمرد التشكيلات المليشياوية التابعة للإمارات ومن ثم تحريك الجبهات لتحرير المناطق المحتلة من قبل مليشيات الحوثي السلالية وتخليص الدولة من قبضتها ، وبعدها التفرغ للصراع القومي العربي مع الفرس وسيكون العرب جميعا معها، من نواذيبو وحتى عدن