مساهمة في قراءة، القضية الجنوبية (الجذور،والواقع، والمحتوى) (5-1)
قبل 22 يوم, 19 ساعة

هذه الدراسة كتبت في العام 2013م وانا في قلب مؤتمر الحوار(فريق القضية الجنوبية) محاولة سياسية فكرية للأضاءة على القضية الجنوبية في مرحلة صعبة:خلفياتها التاريخية، وواقعها السياسي المأساوي الذي أنتجته جريمة حرب 1994م الذي يجب ان تدان سياسيا ووطنيا، وليس الاعتذار عنها فحسب.

 وهي دراسة لم تنشر في حينه وماتزال تحتفظ بكامل معانيها ودلالاتها السياسية، وقد تساهم اليوم رغم كل مايجري في الكشف عن الابعاد السياسية والوطنية للقضية الجنوبية العادلة بإمتياز.

ولشهداء الحراك الجنوبي السلمي من بعد حرب 1994م وحتى 2007م وإلى اليوم عظيم الاجلال والتقدير.

      القضية الجنوبية

1- علاقة الجذور ، بالواقع:

إن اللحظة التي تأسست فيها جذور القضية الجنوبية 1992م- 1994م ، وانتهت عندها من إنتاج مفاعيلها ، هي ذاتها اللحظة التي بدأ فيها محتوى ، أو واقع القضية رحلته الجديدة ، 1994-2013م ، رحلة بحثه عن نفسه ، وعن معنى وجوده ، وعن كيانيته السياسية والتاريخية المصادرة (كدولة ، وسلطة ، وثروة ، وأرض) في خضم عملية تحول قاسية وجارحة (علاقة العلة ، بالمعلول) والفارق هنا أن الزمن التاريخي للجذور أقصر ، بكل ما مثله وجسده من معاناة وعذابات للناس ، وأن الواقع بمحتواه ، وعمره ، الذي هو عمر القضية الجنوبية ، يكمن في تطورها وتشكلها ، وهو الأطول ، وقد يمتد إلى زمن أبعد في الحاضر ، في غياب الحلول السياسية الناجعة ، فمنذ إعلان توقف الحرب العسكرية اسمياً ، وشكلياً ، على الجنوب ، لم يفرق الحكم الفردي ، العصبوي ، المركزي ، (العسكري ، القبلي ، الديني) في حربه تلك ، بين الحزب الاشتراكي الذي عدد أعضائه لا يتجاوزون الثلاثين ألفاً من الأعضاء ، وبين الأربعة الملايين من أبناء الجنوب وسكانه... ، وبحجة إقصاء الاشتراكي "الانفصالي" عاقب هذا الحكم بالحرب ، وبأيديولوجية "الردة والانفصال" جميع أبناء الجنوب ، ومنذ تلك اللحظة جرت مياه كثيرة ، وتحولات صعبة ومعقدة ، في قلب القضية الجنوبية ومحتواها ، فعلى حالة التمايز والاختلاف بين لحظتي الجذور ، والمحتوى ، وبين معناهما المتباين كذلك في السياق السياسي ، والاجتماعي ، والتاريخي ، فإن الصلة والعلاقة فيما بينهما لا تنقطع ، والتفاعل والتداخل بين لحظتي الجذور ، والمحتوى لا يتوقف خاصة مع استمرار الدواعي ، والأسباب المنتجة لجذور القضية الجنوبية ، واستمرار إنتاجها في صيغ تعبير المحتوى ، وفي صور تطوره وتحولاته ، حيث تفاعلات الجذور ما تزال قائمة وتعيد إنتاج نفسها باستمرار حتى هذه اللحظة ، نتيجة غياب أي معالجات سياسية ، وعملية ، للقضية الجنوبية في جذورها ، ومن هنا استمرار تبادل التفاعلات السلبية بين الجذور ، والمحتوى.

فالجذور تتميز غالباً بالثبات ، والاستقرار ، فهي أحداث ووقائع حصلت وتمت ، وصارت جزءاً من التاريخ.. ، ولكنه التاريخ المتحرك ، وليس الراكد ، أما المحتوى فهو يتسم بالحركية ، والحيوية ، والتغير ، فعلى سبيل المثال كان محتوى أو واقع القضية الجنوبية المجسد في مطالب الحراك السلمي الجنوبي في بدايته لا يتعدى حدود حقوق مطلبية بسيطة ، ومع رفض النظام الإقرار والاعتراف بها ، والتوجه لحلها ، ومواجهة هذه المطالب بالقمع العسكري ، والمعالجات الأمنية (السجن ، والاغتيالات) تحولت المطالب العادية الحقوقية للحراك السلمي الجنوبي إلى مطالب سياسية عامة ، ثم سياسية تؤكد على شراكة الجنوب في الدولة ، والسلطة ، والثروة ، وهو حق طبيعي ، وعادل ، حتى وصول واقع أو محتوى القضية الجنوبية إلى استعادة الدولة ، وفك الارتباط وتقرير المصير.. ، ولا يمكن لأحد اليوم أن يتجاهل أو ينكر أن الحراك السلمي الاجتماعي والسياسي ، الجنوبي هو حقيقة من أسهم في رفع سقف المطالب السياسية للجميع ، وجعل النخبة السياسية تلاحق تطور حركته في الواقع ، وفي السياسة ، كما لا يمكن إنكار أو تغافل أن الحراك السياسي الجنوبي هو الذي انتج حالة المناصفة في قوام أعضاء مؤتمر الحوار الوطني الشامل ، بين الجنوب ، والشمال ، وبدعم من القوى السياسية المساندة له. وخاصة الحزب الاشتراكي اليمني ، ومن هنا تأتي الأهمية السياسية والوطنية العاجلة في تقديم معالجات سياسية جدية وعملية للقضية الجنوبية. قبل أن يتصاعد محتوى القضية الجنوبية إلى ما هو أبعد من فك الإرتباط. يتعذر معه أية حلول ، تصبح معه الدولة الاتحادية الفيدرالية في اليمن حلاً مستحيلاً.

خاصة في ظل ، وواقع تحولات موازين القوى الدولية المتسارع ، وحالة تبادل المصالح بين القوى الكبرى ، على طريق اقتسام مواقع النفوذ العالمي(1)، والمحاولات الدؤوبة لصياغة عالم متعدد الأقطاب ، بدلاً عن عالم القطب الواحد ، تصبح معه حالة تفكيك المجتمعات واحترابها ، وتقسيم الشعوب ، وتمزيق وحدة الدول ، واحدة من الانعكاسات السلبية الضرورية لذلك الصراع الدولي ، لاقتسام مواقع النفوذ في العالم.

2- القضية الجنوبية  المصلحة/ والمحتوى:

إن فقدان المصلحة ، وقهر الناس في حقوقهم ، الخاصة والعامة ، في أي شيء ، ومن أي شيء كان يمس صلب حياتهم ومعنى وجودهم ، إنما يعني تشكل موقف ضدي رافض لهذا الشيء ، سواء كانت المصلحة المسلوبة ممثلة في فكرة اعتقادية ، أو فكرة سياسية ، أو فكرة وطنية ، فما بالكم حين يكون الأمر متعلقاً بغنيمة ومصادرة حق شعب في إرادته الحرة ، وفي أرضه ، وثروته ، ودولته ، وفي تاريخه الذاتي الخاص.

فدائماً ما تكون المصالح والحقوق المسلوبة هي القوة الدافعة والمحفزة للمقاومة ، وهي الرافعة العملية في أي نشاط سياسي أو اجتماعي ، (إصلاحي ، أو ثوري) ، وحين تقهر إرادة الناس ، وتغيب مصالحهم ، قهراً وغصباً ، تتجلى أفعال الناس والجماهير وتتجسد في الواقع ، إما: في صورة ردود فعل عفوية تلقائية رافضة ومعارضة في صور وأشكال تخريب وتدمير للبنى السياسية والاجتماعية القائمة ، وإما في شكل حركة جماهيرية ثورية سلمية دفاعاً عن المصالح المغيبة.. ، "فالعلاقات الاجتماعية" ، و"العلاقات الاقتصادية" هي في الجوهر والواقع مصالح سياسية ، واقتصادية ، وحقوقية ، هي تعبير عن الحاجات الذاتية ، والموضوعية ، والسياسية المطلوب تحققها في واقع الممارسة ، المهم أن لا تقف المعرفة ، ضد المصلحة ، أقصد أن لا تقف معرفة الناس ضد مصلحتهم التاريخية في التغيير ، حتى لا يجد الناس أنفسهم أمام فهم ووعي ، وفكر سياسي مشوه وزائف ، يجعل إمكانية فهم الواقع صعبة ومعقدة ، وإمكانية تغييره مكلفة إن لم نقل كارثية. أي أن المهم هو أن يدرك ، ويفهم بعمق أصحاب المصالح كيف يستعيدون امتلاك إرادتهم؟ وكيف يستردون حقوقهم ، وكيف يحصلون على مصالحهم؟ وكيف يمارسون السياسة الموحدة لهم ، والجامعة لإرادتهم؟ وحينها تتحول حركة فعل الناس من شكل إلى محتوى ، كما في صيرورة الحركة السياسية الجنوبية السلمية ، حيث تحول محتوى الحراك السياسي الجنوبي تدريجياً أمام عنت وعسف النظام السابق ، وابتعاده عن تقديم معالجات سياسية جادة وعملية ، إلى قضية سياسية ووطنية كبرى ، شغلت المجال السياسي كله ، تعبيراً وتجسيداً لوحدة المعرفة ، بالمصلحة ، وفرضت محتواها على الجميع كقضية جنوبية ، سياسية وحقوقية ، ومن المهم هنا التأكيد أن الحراك السياسي السلمي الجنوبي كان تاريخياً ، -وتحديداً في تاريخنا الحديث ، والمعاصر-  وما يزال هو التعبير العميق عن واقع حركة التقدم الصاعدة من وفي قلب الجنوب ، ويمتد أثرها الإيجابي إلى كل الشمال في مواجهة القوى المعوقة والكابحة للتطور والتقدم الاجتماعي ، في كل اليمن ، شمالاً ، وجنوباً ، وهو ما جعل جميع الأطراف والمكونات السياسية ، والاجتماعية -بما فيها السلطة الفردية العصبوية السابقة القائدة لحرب 1994م- تقر وتعلن أن القضية الجنوبية هي الرافعة السياسية والاجتماعية ليس لحل القضية الجنوبية ، بل لحل القضية الوطنية برمتها. ونأمل أن يكون ذلك فاتحة ، ومقدمة سياسية ووطنية لتحمل هذه القوى السياسية مسؤوليتها التاريخية عن الحرب على الجنوب حتى نقلب الصفحة وندخل إلى الحلول. إذ أنه بدون ذلك تستعصي الحلول جميعها ، ولن نتقدم خطوة واحدة إلى الأمام؛ إلا لنتراجع خطوات غير محسوبة النتائج إلى الخلف.

المهم اليوم ، وغداً ، أن يحافظ الحراك السلمي الجنوبي ، على سلميته ، وديمقراطيته ، وأن يؤسس ، ويعمق في داخله ، فكرة ، وقضية الاعتراف بالآخر ، في داخله ، وفي خارجه ، "وبهذا الصدد لا بد من تخليص الخطاب الإعلامي للحراك السياسي ، من الكوابح التي تضخ ثقافة الكراهية ، وروح التفرقة ، والعداوة ، سواء بين شركاء الحياة السياسية ، أو بين أبناء الشعب اليمني ، فالقضية الجنوبية ، ببعدها السياسي ، والثقافي ، والأخلاقي ، لا يجوز أن توظف لإنتاج هذه ، الثقافة ، إنها مشروع سياسي للتجديد ، كما كان الجنوب دائماً ، مشروعاً سياسياً ، لليمن ، بما إعتمل فيه ، من عناصر دفع مدنية ، وحضارية ، خاصة مدينة عدن ، التي كانت ، موئلاً لكل اليمنيين"  (2).

إن تحقيق المصلحة السياسية ، والمادية المباشرة للحراك الجنوبي السلمي ، يعني بداية تحول نوعي في محتوى أو واقع القضية الجنوبية ، باتجاه عودة القضية الجنوبية ، إلى فضائها السياسي الطبيعي ، وعودة للعلاقة الجدلية الإبداعية التاريخية بين القضية الجنوبية ، والقضية الوطنية ، التي مزقت حرب المصالح الصغيرة ، في العام 1994م وحدة العلاقة فيما بينهما ، المهم أن يتأكد لأبناء الجنوب في الواقع تحقيق هذه المصلحة السياسية ، والمادية ، وتتجسد لهم ، بوصفها حقيقة موضوعية ، باعتبارهم الطرف الشريك والأساسي في الدولة الجديدة على قاعدة عقد مصلحة جديد في الوحدة ، وعقد مصلحة جديد في بناء دولة مدنية ديمقراطية تعددية حديثة ، يرتقبها ويرتضيها ، الجميع. حينها سوف نتجاوز جميعاً حالة وواقع الأزمة. السياسية ، البنيوية ، التاريخية ، وسوف ندخل إلى فضاءات الحلول بعقل سياسي نقدي ، يقر بشرعية الاختلاف ، وبالتعدد والتنوع في إطار الوحدة ، أو في إطار الكيان السياسي الجديد ، الجامع للجيوسياسية الجنوبية ، والشمالية ، بصورة ندية ومتساوية ، وليس من خلال تمجيد أيديولوجية الوحدة المصمتة والقاتلة.

الهوامش:

(1) انظر حول ذلك موضوع للباحث والمستشرق الروسي سيرجي ينكالايف منشور قسم هام منه في صحيفة الحوار / صنعاء 2/6/2013م العدد رقم (35) صـ 5.

(2) أ.د/ ياسين سعيد نعمان ، كتيب "القضية الجنوبية ، والحراك السياسي ، والاجتماعي ، مسارات... وأحداث" صـ 60 -61.