" إنجدونا إن وجدتونا! "
قبل 3 شهر, 17 يوم

بسرعة ، بسرعة، بسررررعة! بسرعة يا صغاري اغلقوا باب بيتنا المخلوع بظهوركم. اضغطوا بأقصى قوتكم ريثما احضر سريعا القفل لأوصد بابنا. بعدها نتسابق انا و صغاري ، اسد النوافذ ذات الزجاج الضعيف بالبطانيات و صغاري يحشرون الوسائد في فتحات النوافذ. ادس انا ثيابنا البالية ، المهلهلة تحت فتحة الباب. نحن نواجه قصف جوي من طائرات ُمعادية ، صواريخ ، قذائف ،غازات سامة . كذلك مداهمات ،تنكيل، إرهاب  و قنص على الأرض! مستهدفين اينما حللنا و اين ما ذهبنا ! لا نسلم حتى من كسر الخواطر. لكن لا بأس نحن يمنيين و هناك حرب في اليمن. حالنا حال الناس في سورية،العراق و ليبيا. و ما ادراك ما الحرب، إن لم تكن من إحدى  هذه الدول ! ركضنا انا و صغاري الى ركن في البيت. ضممت صغاري الى كتفي متظاهرة بطمأنة خوفهم وانا ارتج خوفا و ركبتاي ترتعدان. كيف لا ؟يخاف الموت حتى اشجع الشجعان. احسست كياني ريشة علقت اعلى قمة جبل ... الرياح ههناك عاتية ، لا للريشة ايدي تتشبت بالجبل و لا للرياح قلب يرحمها. نغرزاضافرنا في الأرض. هذه أرضنا ، بيتنا، وطنا ، هويتنا ، كرامتنا لا بل شرفنا و العرض. تزداد قوة غرزنا لاضافرنا في الأرض.  سدوا اذانكم صغاري. لا تخشون الدوي و لا ارتجاج الارض. نحن في حمى الله فمن ذا الذي يخيفنا من؟ نحن قلنا حسبنا الله ونعم الوكيل .

انا نذرت حال انتهاء الحرب لأقعدن على الطريق لأشتكي. اما الان و الحرب مندلعة فأنا أغني كيف السبيل الى وصالك يا اماننا دلني دلني. اهداؤا يا صغاري، الطائرات الان ابتعدت. لم يكتب الله أجلنا اليوم. لكن احزنوا فغيرنا ُقضي. وحده الله يعلم متى ُنقصف ، انكون مستيقظين ام نيام. هذه الحرب جنون ، غباء ،عمالة و دماء !

أنا و اسرتي لم نبرح صنعاء منذ بدء الحرب. ببساطة لماذا نغادر صنعاء و هي في قلوبنا لا تفارقنا. انأخذها معنا ؟ إذا لنبق فيها، نسلم لله أمرنا فيها ، انه يعلم كم نعشقها.  لماذا نغادر اليمن؟ ما فائدة الفرار من نيران حرب اليمن الدامية و ليلا تتحول صنعاء الى عناق مع ظل؟ ما االفائدة اذا غادرناها واستقرينا فوق ارض غيرها ، و هي تتحول الى مخالب تنهشنا و انياب تفترسنا اذا ما ابتعدنا عنها. سبحان مغير الاحوال هذا و هي كانت ظل. هي قيد في المعصم ، هي سلاسل حول القدمين. اين نهرب منها ،اين ننساها ،اين نسلاها ،اين نكتفي منها ،اين نقنع من هواها اين ؟ دعني اعترف يا قارئي انني و إن اقررت بحبي العظيم لليمن الا انني اعد هذا الحب ضرب من الجنون. اتدري لما؟ لأن اليمن ما عادت اليمن وطني الذي احببت. لماذا احبها هكذا وهي ذكرى؟ ثغرها ما عاد ذاك العنقود الذي اتذوق منه مباشرة العنب. ثغر اليمن اليوم يابس مشقق ، تسيل الدماء على جانبيه. فلماذا لا زلت احبها و هي بملامح لا تشبه ملامحها. لون عينيها تغير. المعنى في نظرتها ُمحير. اهي تستغيث ؟ اهي تشتكي ام تلوم و تلعن؟ ما عدنا نجد في اليمن يمن! هذه ليست فلسفة قلم! لكن فعليا اختلف شكلها و مضمونها و لم يبق منها الا عظم الله اجورنا جميعا " اسمها"! الحرب و ما ادراك ما الحرب؟ في اليمن كل ماحولنا ُمخيف. نسمع مآسي و اهوال. أب يقتل بناته. ابن يقتل أمه و ينجو الاب لانه قاوم. بنات كثيرات يخرجن ولا يعدن. ناس تشنق نفسها. طبيب يقتل ليتاجر بأعضاء ضحاياه. مزيدا من المقابر. بنك بقايا طعام. قسائم للحصول على طعام بلا دفع نقود لاننا اناس بلا رواتب . بنات يحتفظن بكيس ثيابهن داخل شجرة في الشارع. يبدلن ثيابهن ويضعن نقاب و يلبسن سروال  طويل عقب عملهن . معروف طبعا ما هو عملهن! اطفال تسوق صار هذا منظرمعتاد، اطفال تخزن القات ، اطفال تفتش العابرين في نقاط التفتيش، اطفال تحارب في الجبهات. "بغير جنان "!! هل صدقا هذه هي اليمن؟ قولوا انكم تمزحون. قولوا انه كابوس.

فجأة سمعنا طرقا على الباب. من ذا يطرق بابنا ونحن ُنقصف؟ لن افتح الباب ، لا و لن اجيب حتى. استمر الدق على الباب. ثم سمعت صوتا انثويا رقيقا يقول لي:- " انا المدرسة. لا تفتحوا لي لا اريد ان ادخل. بئس بلادكم و تبا لمن يحطم من يتعلم. سأهاجر من هنا. لم يعد لي مكان هنا. حولوا المدارس الى ملاجئ و المدرسة التي لا زالت تعمل لا ُيعلم فيها لا حرفا و لا علما. رمى الطلاب القلم و حملوا سلاح .سأنقرض اذا بقيت هنا. وداعا ،سأرحل ." رحلت المدرسة و تأملت صغاري بفزع. اطفال الحرب هم جيل من الأميين سيولد!

ثواني وسمعنا طرق جديد. هل عادت المدرسة؟يا لفرح قلبي كيف بجناحيه رفرف. زحفت متلهفة لأفتح لها. صغاري يزحفون معي متشبثين بتلابيب ثوبي. زحفت كأخطبوط و هم كما اذرعه يزحفون خلفي  على الأرض . اقتربت من الباب و الطرق عال. تسائلت قبل ان افتح للمدرسة:-" من الطارقة؟" اجاب صوت رجولي أجش :- " انا المستشفى . لا تفتحي. اتيت فقط لابلاغكم انني سأرحل.  جعلوا  مني تجار الحروب سرير موت و انا كنت شفاء ، دواء ، رحمة و أجمل. الاطباء الماهرين هاجروا. العلاج الحقيقي اختفى . المغشوش توفر. اصبحت  و انا " مستشفى " مسرح اهمال، اخطاء ، نصب لا أكثر. لا انا لست هكذا و لا هذا دوري. سامحوني يكفيني تمهل ، سأرحل." توقفت عن الزحف عندما تأكدت ان الطارق ليس المدرسة. مال كل خدمات بلادي على بدائيتها ، ُتنحر ؟ و المريض ماذا يصنع؟ يموت فالموت مرضا - بالمقارنة بالموت قصفا  - اروع.  عدت انا و صغاري للركن. كنت اشعر بالمرض لشعوري اننا بلا مستشفى. بكيت بصمت كي لا يراني صغاري وهم لا ينقصهم الهلع. كم عدد المرضى باليمن؟ انهم بلا مبالغة اكبرمن عدد الأصحاء فكيف المستشفى هكذا بكل حرية يرحل؟ ذكرت انه كان وجوده و عدم وجوده سواء. تنهدت .نحن في حمى الله لا نخاف.

فجأة رأيت انا وصغاري النوافذ تهتز و البطانيات التي سددناها بها تسقط ارضا. من ذا الذي يحاول السطوعلى بيتنا و مهاجمتنا. خاف صغاري و التصقوا بي. كذا التصقت انا بهم. صرخت بأعلى صوتي :- " لا تكسروا زجاج نوافذنا. لا تهجموا علينا. ليس لدينا ما تسرقون. ايها اللص لا تدخل ، لا تدخل فنخجل. لا يوجد ما تسرق. لا مال و لا زاد. سأنصحك اين تذهب لتسرق   اذهب الى اصحاب الفاست قصور. لديهم من المال و الذهب ما يغنيكم.   ان سرقة اللصوص ذنب صدقوني سيُغفر. اسرقوهم بكل اريحية. فسرقتهم تجعل الوضع اكثر عدلا." يبدو لي ان اللص سمعني. توقف اهتزاز النافذة. يبدو انه انصت الى نصحي بارك الله فيه سارق. فسرقة السارق تثلج صدورنا وتجعل الظلم اعدل.

سمعت طرق  على الباب. لن اتحرك. انه مطلب جديد سيغادرنا بعد المدرسة و المستشفى. صاح الطارق دون ان اكلمه :- " لا تفتحي الباب. فقط جئت اودعك قبل ان ارحل. ادري كمان انا عزيزعلى اي انسان. ادري ان رحيلي سيحزنكم حزنا يقتل. لكن ماذا افعل. انا الأمان ما عدت على نفسي ائمن. حرب و قصف. خوف داخل البيوت. مكاني ليس هنا. لو بقيت سأاُقتل. وداعا." رحل أماننا ويح قلبي كيف بعده في الشوارع نترجل؟ 

سرعان ما سمعت طرق جديد. فقدت الأمل في كل مطالبنا. سألت الطارق بكل برود:- " خير؟ من ؟ " اجاب صوت رائع ساحر الروعة ، خال الى انه صوت فيروز. قال لي:- " انا الحرية. انا الحياة  باحترام و مسئولية. انا حرية التعبير. حررت نفسي امس من زنزانة. فككت من فمي كمامة و من عيني عصاب. بودي امتعكم بي  يا أحباب لكن ليس لي نصيب بذلك فسامحوني سألوذ بالفرار و يا الله السلامة الى أرض اكون انا انفاس الرئة. القول جهارا نهارا. وداعا."  في أمان الله يا حرية ، لن نفتقدك كثيرا فقد افتقدناك منذ اول بوب بوم و لن احزن على فقد مفقود. اذهبي الى ارض الاحرار اذا وجدتيهم اصلا على أرض عربية. حقيقة مضحكة مزرية. لا يوجد بلد عربي حر من عند الحاكم حتى المواطن البسيط. 

تلفتنا انا و صغاري لبعضنا لبعض. وشوشتهم خطة ذكية. رأيت عيونهم تتسع. لكنهم هزوا روؤسهم علامة الموافقة. عندما طرق الباب الطارق التالي و سألت :-" من الطارق؟" اجاب –" انا القوت. مللت نفس الكروش.كروش متخمة لا تشبع. انا اريد ان يكون للكل نصيب مني. لكنني فشلت. لذا سأغادر البلاد. اذا عدلتم في القوت سأرجع. اماهكذا فلا اقبل." هنا صحت ليسمعني القوت :- " تمهل يا قوت لا ترحل. سنأتي معك . خذنا في طياتك يمنيين نازحين ُرحل. فليس الموت جوعا هو الحل. تمهل خذنا معك لعلنا في بلد أخر نتنفس طموح و أمل. لا احد سينجدنا فلما لا نرحل؟ تمهل يا قوت تمهل... سنأتي ونسافر معك. سنرحل.