الشاعر ومفهوم "الصياغة النهائية"
قبل 8 شهر, 7 يوم

الإهداء/

إلى الصديق والرفيق الأستاذ/ بشير حسن الزريقي، استمتع بما يكتب، فجميع إطلالاته الفكرية النقدية والأدبية والسياسية الرائعة والذكية تكشف عن كاتب وباحث يجمع بصورة خلاقة بين المثقف العضوي صاحب الرؤية وبين السياسي صاحب الموقف، وفي مستوى رفيع من الكتابة.

إليه : مع خالص المودة والمحبة.

   إن الشاعر والمبدع الأصيل هو في ممارسته الشعرية والثقافية الإبداعية والجمالية هو دوماً ناقد لشعره ليس من خلال التعديل والتغيير بل عبر التجاوز لذاته ، فهو أبداً يتجاوز ذاته إبداعياً بإضافة ما ينقصها ، وبحذف ما هو زائد عن الحاجة ، وبالخبرة الفنية الإبداعية التاريخية هو يميل إلى العمق والتكثيف – التي لا تلغى التفاصيل-في الصورة والبناء والرؤية ، وكما يقول النفري :"كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة" ، وكل ذلك يتم في علاقة حميمية وحية في سيرة كتابته لاسمه الشعري وكينونته الإبداعية وفي علاقته بالآخر أو بما حوله . ولا معنى في هذه الحالة لمسمى "الصياغة النهائية " –التي ثم تناولها في مقالة سابقة- وقد أجد تفسيراً أو تبريراً لذلك عند بعض الشعراء الذين نضبت روح الشعر في نفوسهم وهرمت أو شاخت قلعة الشعر في دواخلهم وجف في مآقي وجدانهم نبع الإبداع الصافي ، فيلجأون مكابرين إلى تنقيح وحذف وإضافة إلى نصوصهم تنويعاً وتطويراً للأصل الكامن في الذاكرة الماضوية ، وهو في الحقيقة ليس أكثر من تأكيد قسري لاستمراريتهم في زمن الشعر ومحاولة لإثبات قدراتهم على التجدد والبقاء بعد أن جفت شجرة الإبداع في دواخلهم ، ولا تفسير لمثل هذه الحالات إلاَّ أن حاضرهم الشعري يعيش  حالة موات وقحط ، ينحصر الزمن الشعري عند أمثال هؤلاءفي الزمن الشعري الذي كان- الماضوي- الذي يستجرونه في الزمن الحاضر ، محاولين الاستمرار من باب المكابرة أو العزة بالآثم ، بعد أن تجاوزهم المشهد الشعري والثقافي الابداعي.

وتبقى المشكلة الحقيقية هنا مع المبدعين الأصلاء ، المبدعين ..المبدعين ، لأننا مع أمثال هؤلاء نشعر بحيوية إعادة قراءة السؤال -اقصد سؤال الصياغة النهائية- في محاولة لإعادة فهمنا لهذه الظاهرة ، معناها ، وتفسيرها ، والقصد الشعري منها .

إن الشاعر لا يكتب ذاته ولا سيرته الشعرية مرة واحدة وإلى الأبد ، وإنما هو باستمرار يحفر لحظات هذه السيرة الشعرية والثقافية والوجودية من خلال زمن الشعر اللامتناهي في داخله، وفي من حوله .

إن الزمن الشعري لتجربة أي شاعر هي جملة تلك الصيرورات اللحظية المتتالية والمتعاقبة والمتغايرة والمتوحدة في نسيج إبداعي واحد متعدد ومتكامل في المقام الأخير. وأتساءل هنا : هل يحق لنا أن نعتبر مثل تلك "الصياغة النهائية" ، هي محاولة من هؤلاء الشعراء لإقصاء أو إلغاء لحظات من تاريخ سيرتهم الشعرية الإبداعية؟ أم هي تقليعة فنية جديدة يحاول البعض أن يميز نفسه من خلالها ؟ أو هو يعلن تجاوزه غير الضروري لنفسه ، أو لعدم رضاه عن بعض من نصوصه القديمة؟ ، لي من الأصدقاء شعراء كثر تظل القصيدة تتحرك وتتحول في وعيهم الشعري وفي وجداناتهم ودواخلهم لأشهر بل ولسنوات عديدة ولا يدفعونها للنشر –ومنهم صديقا العمر الشاعر عبدالودود سيف، والشاعر محمد حسين هيثم، وغيرهما-، لأنهم يشعرون أن في النفس حاجة باقية من الشعر متعلقة بذاتية القصيدة ، وأرى أو أجد في أمثال هؤلاء الشعراء أنهم يجسدون حالة من المصداقية عالية مع أنفسهم ، وشعريتهم ، ومثلهم إنما يمتلكون حالة من الحساسية الشعرية والجمالية التي يتطلبها الزمن الابداعي في كل لحظة من لحظات رحلتهم الخاصة مع الشعر ، يعكسون بذلك حالة مميزة في تعاطيهم مع النص ، واحترام الكلمة في علاقتها بالذات وبالناس ..القارئ والناقد اللذان يدخلان طرفان محاوران ومشاركان في لعبة النص ، يعيدان صياغته نقدياً ، وانتاجه جمالياً بقدر ما يضيف النص شيئاً من ذاته الخاصة إلى وجدانهم الجمالي وخيالهم الشعري والثقافي والنقدي .

الشاعر لا يبدع أو يخلق نصه لنفسه ، وإنما عبر مثاقفة إبداعية خفية وظاهرة مع كل ما قرأ، أي أن النص الشعري لا يتحرك في فراغ الذات بصورة مجردة ومطلقة ، لأن هناك معادلة معقدة وشائكة تتجاور وتتحاور مع النص بعد استكمال استواءه على عرشه هي : المبدع الشاعر +النص +زمن انتاج النص فنياً ، ونفسياً وثقافياً وتاريخياً + المتلقى بمستوياته .

إن ظاهرة "الصياغة النهائية" كما رأيناها عند البعض، هي بالنتيجة عملية نسف وهدم لجملة عناصر هذه المعادلة التي اسهمت في توليد وتخليق النص الأول أو الأصلي لأن ما يتحقق وفق معادلة الصياغة النهائية للنص القديم إنما هي في الواقع خلق لنص جديد  مختلف ومغاير-بهذا القدر أو ذاك- للنص الأول ، ولا علاقة له به ، وبذلك نقف أمام نصين لكل منهما عوالمهما الخاصة وطقوسهما وزمنهما الشعري المرتبط بذاتية كل منهما .

واتساءل هنا : ماذا سيكون مصير النص الأول ؟ هل يتلاشى ويتفكك بعد أن صار جزءاً من ذات الشاعر وتجربته التاريخية ؟ ومن هنا فإنني لا أذهب مع المبدأ القائل "بالصياغة النهائية" ، لأن مثل هذا المفهوم والفكرة أنما تحمل في داخلها نوعاً من الفكرة المطلقة ، ومن ذهنية القداسة اللاهويتة ، واللاعقلانية .. ذلك أن فكرة "الصياغة النهائية" ، تشير إلى الاكتمال .. تزحف بنا نحو الموت  وإلى التوقف ، والإطلاقية الميتافيزيقية ، وليس إلى العقل النقدي المبدع والمفتوح وهو ما يتنافى مع روح الشعر اللامنتاهية  في الزمان والمفتوحة على فضاء مملكة الحرية الانسانية بلا حدود ، فليس في النص الشعري المفتوح "صياغة نهائية" في مفهومنا لزمن الشعر ، ثم لماذا بالضرورة أن تتحقق الصياغة النهائية ، على بنائية هيكل نص شعري قديم للشاعر ذاته ؟ لماذا لا يتخلق ذلك الهدم الابداعي الجميل على بنيته الذاتية الخاصة المستقلة في صيرروتها ؟ وعلى تاريخية زمنه الشعري الذي يعكس سير وصورة البحث عن الشعرية في الفضاء التجريبي المفتوح ، حالة قياس الشاهد على الغائب في تنويعة الجديد –القديم ، تنويع جديد على مقومات أصل قديم .

أن تساؤلاتي لا تحمل أي دعوة لرفض الكتابة الشعرية باسم "الصياغة النهائية" ، – فذلك شأن خاص – بل هي محاولة للبحث عن تساؤلات تقربني من سؤال المعنى ، سؤال البحث عن ما يعتمل في الذهن من ذلك الاجتراح الجميل دون شك ، ولكنه الجميل  الذي بحاجة إلى قراءة حول معناه ودلالاته الشعرية والفنية والثقافية ، واتصور أن ذلك حقاً لمن يبحث من خلال سؤال البراءة النقدية ، عن المعنى في كل شيء ، ومنها البحث عن معنى "الصياغة النهائية" ، أنه السؤال ليس إلا .