أحمد الجبلي محاولة للتكريم
قبل 30 يوم, 16 ساعة

أحمد الجبلي واحد من نماذج ثقافية/انسانية قليلة معبرة ومجسدة لصورة المثقف العضوي دون أردية ولافتات سياسية/حزبية، أو تاطيرات ايديولوجية .. شخصية ثقافية ابداعية حرة مستقلة ..منفتح على جميع تيارات المعرفة والفكر، مثقف وكاتب تشغله فكرة وقضية البحث بالدلالة المعرفية (الابستمولوجية)، بعد أن جعل هم الكتابة والبحث ينصبان على تطوير تيار المعرفة لديه، وتجديد الفكر على طريق تعميق قضية التغيير الاجتماعي والانساني في واقع الممارسة دون تزيد في الادعاء وفي الاقوال  .

لم يكن همه نيل درجة علمية/اكاديمية وذلك حق نبيل ومحمود للجميع بل ومهم، فالعديد من انجازات التقدم المعرفي والعلمي والفيزيائي والتقاني وكذا في العلوم الاجتماعية والانسانية كان التأهيل العلمي الاكاديمي واحداً من مداخلها ومن مخرجاتها.

أما الجبلي الصديق والباحث فقد اوقف جل وقته وهمه في عادة ممارسة فعل الحفر في البنى المعرفية والفكرية والاجتماعية، تقديم ما يضيف للفكرة، أو ما يعتقد أو يتصور،-على الاقل من وجهة نظره-أنه  يغني المعنى، وكل ما كتبه منشورًا-على قلته- أو ما يعده للنشر، يندرج في هذا الاتجاه .

طيلة أكثر من عشر سنوات بقي، أو كان أحمد بن الجبلي منشغلا،ً ومهموماً بالتوقيع على حروف وكلمات هذا القاموس، وتنسيق سياقاته وعباراته بما يستقيم على ومع معنى القاموس، يحذف ما يراه فائضاً عن الحاجة ويعدل ما يعتقده ضروريا ، ويضيف ما يراه واجباً ليستقيم الوزن على التخطيط النظري المرسوم في ذهنه لمعنى القاموس. ونحن محبوه وأصدقاء المعرفة نلتقي اليوم معه في حضرة ما أنجز، وفي مقام كتاب يستحق أن نوقع عليه بحروف ماء  القلب، وأن نستقبله بما يليق به من الحفاوة والتكريم المستحقين له. احتفاء به كمؤلف، وككتاب. فالكتاب والمؤلف معا هما من نحتفي بهما اليوم.

كتاب هو قيمة مضافة للمكتبة اليمنية والعربية والعالمية، لا أشك لحظة في أنه سيغدو في قادم الأيام القريبة -مع ما سيضيفه لاحقا لهذه الاجزاء- واحد من أهم الكتب المرجعية في مجاله، وسيشير إليه أصحاب الاختصاص والمهتمين بالعرفان.

 كتاب سيزين بحضوره رفوف المكتبات العامة والخاصة.

إن قمة العشق هو أن نحتفي بمن نحب بما يستحقه من الحب، ولا أجد محبة تضاهي محبتنا للمعرفة المضمومة في الكتاب القاموسي الذي ساقه وأهداه إلينا الصديق الباحث الأستاذ أحمد الجبلي. إن كتاب "قاموس العرف القبلي في اليمن" هو عمل فكري/ بحثي يدخل في توصيفه ضمن الأعمال الريادية في مجاله، والذي لم يسبقه إليه أحد.

 

لقد وجدت نفسي وأنا اتصفح "قاموس العرف القبلي في اليمن"، بعد مروري على المقدمة النظرية/ الفكرية العميقة التي هي حقيقة عبارة عن بحث نظري /فكري تصلح بذاتها مع بعض التعديلات والإضافات من هنا أو هناك، أن تكون بحثاً  مستقلاً، ولكن الباحث ارتأى أن يضمنها قاموسه باعتبارها مقدمة، وهي حقيقة تتجاوز في مضمونها وتوصيفها  كمقدمة، هي إلى البحث النظري التاريخي المستقل أقرب.

إن "قاموس العرف القبلي في اليمن" وانجازه بالصورة التي بين أيدينا إنما يدل على أننا أمام باحث يمتلك أدوات البحث العلمي، بقدر ما يمتلك لغة جزلة ومتينة متماسكة (علميا وادبيا)،  تجمع بين الصرامة العلمية، والسلاسة اللغوية، تدل على دراية بعلم اللغة التاريخية، واللغة العربية .. باحث يتحرى الموضوعية، والدقة،  والمنهجية العلمية في كل ما يكتب، باحث يفكر ملياً وطويلاً وعميقاً، ويبحث أكثر قبل أن يقدم على فعل الكتابة.  فمع أن معرفتي به كصديق ورفيق عمر ودرب تعود إلى ما قبل أربعة عقود من الزمن، على أن أول معرفة لي به ومعه على مستوى الكتابة البحثية المسؤولة كانت حين كنت ضمن هيئة تحرير "مجلة الثقافة" وطلبت منه المساهمة ، وفوجئت حينها  أنني أمام باحث جاد فوق العادة.. كان ذلك قبل ربع قرن من الزمان ، ومن يعود إلى صفحات مجلة "الثقافة" سيجد -على الأقل- ثلاثة أبحاث تدخل ضمن الكتابة التاريخية والانثرويولوجية، هي على قدر عال من الجدية والرصانة.

إلى أن أصدر كتيبه "الهجر والجوار"، ثم كتابه المتميز بعنوان "صحيفة المدينة"، وصولاً للكتاب / القاموس، حول العرف القبلي في اليمن بأجزائه الثلاثة، الذي أجده، ليس فحسب قيمة مضافة للمكتبة اليمنية والعربية، بل هو قيمة مضافة للتراث المعرفي والفكري والبحثي في هذا  المجال من البحث العلمي المستمر والمتواصل.

فعلاً، لقد كان الهم المعرفي دون سواه هو ديدن الباحث وهو يتابع قراءته، وتسجيل ملاحظاته وأفكاره المستقاة من بطون كتب التاريخ ، بعد فحصها، وتحميصها ، وتحليلها، وإعادة قراءتها نقدياً، وبما يفيد ويضيف شيئاً له معنى لقاموسه الذي بين أيدينا، وهو ما كان.

 حقاً، إن القاموس في صورته المنشورة بأجزائه الثلاثة هو جسارة ومغامرة لا يقدم عليها سوى عقل علمي بحثي نقدي مفتوح على أصول المعرفة وعلى الإنتاج الفكري والثقافي الذي يستهدف إضافة قيمة نوعية إلى ما كان، أو ما سبق.

كما أن القاموس الجبلي ينطوي على شكل واسلوب جديدين في صياغة القاموس وكذا في نوعية تراكيبه، خلاف لكل ما عرفناه وعهدناه في القواميس التقليدية .

فالقاموس يجمع بين ما يلخص ويوحد معنى وفكرة القاموس، وبين القراءة التحليلية النقدية السوسيولوجية والتاريخية، والأنثروبولوجية. ففي قلب صفحات القاموس ومتنه الرصين نقرأ كل ذلك، تطالع القاموس، وتقرأ الفكر السوسيولوجي، والتاريخي والانثروبولوحي،  وتتابع اللغة العربية السليمة بروحية نقدية رصينة ومتماسكة وواضحة الأفكار والرؤى، وهو الشيء، الإضافي الجديد، دون الإخلال بالسياق التخطيطي والموضوعي العام لمعنى القاموس ومحتواه، وهي معادلة صعبة تمكن الباحث من انجازها بدأبه وصبره ومثابرته على البحث في هذا المجال الذي اشتغل عليه طيلة أكثر من سنوات عشر. هي سنوات مشحونة بالمثابرة والمجاهدة العقلية والفكرية، فقد كان يجد نفسه مضطراً للعودة إلى عشرات المراجع والقواميس، والمخطوطات، والنقوش، ولقضاء معظم أوقات يومه بين رفوف المكتبات للتأكد من تثبيت فكرة أو مسألة معينة، أو للتدقيق وللتحقق من كلمة تدخل في باب حرف من حروف القاموس: تقصياً، ومقارنة، ومقاربة بل ومثاقفة مع غيرها من الكلمات والمعاني والاصطلاحات والتحليلات. ولولا شغفه المعرفي، وحبه للبحث العلمي، وللمجال الكتابي الذي نذر سنوات من عمره له لما رأينا هذا الجهد النبيل بين أيدينا اليوم.

ويمكنني القول إن روح الباحث الموضوعي العقلاني النقدي، تغلبت على طبعه السلوكي الصارم، ومزاجه الحاد المتعب، الذي كنت أخشى من أن يؤثر على روح الباحث فيه، فقد وضع الباحث طبعه السلوكي الصارم في ثلاجة المعرفة، منحازاً للنقد الموضوعي ، والأهم أنه تمكن إلى حد بعيد من التخفف الجميل من إرث الأيديولوجيا في  قوالبها الجامدة والمصمته ، لصالح المعرفة العلمية والتاريخية، وهو ما يستطيع القارئ أن يلمسه بين دفتى هذه الأجزاء  الثلاثة العامرة بالإضافات المعرفية المتميزة.

وفي تقديري أن الحب الكبير في أعماقه للمعرفة الخالصة، وشغفه بلا حدود لفكرة وقضية البحث العلمي، هي من انتصرت والدليل على ذلك تلك الموضوعية الصارمة، ودرجة الصدق العالية مع النفس، ومع العلم التاريخي، التي تخللت الصفحات المائتين والألف .. وهو ديدن كل الباحثين الكبار حين يقدمون على انجاز أعمال / أو مشاريع كبيرة، تترك بصمتها على مسار المعرفة التاريخية، و"قاموس العرف القبلي في اليمن" هو واحد من أهم الأعمال المنجزة على هذا الصعيد في الكتابة البحثية في بلادنا طيلة أكثر من ثلاثة عقود منصرمة. وهنا تحضرني بعض الأعمال الجليلة رفيعة المستوى، التي يقف خلفها جهد فردي ذاتي عظيم وهو ما أنجزه الباحث الأستاذ الصديق المجتهد والمبدع حقا

الاستاذ/ عبدالعزيز المنصوب في تحقيقاته العديده حول فكر، وأدب ومراسلات، الشيخ الكبير(الصوفي الكوني والانساني)، محي الدين ابن عربي، وتحديداً في تحقيقه لكتابه البديع والرائع "الفتوحات المكية "، بجميع اجزائه، وكذا اسهامات الاستاذ الفقيد مطهر بن علي الإرياني، في بحثه /كتابه المعنون ب "المعجم اليمني في اللغة والتراث"، وكذا منجزه البحثي الاخير من جزئيين ، الذي لايحضرني اسمه الان،  وكذلك العمل الموسوعي حول مواسم الزراعة للاستاذ/يحي بن يحي العنسي، تحت عنوان "التراث الزراعي ومعارفه في اليمن، من جزئيين، اضافة لكتابه"المعالم الزراعية في اليمن"،  ورسالة الدكتوراه المتميزة للصديق/ علي محمد زيد بعنوان " تيارات معتزلة اليمن في القرن السادس الهجري"، وكذا الجهد الرائع في تحقيق "شمس العلوم"، لنشوان بن سعيد الحميري، الذي انجز تحقيقه، د. حسين العمري، ود. يوسف محمد عبدالله ، بدعم وتمويل من رئاسة الجمهورية في حينه .

 إنني حين أشير إلى الحب الكبير في عقل الباحث الصديق أحمد الجبلي للمعرفة ، والكتاب والبحث العلمي والتاريخي، والانثروبولوجي - بهذا القدر أو ذاك- إنما  أشير عن معرفة، وعن قرب  من الباحث وبمدى انشغاله وشغفه بالمعرفة والاستزادة منها في كل حين ..هو قارئ نهم ، لا يمل من التنقيب والبحث حول أي موضوع أو مسألة استشكلت عليه ولا يقبل بالسهل، واليسير  من القول أو الفكر ، بل هو يثابر ليصل إلى ما يروي ظمأه المعرفي والفكري، وفي "قاموس العرف القبلي" الذي بين أيدينا، ستجده يجمع بين عرض الأفكار والرؤى والمعلومات من مصادرها العديدة والمختلفة، وبين التحليل، ويقدمها للقارئ كما هي، فاصلاً بين المعلومة، وبين التحليل، بين المعرفة العلمية، وبين الأيديولوجية، ولذلك يقول في مقدمته إن العديد من المعلومات بحاجة للتثبت منها ، أو من أجل تمحيصها والتدقيق فيها إلى "دراسات وأبحاث ميدانية"، كما أنك ستجد أنه في البعض منها يعمل رأيه ، وقراءته السوسيولوجية النقدية، والتي تعكس روح أو ذاتية الباحث الخاصة ، وحضورها في متن القاموس.

وفي تقديري أن مقدمة الباحث للقاموس تضيء جوانب عديدة وهامة من روح الباحث المختص والمدقق رفيع المستوى-بصرف النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معها-، ..فالمقدمة -كما سبقت الإشارة- هي بحث نظري مستقل بذاته، بقدر ما هي كذلك إضاءة ميسرة لقارئ القاموس.

إن "قاموس العرف القبلي في اليمن" ينطوي أو يحتوي على اجتهادات معرفية فكرية ذاتية أصيلة خاصة بالباحث، نجدها مبثوثة في أكثر من مكان في القاموس، وقد أشارت مقدمة الباحث إلى شيء من ذلك القبيل في قراءته لمعنى أو فكرة الحقيقة حين يشير قائلاً : " إن بذرة الحقيقة في الأسطورة -حسب ما أزعم - هي "الشمس"، باعتبارها

مرجعية لتحديد الجهات الأربع، وليس جهة اليمن ، والجنوب - إلى أن يقول- نحن بحاجة إلى عقد الصلة الحقيقية بين الشمس بصفتها النقطة المرجعية لتحديد الاتجاه من جهة ، وبين الحيثية الحقيقية  التي وضعت الشمس في هذه المكانة ،ولتلعب  هذا الدور المحدد من جهة أخرى" (1/ص17).

وهي قراءة أو فرضية نظرية اجتهادية يعتد بها في أي قراءة تاريخية ، لما لها من أصل معرفي فكري بقدر مالها من أصل واقعي تاريخي.

يقول صاحب القاموس: الإضافة والتميز، في ختام مقدمته "إن أهم ما يتوق إليه هذا القاموس هو محاولة تقديم لوحة شبه كاملة لاصطلاحات اللغة العصبية التقليدية ، وبالذات اللغة القبلية -لاحظوا هنا حديثه عن اللغة القبلية التي لا تعني مفهوم ومعنى اللغة ، بل طبيعة الحياة- إضافة إلى جملة الألفاظ الجارية ذات العلاقة بالفضاء القبلي .وبالطبع أين مني اللوحة الكاملة أو شبه الكاملة أو حتى شبه شبه الكاملة؟! -إلى أن يقول ومع ذلك- أقدمت" (1/ص 19)، وكأن الباحث يقول لقد تجرأت وغامرت على ما ترون .. وهنا أشد على يراعه المضيء وعقله المنير لا قول له إنه الأقدام المعرفي والعقلي النبيل والجميل الذي يقتحم الطرق غير المعتادة وغير السالكة، في القراءة والكتابة.

 وقيمة هذا الجهد الرائع تكمن في ثلاثة أمور: أولاً: الدور الريادي للقاموس في مجال بحثه –يمنيا على الاقل- الذي لم يسبقه  إليه أحد، والثاني أنه جهد ذاتي فردي خالص من الألف إلى الياء، والأمر الثالث: هو في إقدامه وجسارته التي تصل حد المغامرة المحببة والمطلوبة والذي يستحق منا عليها جزيل الشكر وعظيم  الثناء، والتكريم.

وختاماً لهذه التحية التي لا تفي الباحث والكتاب ما يستحقانه من القراءة  والتكريم، لا يسعني سوى تقديم جزيل الشكر للمعهد الامريكي على مبادرته في طبع هذا العمل الجميل، وللعزيزة الدكتورة/سلوى دماج مديرة المعهد الامريكي كل التحية والتقدير .