اليمن وبنوية الثقافات الصراعية: المكون التاريخي.
قبل 1 شهر, 23 ساعة

بداية أود من هذه الدراسات أن تقدم لصناع القرار السياسي في اليمن لتأصيل فكرة بناء القرارات والخطابات بناء على هذه الطبائع المجتمعية، مع لفت الانتباه أن قرارت العالم المتقدم تبنى على مثل هذه الدراسات.

تتداخل الثقافات الصراعية في دولة اليمن السعيد بين ثلاث نماذج تكوينية شكلت العقل اليمني الصراعي في جينيولوجيا التاريخ القديم منذ دخول اليهودية وهي اليهودية الثانية القائمة على التفسيرات التلمودية في العصر الحميري المتأخر الذي انهارت دولته نتيجة للصراع مع أبرهة الحبشي

وهي الديانة التي حملت معها ثقافة حلت محل الثقافات التوحيدية المحلية أو الديانات الشركية أو المسيحية الأرثوذكسية وقد مثلت حينها ديانة الأغلبية لموافقتها الخصائص النفسية للشعب اليمني وخصوصا المناطق البدوية  والحضرية البحتة، وانتشرت بعدها إلى المناطق الجبلية والهضاب الوسطى، وصاحب حينها  ظهور مرجعية الحكيم  التي كانت من ألقاب اليهود الدينية التلمودية وهو ثاني الألقاب اليهودية بعد مرتبة الرب، وقد كانت الحكامة اليمانية حينها بصفتهم أهل كتاب مرجعا للقبائل العربية بما فيها قريش بل واشهر حينها من حكمة اليهود في يثرب.

بدأ عصر الثقافة اليهودية بصبغتها الفلسفية الصراعية في الفترة الممتدة بين القرنين الثاني والسادس الميلاديين في اليمن بعد أن تشكل مصطلح اليهودية في القرن الأول الميلادي كانعكاس للصراع بين الثقافة اليونانية – الرومانية من جهة والإسرائيلين من جهة أخرى ويمكن العودة إلى مؤلفات المؤرخ العسكري اليهودي الديانة والعرق، الروماني الوطن والانتماء يوسف بن ماتتيياهو.

وبالنظر إلى بنيوية الصراع قبل هذا التاريخ فيرجع إلى الطبيعة الوثنية في المملكة السبئية التي انحرفت عن نظام الكهانة والمعبد إلى تمجيد مظاهر القوة وعبادة الظواهر الطبيعية، وهي العبادات الوثنية التي شكلت مناهج الفلسفة اليونانية خلال القرن الرابع قبل الميلاد ومن قبلها تشكلت فلسفة الحكماء السبعة في آسيا الوسطى وغالبيتهم أسيويين.

حيث يوجد ارتباط بين تأليه الشمس في فلسفة الحكماء السبعة والسبئية أو فلسفة البناء والتنمية كانعكاس للحكمة اليمانية القديمة في بناء السدود والصراع مع الأرض القاسية التي تحولت إلى جنان تنموية تعكس قوة المورد البشري اليمني وحنكته في التعاطي مع البيئة ورغبته الملحة في تشييد الأبنية والحضارات وقد ورد أن قصر غمدان كان معبدا يحج إليه إشارة إلى تعظيم اليمنيين للفن المعماري والحضارة التي شكلت معتقدات الأيدولوجيات التاريخية أو القومية؛ كتعظيم اليونانيين لمدينتهم وتأليههم لها والتي ترتب عليها العقيدة الإنسانية العالمية.

وهو ما دفعني لانتهاج اقترابات منهجية أومقاربة بنوية مقارنة لتحليل الثقافات والمظاهر والمدونات المتشابهة وتفكيكها وقراءتها قراءة موسوعية وتجريبية، وقد لفت انتباهي المؤرخ المسعودي في كتابه مروج الذهب إلى إثارة إشكالية العلاقة البولوجية بين اليونان والبربر والسبئية.

كما أن الطبيعة النفسية لبربر المغرب والمظاهر الحضارية خصوصا في منطقة تشلحت الجنوب فتح المجال لإثارة العديد من الإشكاليات المبهمة التي ينبغي أن تكون محل الدراسات الاجتماعية والبيولوجية والجنيولوجية لتفسير العلاقة الرابطة من منظور بيولوجي بين العنصر السبأي وبرابرة المغرب العربي ذو الهيئات الشلحية دون غيرهم كونها؛ أحد الظواهر البيولوجية التي يمكن ملاحظتها بالعين المجردة، ولا سيما وأن هذه العرقية ظلت عبر تاريخها محافظة على أصولها وترفض الاندماج مع الآخر بينما كانت في الوقت ذاته جزء من المكون الاجتماعي المتعايش مع غيرها إضافة إلى أنها لم تكن منطقة احتكاك مع العالم الغربي قديما وحديثا، بينما هناك رؤية أخرى للعنصر البربري في المناطق الشمالية حيث أن تركيباتهم النفسية تختلف عن العنصر الشلحي وكذلك هيئتهم الجسمية، وبنفس الوقت تختلف في مناطق الشمال الطبائع النفسية بين الحصيمي والناظوري كما يختلفوا جميعا عن أمازيغ الأطلس تمازيغت.

ونرى أن هناك تقاربا في بعض الصفات والخصائص النفسية مع الشعب اليمني وعبر مستويات فالتقارب بين جنس تشلحي مع المنطقة الوسطى (تعز أنموذجا)، بينما نجد التقارب بين تمازيغت والمناطق الجنوبية (دن انموذجا)، أما التاريفت فنجد بينهم تقاربا مع المرتفعات الشمالية (صنعاء نموذجا)، حيث يعود بعضها إلى ما قبل الإسلام والبعض الثاني ارتبط مع موجات الفتوحات الإسلامي؛ مع أننا نعي بوجود جينات عرقية داخل المغرب مختلفة من حيث التاريخ أو بعد الإسلام ولكنها أقلية بالنسبة للحجم الطبيعي الأكثر حضورا بالعنصر البربري، ومن جانب آخر حدث تداخلا واندماجا للعناصر البربرية الشمالية والأطلسية مع أجناس أخرى، أما العنصر الصحرواي فهم من العرب بعد الفتح وقد اختلطوا مع الأمازيغ السمر في المناطق الجنوبية.

وتأتي أهمية الربط علميا لمعالجة الاستفهامات المبهمة بين الباحثين والبربر الذين ينقسمون إلى أربع بيولوجيات عرقية مختلفة إضاقة إلى عنصر الموريسكيين والعنصر العربي الجديد والعنصر الافريقي القديم والحديث في المنطقة، وهو ما يدعونا للبحث عن هذه القضية التي أصبحت ذات أبعاد سياسية، حيث نرى أن جماعات من الأقلية الصغيرة جدا وهي التي تملتك الثقافة العلمية وتتبنى المنهجية الغربية تؤصل لبناء ثقافات عرقية مناهضة للعربية بناء على تكهنات مدونة في الكتب الغربية التي تروج لثقافة الإستلحاق والتبعية وإن كانت بدرجة دنيا.

خصوصا وأن بعض البرابرة في معسكرات تدريبية تتلقى الدعم الاسرائيلي كغيرها من الأقليات لإثنية في منطقة الشرق الأوسط وبالمثل ارتباط العناصر الطائفية والعرقية والأيدلوجية داخل الدول العربية بمعسكرات التدريب الإسرائيلي وهناك علاقات أخرى تؤسس لفكرة الاستلحاق الأداتي تابعة لإسرائيل في جغرافية ارتيريا وأثيوبيا وأوغندا ودول أفريقيا السوداء تهندس لهذه الجماعات طرقها ووسائلها (ليس هذا موضوعنا).

ترتبط الثيوقراطية الدينية التأملية والعسكرية والقانونية في منطقة الشام والعراق وتمتد في بعض الروايات إلى فارس حيث يتقدم العرق الفارسي في الدرجة بعد الجنس الإسرائيلي الأصل وليس إسرائيلية الجنس الأشقر أو الجنس السفارديم الذي يغلب عليها مظاهر العرقية التركية أو أتراك دولة الخزر المشهورة بمحطة الترانزيت وقاعدتها العسكرية بين دول أسيا.

وقد صاحب تحول المجتمع اليمني في التاريخ القديم من الكهانة والتقاليد المحرفة عن النبوات القديمة (هود عليه السلام انموذجا)، الذي كان في منطقة شبوة عاصمة حضرموت موطن حضارة عاد المتوحشة (العرب العاربة) تمييز لهم عن العرب المستعربة من قحطان وعدنان.

-تطلق كلمة العرب المستعربة على الجنس العربي الذي ولد في دار عربية من أبوين عربا عرقا، أعجميين دارا ولسانا ولهذا سميت العرب المستعربة، وينتهي المصطلح بمرور ثلاثة أجيال حيث يصبح المستعرب من هذا النوع بعد ثلاثة أجيال عربيا عرقا ولسان ودارا – (لنا في هذا رؤية منهجية تجربية).

تأسست العادات اليمنية المعاصرة على ثقافة الدولة السبئية الوثنية والتي امتد تأثيرها الثقافي جغرافيا بعد تحولها عن نظام الكهانة ذو الصبغة القضائية التي كانت مع قحطان الأول وريث النبوة إلى فكرة النظام الملكي بصبغتيه الأبوية والدينية وامتد تأثيرها عالميا باعتبارها من الحضارات التي شاركت تأسيس الثقافات العالمية قديما وما يزال تأثيرها موجودا.

وبهذا التحول شكلت الدولة السبئية أول نظام ثيوقراطي أخضع الدين للسلطة السياسية ليكون الملك سيف الله على الأعداء وعدله على الرعية والأبناء، وصاحب ذلك تغيير المكان (دار التحول) تتشابه في صفاتها الرئيسية مع (دار الهجرة للنبوة المحورية أو المركزية).

ويدخل انتقال العاصمة السبئية من من صرواح مقر الإله المقه وبيت الكهانة إلى مأرب الملكية الثيوقراطية بقيادة كربئيل وتر الملك بدار التحول والذي تأصلت فيها ثقافة الوحشية الحضارية والإبادة الجماعية وثقافة الاستيطان  في أول عملياته الحربية ضد مملكة أوسان المستقرة في محافظة عدن أبين وبيحان والتي منها جاءت قبيلة الأوس في يثرب، وتشير استراتيجية التحول الثقافي إلى ضرورة  الانتقال الرمزي للمكان  الذي يرتبط بأهمية تاريخية أو يكون مناسبا جينيا لاستقبال قيم ثقافية جديدة تتناسب مع طبيعة البيئة الحاضنة لا سيما أن العقل السياسي في العصور القديمة أكثر ذكاء وحنكة من العقليات السياسية المعاصرة في العالم والتي تتأطر ضمن تلك التعاليم السياسية القديمة مع استبعادنا للعقلية السياسية العربية التي لا تدخل ضمن التوصيف حتى نجعلها في التصنيف.

وقديما تنمطت دولة اليمن القديم بالنظم الفيدرالية بسبب طبيعتها الجغرافية المحصنة فأكسبتها صبغة عسكرية برية، وارتبط السواحل بالتجارة فأصبحت ذات صبغة تجارية إلا أن الجغرافية الجبلية كانت تهدد الهضاب المستوية والساحلية، ولهذا كان من المحال توحيدها إلا بالقوة الصلبة، واتسمت الثقافة اليمنية بثقافة الإذلال والرعب حتى تسكن شياطين التمرد الجهوية والجغرافية ويشهد على ذلك (حادثة الأخدود قديما، وممارسة الدولة الرعينية)، كما أن الثقافة اليمنية من الثقافات التي تستخدم القوة الصلبة.

من طبائع الشخصية اليمنية المشقة والمعاناة وهي نفس الطبيعة الهندية التي تختلق لذة المعاناة، وهي نفس الثقافة اليهودية، مع فارق بينهما، أن ثقافة اليمني ثقافة استعلائية صدامية (الواجهة) بينما ثقافة اليهودي ثقافة سياسية صدامية (الصراع بالآخر).

تتسم الطبيعة اليمنية بالاغتراب النفسي والوجداني والمغامرة الفروسية وثقافة التمزق والانقسام “ربنا باعد بين أسفارنا” هذه الثقافة الجماعية هي الروح السائدة في الثقافة المجتمعية، وظلما اختياريا “، وظلموا أنفسهم وجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق” وليس اضطراريا؛ أي أنهم طلبوا استبدال النعيم بالشر، والتماسك بالشتات والوحدة بالتمزق وحل حكم الله بالاختيار وليس حكما الاضطرار (الاضطرار هو العقاب الذي حل بالعرب البائدة).

ونقارب هذه النفسية بالنفسية الاسرائيلية الذي اختاروا مشقة الكسب والمعاناة والجهد على نعيم المائدة والطعام “” أدعوا لنا ربك يخرج لنا مما تخرج الأرض من …. ” والأطعمة التي اختاروها من الأطعمة الرديئة التي لا يأكلها الأنبياء” فكان الجواب بالطلب حكما مبني على الاختيار “قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي…”

وبينهما ثقافة الترف الحضاري لجنس آخر من بني إسرائيل “أنزل علينا مائدة من السماء” وتعمد المناهج الحسية والأدلة التجريبية ويغلب عليها الطابع الوثني الذي ارتبط بثقافتين أحدهما يونانية فلسفية، والثانية رومانية وثنية إلا أنها بهذا التمازج من أقدم حضارات التاريخ.

هذه الثقافة التي أشار إليها القرآن في حديثه عن مملكة سبأ تتقارب بالطبيعة الإسرائيلية يمكن أن تكون مدخلا علميا لدراسات المجتمعات المعاصرة، بمدخل النموذج لدراسة المتغيرات والتنبؤ بتحولات المستقبل بناء على تأصيل جديد يسهم في دراسة الطبائع المجتمعية ويبنى على إشكالية آية اجتماعية “ضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة …. فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون” وعبر منهجي الاستقراء النظري والاستقراء التجريبي نؤصل لمدخل منهجي جديد ونظريات علمية مقاربة، والثانية إشكالية آية سياسية “ألم تر إلى الذين بدلو نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار” للحصول على نظرية سياسية مستقبلية ومن خلالهما نؤسس لمعايير منهجية تقارب بين طبائع السلطة، وطبيعة المجتمعات من أجل البناء.

وما يشير لهذه الطبيعة النفسية اليمنية أنها وعبر التاريخ اليمني وأخص تاريخيتها الإسلامية لم تؤسس حضارة وحاضرة مؤثرة عالميا أو إقليميا بل كانت عبارة جيتيوهات اليهود المعزولة عن محيطها والعالم، ويرجع ذلك إلى:

تغليب ثقافة العسكرة أولا، وهو مفهوم يعبر عن ثقافة تبعية جمعوية من رجال وخيل وكلاب ومن صفاتها التراكب والتتابع والظلمة، بمعني التقلب بين رذيلة الفوضى وفضيلة الاستقرار (لدينا بحث في طور الإنجاز تأصيلي لهذه الثقافة).

يقول ابن الأعرابي: قد وردت خيل بني العجاج     كأنها عسكر ليل داج

وتتوزع ثقافة العسكرة داخل الدولة إلى عسكرة العساس وهي من الثقافة اللصوصية. وعسكرة المكاس وهي من الثقافة القطاعية، وكانت تصنف بالطبقات الدنيا أو الطبقات المنبوذة (طبقة الصعاليك، طبقة الخوارج)، وعسكرة الأعراب (البدو والبربر) وتتنمط الثقافة بثقافتي النهب والتسلط والتوحش والخراب وبهم انهارت دولا تاريخية مشهورة منها نهاية دولة الأندلس في العصر الإسلامي والهكسوس في مصر، ودولتي أورشليم ويهوذا في الشام.

وعسكرة العبيد وهي أدنى أنوع الثقافات الانحطاطية (ثقافة المماليك، والدولة الفاطمية، وعسكرة بني العباس في العصر المتأخر، وعسكرة بني أمية في عصورها المتأخرة) وهذه الثقافة من الدلالات على نهاية النظام السياسي وبروز ثقافة الفوضى المجتمعية.

وقد كانت هذه الثقافات سائدة في غرب أوروبا خلال القرون الوسطى وعندما استثمرتها الدولة البيزنطية في الصراع مع العالم الإسلامي سقطة حضارة بيزنطة وانتشرت ثقافة التوحش الغربي وهو ما عبر عنه المثل الغربي “إذا سقط المرؤ خلقيا أصبحا شرطيا” وعبرت عنها النبوة بالمفسدة “لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له فيه”.

ولا يعني أن هذه الطبقة المحتقرة ليست من جنس البشر بل لأن طبيعتها انقلبت عن فطرتها ولم تصقل بقيم المؤانسة ووسائل التعليم فأصبحت مستكلبة في الممارسة والتفكير، وقد جعلها الفلاسفة اليونان في الطبقة الرابعة إذا انتظمت بناظم السلطة. أما ثقافة الجندية (الفروسية) فهي ثقافة تنموية وثقافة أمنية تؤسس لحماية المدن والمجتمعات وتتشكل ذاتيا ووظيفة اختيارية وقد كانوا غطاريف دولة بني أمية الثانية، قبل أن تتحول إلى ثقافة العسكرة ونهاية الدولة مع دخول الثقافة العامرية للسلطة والتي مهدت لها عسكرة العبيد.

وتتربع الجندية في الدرجة الثانية أو الطبقة الثانية بعد طبقات الكهانة والسلطة السياسية وتسمى (الفروسية) وهو مصطلح برز فيه عنترة بن شداد وعمرو بن معد كرب المذحجي  ومن قريش خالد وعلي وحمزة وطلحة والزبير، والقعقاع من بني تميم، وكانت من ثقافات اليونان التي قاربها تيودور الصقلي مع العرب، واشتهرت هذه الثقافة في الحضارة الرومانية، وبها تشكلت طبقة النبلاء في بيزنطة برزت معادنا خلال احتكاكها بالعالم الإسلامي بينما كانت أوروبا تؤسس لثقافة العسكر من الفلاحيين واللصوص والرعاة  والتي قامت عليها حضارات الاستعمار المتوحشة. وقد عرفت ثقافة الفارس العربي في معركة ذي قار مع الفرس.

وفي الإسلام تمنى رستم لو يتبادل مواقع القيادة مع سعد بن أبي وقاص لينال شرف التاريخ والنصر وثقافة الفارس.

ولهذا لم تظهر ثقافة الفارس لدى الفرس والغالب فيها ثقافة العسكر أو ثقافة الخيل، وبالمثل حاول الفرنجة أن يقمصوا ثقافة الفارس بعد تخريبهم لحاضرة بيزنطة الحضارية المكافئة للعرب، وينتشر فيها ثقافة الفرس بتسميات “شوفالييه”.

وهاك ثقافة الأخيلة حيث تعلق اللص والفارس بالخيول العربية الأصيلة فتعلق الثاني تعنى الشجاعة “يا خيل .. اركبي” وتعلق الثاني بثقافة الخيلاء. ولهذا كانت ثقافة العسكر تتسم بصفة التصلب والخيلاء داخل المجتمعات لأن الاستقواء على الضعفاء والعزلة من صفات الرقيق الذين يتكادمون تكادم الحمير وتنهار بهم الحضارات المدنية.

وقد أشار النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليها أنها مشية بغيضة واستثنى أبو دجانة وهو يتبختر في أحد المعارك وجعلها من الثقافات المحمودة إذا ارتبطت بثقافة الجندي الشريف تميزا عن ثقافة العسكري البليد

إلا في جوانب أخرى من بروز الثقافات السلمية في مملكة أوسان التي تناهض الثقافة العسكرية وتحولها الى ثقافة تنموية يرجع ذلك إلى كونها دولة في أحد أطرافها ساحلية استطاعت أن تؤسس لثقافة المواطنة مع التمييز المنتظم تمييزا عن ثقافة المواطنة الاندماجية المشهورة في مناطق الحضر الأوربية المعاصرة، وقد كرست جهودها على تنمية الثقافة السلمية والتنمية والتجارة ولكن تغيرت الثقافة بثقافة الغالب بعد اجتياح المملكة السبيئة وتدميرها وممارسة ثقافة التوحش الحضاري وسياسة الأرض المحروقة أو سياسة التقفير.

وقد هاجر من نجا من سكانها إلى الحبشة ومناطق الشام وشمال الجزيرة، وعلى إثرها توسعت ثقافة الثأر والإبادة لتشمل أغلب مناطق اليمن وأصبحت من النماذج المحلية والقبلية وثقافة اجتماعية سائدة وأصبحت محل الجفنة الدموية أو يمين التحريم.

تطبع الأوس في يثرب بهذه الثقافة المتوحشة ونمط الثقافة العسكرية والدموية السبئية وعنهم ورد القول “نحن أبناء الحلقة ورثناها كابرا عن كابر” واستقاها منهم يهود بني قينقاع ” لإن قاتلنا ليعلم أننا نحن الناس” ومقولة أبي جهل “حتى يسمع بنا العرب فلا يزالون يهابوننا”

تعتبر هذا المستندات التاريخية  التي ورد في السير وخصوصا سيرة ابن هشام من أهم المقولات الحجية التي تعكس طبيعة الثقافة الصراعية العسكرية العربية عموما و اليمنية  خصوصا وهي التي تفسر واقع المجتمعات المعاصر وهي من الثقافات الطبيعية والشركية الموروثة عن ألوهية الكواكب والظواهر القوى الطبيعية ورموزها الصنمية التي أسست لثقافتين ألوهية الأرض وألوهية السماء وهي الثقافة الأسيوية المشهورة في الديانة الشنتوية اليابانية التي جعلت من الإمبراطور إلها في الأرض نائبا للإله السماوي أو الطاوية الصينية التي أخذت بمبدأ الثقافة المزدوجة بين الأرض والسماء أو الطبيعة والشمس كالثقافة السبئية القديمة المشهورة بالقرآن حيث شكل هذا المعتقد التأليهي الطبيعي الطبائع العسكرية أو ثقافة الإبادة “نحن أولوا قوة”؛ الثقافة المتوحشة التي لطفتها المرأة  رمز التنمية السلمية والثقافة السلمية ” إن الملوك إذا دخول قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون” هذه الإشارة منها تحكي أو تصف واقع السبئية القديمة في عهد كربئيل وتر الذي قدم أعزة قوم مملكة أوسان قرابين للإله الطبيعي المقه.

يذكر بعض المؤرخين إلى أن دولة معين أقدم حضارة في تاريخ الجزيرة العربية ويمتد تاريخها إلى القرن الثلاثين قبل الميلاد وهو تاريخ العصر الببرنزوي المشهور في بلاد الرافدين وآسيا الوسطى والبعض يرده إلى العشرين غير أن البعض يرون أنها نشأة في القرن العاشر مرافقة لكربئيل وتر وكانت ذات سلطة إدارية كهنوتية ثم تحولت إلى الملكية.

 

سبق في اليمن حكم المكاربة أو الكهانة نظام الملكية حضارة سبأ هي الأقدم من حيث النشأة بناء على ما ورد في الكتب المقدسة وإشارات القرآن الكريم، وأن إثبات تاريخية معين قرينة منهجية لإثبات أقدمية سبأ.

ومن حيث المقاربة اللغوية فإن يدعئيل وكربئيل من الأسماء السبئية التي تأخذ نفس القافية للأسماء العبرية مثل إسرائيل وصموئيل ويوئيل  يائير، ويحزائيل وهو يدعونا بهذا التشابه أن السامية نشأت في اليمن خلال هذه الفترة وبفعل امتداد مملكة سبأ الى الشام كان في الشام عند المؤرخين على أرب بابل قرية سبئية ويسمون بدو سبأ مما يدعونا إل طرح هذا القول كإشكالية حتى يظهر خلاف ذلك ونطرح الفرضية الأولى أن إسرائيل نبي الله من السبئيتين البدو وأن النهايات “ئيل” ألقاب دينية وهو المشهور عند العرب ويمكن الإشارة إلى اختلاف الأسماء بين السبئية بسبب انحسار الثقافة السبأية عن الشام مع الإشارة إلى مقاربة اسم لوط بالأسماء العربية ومقاربة اسم “يهرعش وأبيشع من أسماء حضرموت بأسماء يوشع ويشوع وهوشع،

وإذا اضفنا الأسماء مع تداخل التاريخ الجغرافي والديني والسياسي لحضارة معين حيث وردت أسماء معينية “يشع ايل صدق، يشع ايل ريم، ايل يشور، ريام، إضافة إلى أن حسحسة من ملوك المعينين في القرن الثالث قبل الميلاد يهوديا وقبره في شبوة

أما معبودات حضارة بابل وآشور واليونان ومصر فهي من المعبودات القديمة الموجودة في اليمن. وتاريخ الأسبقية مع ظهور الكثير من معالم وآثار الحضارة البابلية والفرعونية وغياب آثار الحضارات اليمنية فيرجع إلى حضور ثقافة الحضارة المتوحشة في اليمن وغيابها عن بقية مناطق العالم لأسباب متعلقة بالاختلاط وقبول الثقافات الأخرى والاندماج مع الآخر.

وغالبا ما كانت الثقافة السامية بصبغتها النبوية هي المؤثرة على ثقافة الهكسوس البدو من أصول أسيوية وكذلك على الديانات الفارسية والهندية إلا أن هذه الحضارات القديمة قد زاوجت بين الدين والفلسفة.

إضافة إلى أن لغة المسند في أصح الروايات بكتابتها من اليمين بالفرد إلى الشمال والكتابات الشفعية من الشمال الى اليمين وأنها أصل للغات السامية والهيروغليفية وبمعنى أنها أقدم لغة في العالم ولا يثبت ذلك إلا إذا قلنا أن الكتابة من مظاهر الحضارة مما يعني أقدمية الحضارة السبئية المفقودة، ولما ورد في التوراة باعتباره تاريخا في أحد جوانبه أو تفسيرا لنصوصه المحكم منه والمتشابه أن ملكة سبأ تمتد إلى مصر والحبشة مما يعني أن مملكة سبأ سيطرت على أفريقيا كلها وسنشير إلى ذلك بالهجرات البربرية إلى المغرب والتقارب البيولوجي والحضاري بين اليمانية و بربر صنهاجة مستبعدين بربر كتامة أو لنا نظر في تحديد أصول البرابرة بين تاريفييت وتمازييغت وتشليحيت .

ومع أن الأصل البنوي للسبئيتين واحد إلا أن هناك تباين بين عن سبئية الحضارة المتوحشة، وسبئية البدو المعتزلة وبهذا التاريخ المفارق للوحدة في السيرورة الزمنية يدفعنا لقراءة الطبائع من مدخل الصيرورة المكانية، والحركة العكسية.

يشار إلى وجود هدايا أو تجارة بين سبأ ومصر في عهد سرجون في القرن الخامس عشر قبل الميلاد وهذا التاريخ التجاري لا يمكن البناء عليه إلا بقرائن بيولوجية وأخرى سياسية ومن ثم نفترض أن الفراعنة أيضا من قبائل سبئية انفصلت عن مملكة سبأ على غرار ممالك الشام أو من الجنس السبأي الذي كان في منطقة الشام أو من المعينين إذا  اتبعنا قول المؤرخين بأقدميتها على مملكة سبأ وارتباط بابل القديمة موطن قحطان من الجيل الرابع أو الخامس وقيل السادس بسكناه منطقة بابل ثم عودته إلى اليمن من جديد بعد هلاك قوم عاد وهي هجرة المعاد الأولى أو المعاد المقدس حيث كانت اليمن موطن أول النبوة الأولى في التاريخ القديم وفيها نبي الله هود نبي العرب العاربة أو البائدة وفيها مدينة سام للدلالة على أن العربية الأصل المرجعي للغات ولكنها تطورت في أحد شقيها بينما اكتمل بالوحي في شقها الثاني.

وبذلك يتميز قحطان القديم الذي سكن اليمن عن قرية القحط أو القحطانية في شمال الجزيرة العربية وهو من العرب المستعربة  ويمكن أن تكون القحطانية جنس عربي منفصل عن جنس السبئية كجنس العبريين المنفصل عن اليهودية ، وقد تشكلت  فوارق إثنية منفصلة عن الأصل العام للقلعة السامية أرضا أو البيولوجي عرقا أو اللغة رمزا ، ويلحق بها قبائل غسان العربية المفارقة عن الأصليين السابقين ( وسنتحدث عن الهجرة الثانية للعرب المستعربة في محور كتاباتنا القادمة عن  منطقة شمال الجزيرة العربية بما يعرف حاليا بالمملكة العربية السعودية).

وتتقارب الثقافة البابلية الأولى بالثقافة السبئية فالأولى كانت موطن تمزيق المفاهيم وتصارعها ونشأت معها الثقافات العقائدية والهويات العرقية المتعددة كما ورد في التوراة ” وبلبل الله ألسنة القوم” فصارت موطنا للصراع العقائدي ويؤيد هذا القول تاريخ العراق باعتباره أول منابت العقائد المختلفة والمصارعة كالمندائية والصابئة واليهودية والمسيحية ثم اليزيدية والتشيع والخوارج والرافضية واليزيدية من الثقافات الإسلامية وغيرها من المعتقدات التي بلبل الله مفاهيمها وصار نظم هذه المفاهيم في قوانين سلمية أو ثقافية من المحال لهذا لم تستقر العراق إلا بالقوة الصلبة مع زياد بن أبيه ثم الحجاج بن يوسف وأخيرا صدام حسين (سنتناول العراق في المحور الثالث من مقالاتنا بعد مقالاتنا عن شبه الجزيرة العربية).

لذلك ربطنا الثقافة الصراعية بين العراق واليمن حيث أن كليهما ينقادن للسياسة الصلبة وقد تفطن الحجاج بن يوسف لهذه الطبائع المتشابة وكان عالما بالتاريخ الصراعي القديم فطنا بتاريخ الأنساب عالما بالطبائع النفسية فأرسل أخاه محمد بن يوسف الثقفي حاكما لليمن ولم يكن بأقل منه في البطش إن لم يكن فوقه وأكثر منه ويرجع شهرة الحجاج إلى أن العراق كانت مليئة حينها بالثقافات المتعددة وخصوصا الثقافة الفارسية.

كل الحوادث التاريخية وفق منهجيتنا الجديدة تؤكد على أقدمية اليمن وهو ما يعني أن اليمن هي موطن الجنس السامي وأول حضارة عالمية اندثرت معالمها ربما نتيجة لوحشيتها في تغيير معالم التاريخ وإلغاء رمزية الأخر ولإفراطها في الثقافة الذاتية أو المغالية بالذات حتى التأليه أو القداسة، كالثقافة اليهودية تماما التي بالغت في الثقافة الحلولية التي تنقسم الى حلولية عرقية حل فيه الإله يهوه في الشعب وشكل اسطورية العرق المقدس، أو حلولية المكان وأن الإله يهوة حل في الأرض المقدسة وخارطتها الجغرافية السياسية التي تدون على أنها مقدسة وبذلك تكون فكرة العرق المقدس اليهودي الذي أصبح ملهما للعديد من الثقافات القومية العرقية المحطة الثانية بعد المحطة السبئية الأولى وثيوقراطية الكهانة.

ولهذا اكتسبت الثقافة اليهودية وأيضا البروتستانتية والانجليكية ثقافة الإبادة الحضارية بالإشارة إلى محاولا عدد من ملوكها هدم الكعبة من قبل ابرهة الحبشي الأكسومي الذي يحمل جينات سبأية باعتبار أكسوم من الحضارات السبيئة المختلطة مع الجنس الأفريقي و. ومن ثم فإن اليهودية في اعتقادي وهو الراجح عندي من بدو السبئية القدامى ومن المهاجرين الأوائل الى بلاد الشام وقد تكون السبئية الأولى اكتسب هذه الثقافة اليهودية من جنس اليهود وهذا القول الذي تبناه  بعض المؤرخين ضعيف جدا لأن الاستدلال بعلم الآثار فقط ناقص لكونه مبهما ولم يكتشف كله وتتعدد القراءة وتختلف نماذج التفسير وبين هاتين

السبئيتين –اليهودية البدوية والسبئية اليمنية المتوحشة تباين الطبائع كنوع من قياس تأثير المكان والطبيعة الاقتصادية والبيئة المكانية على الطبيعتين.

وسنلتقي في المقال الثاني لتفسير الثقافة المتوحشة ومقاربتها بالثقافة العسكرية المذحجية –قبائل مذحج-مع مقاربة جزئية لثقافة التبعية السائدة في همدان والثقافة الجدلية لقبائل حمير حيث سيكون لقبائل همدان وكذلك حمير مقالات أخرى نوضح فيها كيف افترقت الطبائع عن الأصل المشترك وما سبب هذا الاختلاف والتميز بين الثقافات الثلاثية في اليمن المعاصر وكيف يمكن تفسير طبيعة التداخل بين هذه الثقافات. وبذلك نرجو أن تكون قد وفقنا لتأصيل ثقافة التداخل الإسرائيلي في العصر السبئي ولدينا مقاربة بين اليهودية وعصر التتابعة في الحلقة القادمة مع الإشارة إلى مذحج الطبيعة العسكرية والثقافة الوحشية.

وقولي بأن التغليب منهجا ولا يعني أن الجنس على نفس الثقافة مما يعني أن لكل قاعدة استثناء والقاعدة تبنى بالتغليب وتدعم الحكم ولا تكون جزء منه وقد ظهر من مذحج فارس العرب المشهور عمرو ومنهم عمار ابن ياسر العنسي والاستثناء لا يعني نفي الصفة المجتمعية وإن شذ عنها الفئات منها.

* رئيس مركز الإصباح للتعليم والدراسات الحضارية والاستراتيجية