الثقافة الصراعية: رؤية منهجية في توصيف الطبائع الاجتماعية
قبل 2 شهر, 8 يوم

تواصل معنا الكثير من الأكاديميين بين مروجِ وكاسد وبين مستزيدِ ورافض، وبين منتقدِ وناقد للمقال السابق حول (الثقافة الصراعية) فأردت أن أضع تصورا منهجيا للتمييز بين الثنوية السابقة والقاعدة المنهجية. (الثنيوية، مصطلحي أصولي يؤصل لفلسفة التناقضات المفارقة).

يصنف القارئ بين نمطين:

نمط المغالبة بالنفس والوهم.

نمط المعالجة بالعقل والفهم.

وهذه من المفارقات التعليمية في الواقع العربي بنمطيه التقليدي المنقرض، أو الحضري المضطرب، وبينهما أنماط أخرى ناقصة السياق أو غائبة المساق.

وبناء على هذه التكوينات النفسية تتشكل نفسيات القارئ المثقف والقارئ الملقف. وبين القارئ الناهج والقارئ المقلد؛ فالأول يتأطر على فلسفة العي والجهل، بينما يبنى الثاني على أصولية الوعي والفهم، وبينهما متكون اللاوعي وهو أول مراحل الأساس في التعليم والقالب الأول في تشكيل النفس.

واللاوعي هو بداية نظم التعليم الأُول، والأساس الطبيعي لتشكيل النفسية وبناء الشخصية.

وقد أدركته قرى الجاهلية وحددته بالسنوات الأربع الأولى وحددت هذا المتكون بيئيا بالبادية التي كانت أول خرائط الجغرافيا الذهنية لصناعة الأنبياء.

وكأنني إذا أبرزت قيم البادية للتعليم ستشرئب أعناق البدوي تطاولا أن وجد له موقعا في سلم التكوين المعرفي، وهنا تأتي منهجية القصف النقدي في شروطها الاعتبارية لصفة البادية المحمودة المتمايزة عن البوادي المرذولة، وسنوضح ذلك بمقاربة منهجية عبر اقتراب النموذج، ونبدأ ببادية بني سعد الجاهلية المتزامنة مع حادثة الفيل وهي منشأة النبوية الأولى، أو بادية هذيل العربية المتزامنة مع موت الأمام العربي النعمان وولادة الشافعي القرشي الإمام.

وبين الفضيلتين فضلية الكوفة المدنية (ليست حضارة) ، وهذيل البدوية المجاورة لبادية بني سعد البدوية (وهاتين الباديتين مخضرمة في صفتها التكوينية بين الحل والترحال) فلا يمكن تغليب أحد أطرافها البيئية على الأخرى وبذلك تفارق البوادي المحضة وهذا سر تميزها الأول اقترابها من القرية وهو الذي يبعدها عن البادية في الشق الآخر، والثاني اقترابها من البادية وهو لذي يبعدها عن عن شقها الآخر من القرية فتقول العرب أقر عينك دعاء ويعني الاستقرار والنعيم، وأقر عينك أي أقعدها عن الحركة. والقرار هو الاستقرار ومن ثم نشأ مفهوم القرار ليعبر عن رؤية منهجية سياسية لحفظ الاستقرار (ليس هنا مجال اسهابنا).

ويمكن اعتبار هذه البوادي منقرضة باستثناء بقايا لها من ذكريات في بواطن الكتب بما يعني غياب هذه القيم الجغرافية واندثارها فعلا ما بقاء بعض من صفاتها وتجزئة الصفات بين بقاء بعض وزوال يغلب الجانب السلبي لصفتها، لغياب الناظم الذي يمحورها على مركزية التنظيم.

يرجع أول معالم الصراع الثقافي بين الحضارة والبادية إلى العصر البابلي في العراق المحاط بعناصر اليهود البدوية المحيطين بالحضارة البابلية وكانوا مرتزقة عسكرية لحماية الحضارات، ومن هنا بدأت ثقافة عسكرة العناصر المحيطة بالمناطق الاقتصادية الحضارية كتجنيد الإمبراطورية الرومانية لأعراق الترك والبلغار البدو المحيطين بها من غزوات التويتي والفرنجي وغيرها من العناصر البدوية الأخرى، وتوطين حضارة التبابعة بعض قبائل اليمن البدوية في على طريق التجارة إلى الشام في يثرب.

والفرق بين الحضارة والبادية من الناحية السكانية أن البوادي مجتمعات أبوية ذات مساقات واحدة بينما الحضارات مجتمعات أمومية ذات مساقات متعددة، وهذا المعيار هو الفيصل المحدد بين فكرة النسب (العرق النقي) وثقافة العطب (العرق المختلط) وندعم موقفنا بالإشارة إلى نموذج الديانة اليهودية البيولوجية (وجاء بكم من البدو) وهو الذي أثار الصراع بين بني إسرائيل البدو وبين مجتمعات الفراعنة الحضريين.

وإذا رجعنا إلى التاريخ وعلم الآثار البنوي فإن علماء الآثار والتاريخ يرون أن الفرعونية حضارة بدوية متحضرة (حضارة البنيان) كما أشار الحديث “يتطاولون في البنيان” من قبائل العماليق البدو أو (الهكسوس)، وسياسيا كانت مناطق الشام البدوية جزء من حضارة الفراعنة في عصر يعقوب وبنيه ومنطقة صراع الثقافات والحضارات المتداخلة التي تتساوى فيها عدة حضارات عرقية وثلاث حضارات أصولية (سنأتي لذلك في سلسلة الكتابات القادمة).

نفسيا أو من حيث التكوين النفسي فإن البدوي الذي سكن العراء وذاق لهيبها يسعى لتقييد حريته البدوية بعبودية الاستقرار، ويرى أهمية التحرر من تلك الطبيعة البدوية الجائعة بسباق التحول المادي نحو الحضارة،  وبهذا السباق بنيت التحولات الحضارية بأنماط متعددة شكلت ثقافات نفسية اقتصادية متعددة؛ فمن ثقافة الاستبداد الاقتصادي وتحويل المجتمعات إلى معاول مادية استبدل الاقتصاد الرعوي بالبنيان، ومن  ثقافة الاستبداد السياسي وتحويل المجتمعات إلى أدوات حربية استبدل اقتصاد الاقطاع بالقرصان، ومن ثقافة الاستبداد الثيوقراطي وتحويل المجتمعات إلى ميلشيات إرهابية استبدل اقتصاد الوسيط (البرجوازية) بالاستيطان، ومن ثقافة النظام الأبوي تطور نظام الرعاية إلى العمران.

نقارب النمط الأول بالثقافة الاستهلاكية ونموذج النفط، بينما يتقارب الثاني بالثقافة الاستعمارية ونموذج الغرب. أما الثالث فنقاربه بالثقافة الاستيطانية ونموذج الهندو أوربية (اليهود الغرب، البيض في أفريقيا، البرهمية في الهند) والأخير ونقاربه بثقافتين؛ الثقافة المدنية وتبنى على القيم البيولوجية (اليونان حضارة هود وعاد وفرعون) والثقافة القروية وتبنى على القيم الأصولية (الحضارة الإسرائيلية الأولى، المسيحية ما زالت لديها جذور مفارقة، الإسلام أكثر أنظمة النماذج التاريخية المفارق للواقع المعاصر).

وتحت هذه الأنماط يمكن التمييز بين مناهج الأصوليين أو القارئ المنهجي، وبين وتوليفات المتلقفين أو القارئ الفلسفي.

القارئ المتلقف يؤسس لقاعدة التداول المفاهيمي وثقافة الاستهلاك، والقارئ الفلسفي ويؤسس لقاعدة الصراع والتناقض المفاهيمي ويندرج تحت منظومة العقل الخبري.

والقارئ المنهجي ويؤسس لقواعد المعرفة والنقد الأصولي؛ والقارئ المثقف ويؤسس لقواعد المنطق والنقد العقلاني ، وبين فضيلة المعرفة، ورذيلة اللقافة ، وبين عقلانية  النقد ونفسية الانتقاد تتحدد المعالم المنهجية وقيمها الذاتية.

وحديثنا عن الناهج والمنهج يعني الوقوف على الأدوات المؤدية للوعي والمعرفة وهي المناهج التي تؤصل للقيم الأساسية للنماذج الحضارية

وبهذه المقدمة البسيطة نرجو من القارئ التحصيل قبل التفصيل، والتباصر قبل التواصل.. وليعذرنا كل من خالفنا لكل مدرسة مصطلحاتها ومفاهيمها ومناهجها وبنويتها الخاصة، فالتقاليد المنهجية هي فلسفة سجالية يتبناها المتلقف الأعمى (تلقف ما يأفكون؛ على المستوى المفاهيمي)، (تلقف ما صنعوا على المستوى المنهجي). ونسعى من خلال تأصيلنا لمدخل اللقافة إلى تحديد العلاقة بين الوهم والحقيقة).

أما البناءات المنهجية فهي قواعد علمية يتبناها الناهج والمثقف من مدخل التجديد المنهجي حيث نسعى لإثراء هذه المداخل وتحويلها الى نظريات علمية.

ووفقا لهذه المقاربات فإنها في الأساس لفصل المخضرم بتنقية أحدهما وفصلها عن الأخرى، مع تأكدينا على قاعدة البنوية للفصل الزمني للأنماط بين مقامات التقديم والتأخير. فالبادية وفقا للنظام الأبوي القيمي أسبق من الأنماط المدنية والحضرية والقروية من حيث البنى الفوقية هي الأولى زمنيا وأسبق من حيث التاريخ بإطلاق. وفي المقابل فإن القرية هي أسبق من الناحية الإدارية وهي الأولى في تأسيس البنى التحتية، وهي بذلك الأصل والبادية أحد مذاهبها الجغرافية المنحرفة عنها، وبين هذه المقاربات النمطية تتشكل الطبائع المجتمعية الغالية والصفات النفسية للأفراد.

والقاعدة أن التأثير الجغرافي بتوالي بالقرب، وتأثير الحضارة يكون بالقيم المادية، والمدنية بقيمها الأخلاقية والقرية بقيمها الأصولية.

 وكلما اقتربت الحضارة كمتكون ترفي مرفوض إلى المدنية كمركز جغرافي متوازن، والبادية كنحلة جغرافية  إلى القرية كقطب جغرافي توازنت بين الفضيلة والكمال والعكس بالعكس.

فالبدوي المهمش جغرافيا يبني ثقافته على فلسفة المدينة الألفية كأحد طبائع العقد النفسية المفقودة و الباحثة عن الاستقرار للتخلص من عقوبة  التيهان واغتراب الشتات (فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون)؛ هذا العناء أوجد حالة من التفكير الباحث عن الخلاص (المدينة الألفية)  (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) وهي ثقافة صراعية تؤسس المدينة على الإرهاب والإبادة البيولوجية  ، وفي المقابل فإن الحضري المترف يبحث عن لذة التمزق والشتات (ربنا باعد بين أسفارنا) وبين هاتين النفسيتين المتناقضتين تشكلت الثقافة الصراعية (غلبت علينا شقوتنا) في رحلة البحث عن قانون الغاب والثقافة الوحشية ومن خلال هذا التناقض تشكلت  فلسفة الاغتراب كأهم القواعد التي تتناول عوامل الاستلاب النفسي وتبحث عن الحلول لمعالجة الطبيعة البيولوجية وتدرس أنماط الشخصية.

(وجاء بكم من البدو)، (أدخلوا الأرض المقدسة) الفارق الزمني هو مادة التحولات من الحياة البدوية إلى نظام القرية وانتقال عكسي من ظاهرة العبودية الحضارية الفرعونية إلى نمط وسط بين المدينة والبادية، ومن ثم تشكلت المدنية بأول نظام ملكي (طالوت ملكا) ثم ملكية نبوية وراثية مع داوود النبي عليه السلام، ومن ثمة فهي النموذج في الثقافة الإسرائيلية اليهودية والمسيحية.

وخلال هذه الفترات أو قبلها قطع اليمنيون نظام الملكية والتقارب الجغرافي المنصوص عليها (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا قرى ظاهرة) باتجاه الشتات أو مذاهب الجغرافيا البدوية المحرفة عن أصولها القروية أو الجغرافيا المخضرمة بقولهم (باعد بين أسفارنا) وتقطيع أواصر القربى الجغرافية بخلق مفاهيم الخصوصية التكوينية والشخصية الموبوءة بثقافة الشقة مع أن القاعدة الأصولية تنص على أن المشقة تجلب التيسير.

وبهذه القواعد التفسيرية التي أشرت إليها باقتضاب بنيت منهجي في توصيف الطبائع الاجتماعية والنفسية للإفراد إضافة إلى استقراء الواقع في المعاملات من خلال معايشتي لهذه التكوينات والثقافات، وأؤكد أن رؤيتي تعتمد المنهجية وليس التحامل العنصري،

ومنهجنا يعتمد ربط الطبيعة بتكويناتها ومن ثم فإننا نتعامل مع الجهويات والعرقيات كتكوينات ثقافية تاريخية وليس كحالات عرقية بيولوجية متمايزة، وقولنا الفارسي والرومي والقحطاني والعدناني إنما للإشارة إليها كحالات ثقافية انتظمت فيها جملة من الحوادث والأفكار الناظمة للشخصية الفردية أو الثقافة العامة.

وليست دول اليوم كدول الأمس ولا الأبناء كالأجداد، ولا قيم اليوم كقيم الأمس في ظل هذه النهضة التكنولوجية التواصلية التي خلقت مزيدا من الثقافات الصراعية والعنف والانبعاثات القبلية والبيولوجية.

ولهذا أخص مقالي باليمن كمقدمة لتوصيف بقية الدول العربية من حيث التاريخ والثقافة والحضارة ودوره في تسكين الشخصية العربية وبناء النموذج المعاصر وعلاقة الإنسان بالبيئة والماضي والقيم والثقافات التكوينية والثقافات والقيم الوافدة.

راي اليوم