ليس لأنه ابن باعوم... بل لأنه المناضل بالفطرة
قبل 16 يوم, 3 ساعة

كشمالي، ربما أستطيع أن أقرأ الأحداث وتداعياتها في الجنوب من زاوية مختلفة أو بالأحرى محايدة، وأرسم ملامح الأوضاع وغليان وبرودة الطقس السياسي بكل تجرّد، كما أنه سهلٌ عليَّ أن أُقيّم حالة الفعل الثوري وتعرجاته، ومدى قربه من المصلحة العامة أو ابتعاده عنها بسسب المدّ والجزر الخارجي، وهذا ليس حكراً عليَّ، فبإمكان أي كاتب جنوبي أن يقرأ واقع الشمال بتجرّد أكثر مني، ويصف الشخصيات الشمالية الفاعلة بمنتهى الموضوعية إن أراد مثل ما سأشرع في هذه الحروف بالحديث عن شخصية سياسية وثورية جنوبية يمنية وازنة، ولو أراد الله لها البقاء لكان لها امتداداً عربياً صارخاً.

عُرف المناضل الراحل فواز باعوم منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي، عندما خرج مؤيداً لشعار "إصلاح مسار الوحد" الذي أطلقه المناضل حسن باعوم، وهو بذلك من أوئل القيادات الشبابية الذين تصدروا المظاهرات السلمية في سبيل تحقيق ذلك، وحين تعارضت تلك الأفكار مع النظام السابق، تعرّض فواز للإعتقال لمرّات ومرّات، وحُكم عليه بأحكام قاسية، أبرزها فصله من وظيفته العامة وحرمانه من ممارسة نشاطه المدني والسياسي، وانتقل من معتقل سياسي إلى معتقل آخر سرّي، ما اضطره في نهاية المطاف لتأييد فكرة "فك الإرتباط" أو "الإنفصال"، ليلتحق معه في ذلك الكثير من الشباب الذين تعرضوا للظلم من بعض قوى الأجهزة الأمنية.

مع أحداث الربيع العربي، وتفجّر الأوضاع في صنعاء وعموم المحافظات اليمنية، خرج أنصار فواز في مظاهرات حاشدة أجبرت السلطات على الإفراج عنه بعد تدهور صحته، أتاح له ذلك تكريس جهوده في إطار العمل السياسي المدني، والانتقال من الموجهة الخشنة إلى الناعمة.

عضو المكتب السياسي للمجلس الأعلى للحراك الثوري، ونائب رئيس حراك محافظة حضرموت، اتصف بنكرانه للذات، إذ قلَّ ما تجد له ما يوثّق تاريخه الحافل بالكفاح، لكنه في المقابل عزّز رصيده النضالي في قلوب الجماهير، حيث لا نجد من يعرفه إلا وله في قلبه منزلة لفواز، صحيح أن إرضاء الناس غاية لا تُدرك، لكن الرجل اكتشف بعضاً من ملامحها، فحتى خصومه السياسيين اليوم يُبكونه.

كشمالي، أيضاً، تختلف خياراتي مع فواز من حيث الوحدة أو فك الإرتباط، لكنها تتفق معه جملةً وتفصيلاً في عدّة جوانب؛ أبرزها نفحاته الثورية، وتسامحه مع خصومه، واتساع قلبه لأصدقائه وخصومه على السواء. وكوحدوي لا أنكر تأثري بنداءات فواز ورفاقة المطالبة بالإصلاحات العامة، فلولا الفساد ما وجدت المظالم، ولولا الأخيرة ما صَعّد الحراك من وتيرته.

يغادرنا فواز اليوم وفي لسانه الكثير من الكلام النبيل، وفي قلبه الكثير من العمل الأنبل، تاركاً خلفه تاريخاً زاخراً وزاهراً، ليقتدي به من يرفع شعار مواجهة الظلم، ويقتفي أثره كل ناكر للإستعلاء والإستبداد.

إن ما يجري في اليمن يستدعي منّا أن نستدرك تراث من سبقونا، ونختار الخيرة منهم، بحيث لا نضيّع البوصلة، ونسلّم على غير الضيف، ومثل فواز نموذجاً لاقتفاء الأثر، ليس في الجنوب فحسب، بل في اليمن شمالاً وجنوباً.