هلال رمضان/ أم تبعية ؟
قبل 3 شهر, 11 يوم

 

مفتتح:

إن الرئيس أو القائد العسكري/ السياسي، الذي لا يمتلك بيديه، ولا يضع في بؤرة عقله، قرار الحرب والسلم لا يمكنه أبداً أن يكون سيد قراره، على جميع المستويات، وذلك هو ما يفسر حالة الفوضى والعبث بكل الشأن السياسي، والوطني اليمني من قبل كل الخارج، الذي حضر في وإلى داخلنا، وهيمن وتحكم بقرارنا الداخلي(إيران، السعودية، الإمارات)، تحول معه الداخل الوطني إلى تابع، ولذلك تغيب الدولة، وتتعملق وتزدهر الميليشيات وتطول الحرب.. هل يكفي ذلك كمفتتح؟!

إن مشكلتنا مع هلال رمضان، وعيد الفطر، بدأت مع اتفاقية جدة مارس 1970م، إنها مشكلة/ أزمة التبعية السياسية للخارج (السعودية)، فالهلال مسكين ومظلوم، حتى لو ظهر وتكور في شكل بدر كامل، فإن بصيرة من يقع تحت التبعية لن تراه، كما أن عينيه كليلتان، لا تبصران، إلاَّ بعد أن تعلن عين المتبوع أنها قد رأت الهلال، وهنا تكمن مشكلتنا مع هلال رمضان، ومن هنا الضرورة السياسية والوطنية للتحرر من كل أشكال التبعية التي قادت  علي عبدالله صالح، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، للتنازل عن الأرض اليمنية، وهو أمر فوق حدود صلاحياتهما السياسية، والدستورية، لأن الأرض تعني أحد أهم أركان كيان الدولة، فحتى الشعب كله ليس من حقه ذلك، إلاَّ عبر استفتاء شعبي، وضمن توافق وطني شامل كامل، وتسويات وطنية تاريخية.

نحن بحاجة، لرئيس ، وشعب، وأحزاب، ونخب ثقافية، ومدنية فاعلة ومؤ ثرة،  تدرك معنى السيادة الوطنية، وقيمة ودور القرار السياسي، والوطني ، وكيف نكون بالفعل أسياد على قرارنا السياسي والوطني، وبعدها سنعرف وقبل شهر متى أخر يوم من رمضان، ومتى يكون أول أيام عيد الفطر، ولا نحتاج إلى لجنة أهله ، ولا إلى فتوى فقط إلى عالم فلكي، ومرصد علمي فلكي، ونقطة على السطر.      

إن المشكلة لم تكن يوماً في هلال رمضان، القضية في الأمس واليوم وغداً قضية سياسية ووطنية، واليوم هي مع حالة الضعف في البنية السياسية والوطنية لنا، هي مشكلة وقضية أصعب وأعقد، لأننا وصلنا إلى حالة من فقدان للإرادة الوطنية الجامعة، لأن المكونات الدستورية، والسياسية اليمنية تعيش ذروة أزماتها البنيوية، من الشرعية، إلى الحوثيين "أنصار الله" إلى الأحزاب السياسية، إلى النخب الثقافية والمدنية. وهنا تكمن مشكلتنا الأولى التي أنتجت جميع المشاكل التالية التي نراها تنتصب أمامنا دون قدرة على  الفعل أو الحل: بداية من الانقلاب الحوثي/ الصالحي، الذي حاول وما يزال يحاول أن يفرض نفسه شرعية على القسم الأكبر سكانياً من الوطن، وهو في تقديرنا الأكثر قدرة على المناورة، وعلى التأثير في المشهد السياسي اليوم كما نرى ، وصولاً إلى القضية الجنوبية التي يجري العبث بها من الجميع.. من بعض أصحاب الشأن الذين قبلوا الاستقواء بالخارج (الإمارات) على حساب إنتاج حل سياسي وطني عادل للقضية الجنوبية.

 كان مؤتمر الحوار الوطني الشامل  قد أسهم في تقديم معالجات سياسية وعملية جدية لإنتاج  حل تاريخي للقضية الجنوبية، على طريق بلورة مداخل سياسية وعملية لإنتاج ذلك الحل، لولا خذلان الشرعية للقضية الجنوبية، في ذهابها لفرص حل سياسي لقضية الاقاليم خارج مؤتمر الحوار، وبدعم سياسي، من المؤتمر الشعبي، والتجمع اليمني للاصلاح، وكذا تحول بعض أطراف الحراك إلى وكلاء للإمارات في قلب القضية الجنوبية في محاولة للاستقواء على بقية فصائل ومكونات الحراك، ولتعطيل مسار إنتاج حلولا سياسية وطنية شاملة لكل القضية اليمنية، وفي القلب منها القضية الجنوبية الوطنية العادلة بامتياز.

وهو ما أضعف الشرعية من بداية تحرير الجنوب من الاجتياح العسكري الحوثي/ الصالحي، تنفيذاً لإرادة خارجية (الإمارات)، التي سعت ضمن عمل سياسي وأمني وعسكري ممنهج مع بريطانيا، لمحاولة إعادة ما كان في الزمن الاستعماري، مستغلين واقع ضعف الشرعية وارتهانها الكلي للتحالف الذي يتحول تدخله في اليمن تدريجياً إلى تنفيذ لاستراتيجياته الوطنية الخاصة ولو على حساب تفتيت وتفكيك اليمن، وليس إطالة أمد الحرب في أكثر من جبهة  (مأرب، نهم ، صرواح، تعز، الحديدة، البيضاء، وإلخ) ، سوى دليل حي على ذلك.

وهنا يلتقي الحوثي، وبعض أطراف الحراك المدعوم إماراتيا لتعويق إنجاز عملية سياسية وطنية تاريخية في كل البلاد، ولكل اليمن (شمالا، وجنوبا)، تمهيداً لإنتاج حلول تجزئية تقسيمية، تتفق مع المشاريع الشرق أوسطية الأمريكية والإسرائيلية وبدعم من أنظمة عربية ممولة لهذا المشروع، في محاولة لتمرير "صفقة القرن"  عربيا، وهي أول المؤشرات في هذا الاتجاه والذي يمولها ويحاول تمريرها وتنفيذها/ محمد بن زايد، ومحمد بن سلمان، بدءاً من تصفية القضية الفلسطينية إلى محاولة تعويق العملية السياسية في اليمن، والعملية الثورية في السودان، في محاولة لإجهاض ثورة الشعب السوداني العظيم على طريق أطالت أمد الحروب في جميع مناطق الثورات، حتى تستوي لعبة تقسيم اليمن إلى كانتونات  مذهبية قبلية قروية مناطقية جهوية ، تعيدنا ثانية إلى ما قبل ثورة سبتمبر 1962م وثورة 14 أكتوبر 1963م.

 أن ما يجري على الأرض ومنذ أكثر من أربع سنوات يقول ذلك!

 إننا حين نتكلم عن التبعية للسعودية، والإمارات، (التحالف)، الذي يتحول تدريجيا إلى احتلال إنما نشير إلى هذه المخاطر الاستراتيجية، والمتمثلة في أمرين: الأول وحدة الأرض، والشعب، والثاني تعويق ومنع قيام الدولة الوطنية الديمقراطية، سواء دولة لكل اليمن، أو حتى الدولة الوطنية لكل شطر منه، إذا أرتأت الإرادة الشعبية الحرة ذلك.

كما أشرنا واكدنا أن هلال رمضان لم يكن في كل مراحل التاريخ مشكلة أو أزمة ، فقط كيف يمكننا أن نقرأ ما وراء الهلال من اسباب وخلفيات وأدلة  سياسية تكشف لنا حجم التبعية للخارج بجميع مستوياته، خارج /أو تحالف، شل الإرادة السياسية والوطنية لليمنيين بعد أن صار هو من يتحكم بخيار الحرب والسلم في اليمن.

ولنسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً ومحدداً، من بيده اليوم قرار السلم والحرب في اليمن؟

أين هي الشرعية من قرار السلم والحرب؟  من المقرر اليوم في قرار السلم والحرب الشرعية التي لم تجد مكاناً لها داخل البلاد لتستقر فيه، أو التحالف المهمين على جميع تفاصيل الشأن السياسي اليمني؟

 

من هو القابض على المفاصل التنموية في البلاد: المطارات، الموانئ، مصادر إنتاج النفط والغاز؟ من الذي يحدد فتح وإغلاق المطارات في البلاد، إلى كم عدد الرحلات من الطائرات اليمنية التي يجب تقلع وتنطلق إلى مطارات العالم الخارجي؟

 من الذي يعرقل وجود وتفعيل العاصمة المؤقتة، ويمنع الرئيس الشرعي من العودة إليها ومن مزاولة أعماله منها؟!.

من الذي يحتل اليوم جزر أرخبيل "سقطرى"، ومن يحاول فرض احتلال عسكري على محافظة "المهرة" رغماً عن إرادة سكانها، وبمخالفة صريحة للقانون الدولي؟

 إن القانون الدولي لا يرى في دور السعودية والإمارات بالصورة الجارية، سوى أنه احتلال ، وهو ما تقوله المظاهرات التي تخرج إلى الشوارع ضد ذلك الاحتلال!!.

إن كل ذلك هو ما يطيل أمد الانقلاب ويغذيه ويعطيه جرعات أوكسجين ليبقى ويتعمر  أطول، وهنا يلتقي الانقلاب، والشرعية، والتحالف، الذي يتحول في كل يوم إلى الاحتلال فقط، عودة لقراءة وسماع المقابلة المطولة مع اللواء/ أنور عشقي، حول كل ما أشرنا إليه، وهي مقابلة من حلقتين مع قناة R.T الروسية .

إننا ندرك جيداً أن التحالف السعودي والإماراتي، لم يتدخلا في اليمن من أجل سواد عيون اليمنيين ، ولا من أجل استعادة الشرعية، والدولة المختطفة -كما يعلن- من الجماعة الانقلابية وإنما لإدراكهم إلى الخطورة الاستراتيجية لتثبيت الانقلاب واستقراره وتكوين دويلة ميليشوية في الخاصرة الجنوبية الرخوة للسعودية ومرتبطة بالمشروع الاقليمي الإيراني، والذي ترافق مع انجاز صفقة النووي الايراني، وإعطاء اليمن بل والمنطقة منحة/ جائزة، وثمن لإخراج تلك الصفقة، ولوضع الاقليم الأوسع: المنطقة العربية، وإيران وما حولهما في دائرة صراع وحروب مذهبية/دينية لا تنتهى، وبدعم  متعدد التسميات لكل من الطرفين، وحينها تنشغل المنطقة بحروبها الداخلية مع بعضها البعض، وتشتغل مصانع السلاح الأمريكية الأوروبية، بعد تحويل إيران إلى بعبع، أو مصيدة، أو فخ لابتزاز دول الخليج، وهو ما يمارسه الرئيس ترامب صراحة وبكل وقاحة أمام شاشات العالم كله وبحضور القادة الخليجيين.

 إن المطلوب على طريق تمرير "صفقة القرن"،هو  أن تتحول إيران من عدو تكتيكي، إلى عدو استراتيجي، بدلاً عن اسرائيل التي هي اليوم مرشحة لتكون  الصديق المحتمل في ضوء التنسيقات الجارية بين أمريكا واسرائيل، وبعض دول الخليج لتمرير تصفية القضية الفلسطينية، وليس "المؤتمر الاقتصادي الصهيوني الأمريكي، في البحرين، وقبله مؤتمر "وارسو" سوى المقدمة، والذي يواجه اليوم بمعارضات شديدة بداية من كل الشعب الفلسطيني،  ومن جميع شعوب المنطقة، بل وحتى من دول عديدة في العالم.

إن المشكلة ليست في هلال رمضان وإنما في التداعيات السياسية والاجتماعية والثقافية والدينية والوطنية التي أنتجها ذلك القرار في إعلان يوم نهاية رمضان وبداية العيد.

علماً أن العلم اليوم في تقدمه العلمي والإنساني المذهل لم يعد بحاجة إلى فتوى دينية متى يكون آخر أيام الصيام؟ ومتى يكون أول أيام العيد؟ فقد حل المصد الفلكي، والمفتي/ الشيخ (جوجل) حل الألغاز الهلالية وغيرها .

 هذا الكلام كان مقبولاً ومفهوماً في القرن الأول الهجري، والسابع الميلادي وما بعده، وفقاً لحالة مستوى التقدم العلمي.

 اليوم يمكننا أن نعلم قبل أسبوع وشهر بالوسائل العلمية /الفلكية الحديثة ذلك، ولكنها عقلية الفتوى وضرورة وجود المفتي هي من تتحكم بعقولنا وتجعل من  هلال رمضان مشكلة من العدم!!، لا يستفيد منها سوى الخارج.

وحتى لو افترضنا أن العقل العلمي الإنساني ومنجزات الحضارة الحديثة عجزت عن تحديد ساعة وقت ظهور هلال رمضان، أو أن هناك عوامل بيئية  ومناخية معينة حالت دون ذلك فهل نجعل من ذلك مشكلة ؟ ثم ما هو المقدم مصالحيا على المستوى السياسي والاجتماعي والوطني، أن نوحد يوم الصيام، وبإكماله حتى الثلاثين  يوماُ أو أن نجعل من ذلك أزمة ومشكلة تنعكس على وحدة ما  تبقى من النسيج الاجتماعي والديني والوطني.

إن غياب البوصلة، وانعدام الرؤية،  يقف خلفها ضعف الإرادة لنا وفينا، وهو من يجعلنا نغرق في مثل هذه التفاصيل الصغيرة، لأننا فقدنا بوصلة الرؤية لمشروعنا السياسي والوطني المرتجى .. وهنا تكمن المشكلة لنفترض أن الجماعة الحوثية "أنصار الله" افتعلت مشكلة هلال رمضان لتوسيع حالة الشرخ في النسيج الاجتماعي والديني والوطني، فايهما المقدم في مثل هذه الحالة مساعدتها في هذا الاتجاه أم تجاوز ذلك في الذهاب إلى صيام رمضان ثلاثين يوماً ولا أعتقد أن الله سيحاسبنا على ذلك، ما دمنا كما يقول الفقهاء، قدمنا المصالح لدرء المفاسد.

كنت قد اتفهم جزئياً لو أن الشرعية أعلنت موعد الإفطار، وبداية العيد  قبل أن تعلن السعودية موعد العيد، ولكنه كالعادة جاء استتباعاً للمشيئة السعودية، وهي حالة تبعية شاملة كاملة محي معها ما تبقى من معالم الإرادة السياسية الوطنية لليمنيين، يتحول معها الداخل/ الشرعية إلى تابع للتحالف بدءاً من قرار السلم والحرب، إلى قرار إعلان هلال رمضان.

وهنا يلتقي التحالف، والجماعة الحوثية لتغليبهما حالة المصالح التكتيكية فيما بينهما على حساب المصالح الاستراتيجية لليمنيين.

إن محمد بن زايد، ومحمد بن سلمان يلعبان لعبتهما السياسية التكتيكية على حساب كل مصالح المنطقة العربية، وهنا يلتقيان مع إيران،في تفتيت وتفكيك منطقتنا،  مع فارق أن إيران تتحرك ضمن أفق سياسي قومي استراتيجي، وبن زايد، وبن سلمان، منخرطان  ضمن لعبة تكتيكية لخدمة المشروع الاستعماري الأمريكي الصهيوني، وليس اندفاعهما ضمن لعبة صفقة القرن سوى واحدة من التجليات لذلك العبث بالسياسة وبالتاريخ القومي لكل الأمة العربية والاسلامية.

    إن المشكلة / الأزمة المستحكمة ليست في هلال رمضان، بل في القدرة الفعلية لنا للتحرر من جميع أشكال التبعية السياسية للخارج بداية من إيران، وانتهاءاً بالسعودية  والإمارات وإقامة علاقات سوية وطنية متوازنة مع الجميع والبداية من تصحيح العلاقة مع الجيران.