"هزة قلم!"..الدراما اليمنية.. وغربة النقاد!
قبل 1 شهر, 22 يوم

قل خيرا أو أصمت!

كي نتحدث عن إشكالية الدراما اليمنية، ونناقش الأعمال الفنية المقدمة على الشاشة اليمنية، وبالخصوص الرمضانية منها، لابد وأن نلقي نظرة عميقة، بمنظار خارجي موجه من أعلى الأجواء اليمنية، وبعيون محايدة ونظارة جديدة صافية على الواقع اليمني، والشخصية اليمنية، والحالة الإجتماعية والسياسية برمتها.

أقول ابتداءا إخلعوا نظاراتكم السوداء القاتمة أيها النقاد، واستبدلوها بأخرى بيضاء جديدة لا شروخ فيها ولا خدوش، ثم انبروا للحديث عن عالم الدراما اليمنية، ودراما هذا العام بالذات، ولكن إدلفوا من بوابة الإنسان اليمني أولا، ثم عرجوا على المجتمع والواقع، واختموها بالأعمال الفنية.

كيف ترى الشخصية اليمنية أيها الناقد؟

تراه إنسانا بسيطا، لاتزال فطرته البدائية هي القائدة والحادي وإن تظاهر بمدنيته وارتقائه الحضاري، وهذا يتضح لنا من ملبسه ومظهره وعاداته ونظراته ووقفته ومشيته وحركات يديه وشفتيه، وطريقة كلامه وأسلوبه في التعبير. وهذا التوصيف لا يقتصر على الشخصية القروية فقط، بل يتعداه إلى المدنية أيضا، وإلى كثير من المثقفين والمتعلمين، حتى الغالبية الذين درسوا في الغرب، فتجد أن سِمَتهم "الطبع غلب التطبع".

وإذا شملت بنظرتك المجتمع اليمني ككتلة كاملة مع واقعه المعاش حاضرا تجدنا وللأسف الشديد نعيش في فترة ما قبل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر المجيدة، في العهد الظلامي الإمامي البائد بكل مقوماته وعناصره وظروفه لا ينقص منها شيء:

فقر وجهل ومرض  وحروب واقتتال، لا كهرباء، لا ماء، لا مستشفيات، لا مدارس، لا وظائف، لا رواتب، لا أمن ولا أمان...الخ.، لكنه يختلف عنه كليا في أن أخلاقه ساءت، وتضاءل التضامن والتكافل الإجتماعي إلى أقصى الحدود.

وكل الأعمال "الفنية" المقدمة الآن ليست سوى إنعكاسا للحالة اليمنية المزرية، السياسية منها والاجتماعية، فهي تقوم بدور المرآة العاكسة للصورة والحالة كما هي دون رتوش.

فإن أراد أحدنا أن ينقد عملا فنيا ما فلابد له قبل أن يتجرأ و يتفوه بكلمة، أو يكتب حرفا أن يأخذ كل تلك الظروف والملابسات المحيطة والمصاحبة للعمل الفني في الحسبان، ثم يتوضأ ويجرد نيته من كل ضغينة أو حقد أوحسد، ومن كل دافع (أي كان ماديا أو معنويا) يدفعه للنقد غير الهادف والبناء، حتى يكون نقده في محله ويؤتي أكله.

عدا ذلك فهو من باب النقد للنقد ليس إلا، أو من باب الشهرة كما يقول المثل التعزي: الذي مايعمل له منكر لا يذكر.

فإن كنت ناقدا منصفا وبناءا فلن تبحث عن الأخطاء والسلبيات كالذباب لا يقع إلا على القاذورات، وإنما ستعدد إيجابيات العمل الفني المقدم أولا وتذكر محاسنه، ثم تذكر سلبياته مع عدم إغفال الواقع والوقائع وحالة المجتمع المرضية، مبررا السلبيات بالواقع المر الذي نعيشه، والظروف المحيطة والإمكانات المتوفرة البسيطة والمتواضعة جدا. وآخرا تطرح مقترحاتك وحلولك لما رأيت أنه سلبي، مع تقديم الدعم النفسي والتشجيع المعنوي لشخصيات ذلك العمل جميعها لأنها تعمل في بيئة غير صالحة ومفرغة من مكوناتها الأساسية، لكي تواصل إبداعها وتطورها الفني والمهني.

غربة النقد!

ما رأيناه أو قرأناه من انتقادات ماهي إلا مراجمة حجار لا يمكننا بحال تصنيفها في خانة النقد البناء، بل تدون في هوامش العبث الفكري واللهو الأدبي المزري الذي يهوي بصاحبه إلى أسفل سلم الكتاب المتطفلين.

كل ماقيل عن الدراما اليمنية تحت مسمى النقد لا يعدو كونه هراء وصراخ وعويل يثير نقع غبار يلوث أجواء الأعمال الدرامية، ويزعج سكينة المشاهد، ويعكر سعادته وفرحته.. لا أكثر!

فنقاد الدراما اليمنية يعيشون غربة حقيقية.. غربة عن الفن.. غربة عن الإبداع.. غربة عن الذوق.. غربة عن النجاح.. غربة عن المصداقية.. غربة عن الواقع والمجتمع.. وغربة عن الذات نفسها.

 

قد تكون هناك أعمال حقا لا ترقى إلى مرتبة الفن، لكنه في المقابل برزت أعمال عظيمة في فكرتها وطرحها وأسلوبها وجرأتها وحيويتها ولهجتها وتقنياتها، أحدثت نقلة نوعية في الدراما اليمنية، وقفزت بها قفزة هائلة إلى الأعلى بمقياس النجاح الفني والجذب الجماهيري كمسلسل "غربة البن" بدرجة أولى، ومسلسل "مع ورور" بدرجة ثانية. لكن وللأسف الشديد فإن هذه الأعمال الناجحة (مسلسل "غربة البن" على وجه أخص) هي التي نالت نصيب الأسد من الإسفاف النقدي الهابط،، والإفراط في الجرح اللاموضوعي والتدمير والتثبيط، ومحاولة فبركة مشاهد الحلقات في عين المشاهد والمتابع المتحمس .. وهذا ما يثير الدهشة والإستغراب في آن واحد، ولا أدري ما الذي أوجعهم في "غربة البن" (وإن كنت أخمن السبب)، وعلى قدر الألم يكون الصراخ.

يبدو أننا نعاني بالفعل من إنفصام في شخصيتنا اليمنية بين الواقع المرير والخيال المثير، بين يمنيتنا الفطرية والتضخيم المراهق، بين حقيقتنا وأمنياتنا، بين الوعي واللاوعي، بين الموضوعية والتلفيق، بين المصداقية والنفاق. حقا نعاني من إنفصام بين سخط النجاح وحب الفشل، ببن أنا وهو.

بعبارة أخرى نحن نمارس جلد الذات بطريقة سادية مقززة لا تمت للواقعية والموضوعية النقدية بصلة!