علوان الشيباني..الصديق ورجل الأعمال الإنسان(2-2)
قبل 1 شهر, 11 يوم

علوان الشيباني سؤال حياتي مفتوح على إجابات إنسانية متعددة: اجتماعية، سياسية، ثقافية، رأسمالية، لأنه في أصل كينونته الاجتماعية شخصية متعددة المستويات، من بداية مشواره مع وفي رحلة الحياة، حتى سلم تطوره في مركب الصراع الاجتماعي والسياسي الصعب، ومن هنا تعدد مستويات علاقاته وصلاته العميقة بالناس: نخب ثقافية، وسياسيين، ومن جميع فئات وطبقات المجتمع، إلى علاقاته الجيدة بمحيطة الرأسمالي- زملاء المهنة- من بداية رحلته في الحياة، ودخولاً للسياسة والحزب في مرحلة باكرة ١٩٥٨م .. كان يبحث عن المعنى في الحياة، فقادته خطاه إلى الهجرة المبكرة، إلى التعليم، إلى التجارة والمال، إلى الشغل الدبلوماسي، (قنصل فخري)، حتى الحفر في أنثروبولوجيا الخير الاجتماعي الذي نراه متجسداً في أعمال كثيرة يقدمها للناس /المجتمع، من قريته الصغيرة/ ومنطقة (بني شيبة)، إلى المناطق المختلفة في البلاد اليمنية، في تركيز واضح على المسألة التعليمية،  والثقافية، والخدمية ودعم الكتاب، وتنمية المهارات الابداعية للشباب التي يستدل عليها أو يصل خبرها إليه من بعض الأصدقاء.. يقدم لمن يحتاجه يد المساعدة دون من أو رجاء شهرة أو إعلان. هكذا كان وهو في درب السياسة، وهكذا هو في رحاب الاستثمار في المال والاقتصاد.

علوان وفكرة العدالة الاجتماعية:

إن قضية العدالة الاجتماعية في سلوكه قد لا تكون لها صلة بانتمائه المبكر للحركة السياسية الوطنية والقومية "البعث"، واليسارية "الطليعة الشعبية"، فهناك الكثيرين ممن ارتبطت نشأتهم الأيديولوجية والسياسية بالتيارات الوطنية، والقومية، واليسارية الاشتراكية، وما أن أتيحت لهم أول فرصة للعمل والنجاح في المجال الرسمالي، أوالاقتراب من أعيان المال، أو السلطة السياسية في مكانة أو موقع مميز، حتى انقلب على عقبيه، وتنكر لتاريخه السابق، وقلب ظهر المجن، واتجه نحو تبرير التطرف في الجشع الرأسمالي، وشرعنة فساد الرأسمالية والرأسمالي، بل وفي التنظير السياسي والاقتصادي للرأسمالية المتوحشة... هذا، في حين أن علوان حافظ أيضاً على نقائه البكر في العلاقة بالناس، وبقضية العدالة الاجتماعية التي نماها وراكمها وأصل لمعنى حضورها في سلوكه وحياته اليومية.

إنه إنسان اجتماعي بسيط بطبعه دون تكلف، هكذا هو لا يدعي شيئاّ ليس منه ولا فيه، وعيه الاجتماعي في الاعماق يميل بالكلية للتواضع، والشعبية والبساطة في كل شيء في حياته: من حياته الأسرية العادية إلى حياته العامة، إلى نشاطه التجاري الذي  يتعامل معه بمهنية وباحترام وبتقدير عال لمعنى النظام والإدارة في العمل المؤسسي. فهو لا يتعامل مع العاملين معه إلاَّ بكل التقدير والاحترام، بل وبمحبة ظاهرة للعيان، ولذلك هو قريب منهم جميعاً، صديق لبعضهم، وهو ما يتجلى في اختياراته ليس لأصدقائه، فهذا من باب أولى، بل وللعاملين معه، يدخلون للعمل لديه في مهن متواضعة بسيطة وبمؤهل تعليمي محدود وبعضهم وهم في سلك العمل يكمل تحصيله العلمي الدراسي وبتشجيع منه، وبعد عقد ونصف أو عقدين من خبرتهم في العمل في مؤسساته تجدهم وقد وصلوا إلى أعلى مراتب القيادة والادارة في سلم الترقي الاجتماعي، بل أن بعض المميزين منهم يتحصلون على نسبة معينة من الأرباح يفاجئهم بها علوان تشجيعاً وتحفيزاً لهم وتثميناً وتقديراً لجهودهم في رفع أسهم الشركات التي ينجحون في تطويرها وتنمية الرأسمال فيها. ومن أشير إليهم هم من يتحدثون عن ذلك، وهنا تتجلى نبالة وعظمة الانسان في الصديق علوان بن سعيد الشيباني. ولذلك المحت إلى أن فكرة العدالة الاجتماعية عنده، ليست مسألة قولية تنظيرية، بل هي فطرة سوية، نماها وطورها في سردية حياته اليومية مع الناس.. وبينهم.

علوان إنسان يستحق الثناء العطر، فقط لكونه ملتزم تجاه انسانيته التي حفر أسس مداميكها بروح المحبة للناس البسطاء من حوله.

لقد استحال الفعل الاجتماعي الانساني لديه منهجاً ، وأسلوب حياة .. لقد انتصر علوان على جشع ووحشية الرأسمالي التي ينظمها قانون المهنة/ الرأسمال،  وكسب علوان معركة الاخلاق، فاز في الامتحان، مؤسساً بنية قيم ما يزال ساهراً على تطويرها وتنميتها. وبذلك انتصر على جشع الرأسمالية في طور توحشها، أو هو حد من عنفها وطغيانها، وهو يؤكد ذلك بما يفعله وليس بما يقوله.

إنه يتعلم من البسطاء، ويعلمنا معه كيف نكون أوفياء ونحن نمارس الصداقة، كيف نكون أخلاقيين ونحن نمارس السياسة.  فالسياسة من المهم أن تحتوي على فكرة أخلاقية، وإلاَّ تحولت إلى غابة ممتلئة بالوحوش تتسابق على سلطة متحررة من القيم الإنسانية.

إن مفهوم العدالة الاجتماعية هو منتج، إنساني، بمعنى أنه لا يمكن تجييره أيديولوجيا وسياسياً، وفقا لمن هندس صناعته معرفيا ومفهوميا. وبهذا المعنى فإن قضية العدالة الاجتماعية هي خلاصة للفكر التقدمي الانساني في السلوك ، وليس في التنظير القولي، كما هو مع بعض المتياسرين المتطفلين الذين ارتدوا إلى أعقابهم، وإلى حالاتهم الغرائرية البدائية الأولى: "السلالية"، "الطائفية" ،"القبلية"، و"القروية".

لقد أسس علوان الشيباني علاقته بالمال  والتجارة على قاعدة متوازنة معقولة ومقبولة من مفهوم العدالة في التوزيع، بداية من العدالة القانونية، ونظام الإدارة لهذا المؤسسات/ الشركات ، مع احتفاظه بحقه في تنمية رأسماله على قاعدة رأسمالية تراعي أطراف المعادلة في تنمية الرأسمال. أي إنه لم يحول نشاطه التجاري والمالي والاستثماري إلى جمعية خيرية لرعاية الفضيلة كما قد يتوهم البعض، بل إلى شركات  ربحية اقتصادية تراعي توزيع المصالح بين جميع الأطراف، بما ينمي ويطور البنية الرأسمالية ، وبما ينمي ويوسع من المدى الاجتماعي/الاقتصادي لهذه الشركات  ودورها المزدوج في تنمية الرأسمال، مع قدر محدود ومقبول من تنمية المجتمع -بهذا الدرجة أو تلك - وتلك هي المعادلة المعقدة –الوسط الذهبي الصعب- التي نجح –نسبياً- علوان ابن سعيد الشيباني فيها، لدرجة أنه تفوق على الدولة في علاقتها بمفهوم العدالة الاجتماعية، بعد أن تخلت الدولة عن دورها في رعاية وحماية المجتمع بصورة شبه كلية.

 علوان ، وبعض شركائه على الأقل ، يذكروني من جانب معين ببعض الشركات الرأسمالية العربية والعالمية المحدودة التي خصصت أو أعطت لمسألة العدالة الاجتماعية حيزاً معقولاً من رعايتها ، واهتمت بدعم التعليم والمدرسة ، والثقافة، والكتاب .. ومن يقرأ تاريخ علاقة الرأسمال بالمجتمع في بعض تمظهراته أو تجسيداته التاريخية، سيجد مثل هذه النماذج المحدودة حاضرة ومؤثرة –وهم قلة قليلة- في التاريخ الإنساني( طلال أبو غزالة،، عبدالرحمن شومان، البابطين، العويس، هائل سعيد أنعم، وبعض مليارديري اقتصاد المعرفة المشهورين في العالم)، الذين خصصوا نسبة معينة من أموالهم تصل إلى المليارات لدعم الفقراء، وللتنمية الإنسانية عامة.

هي، في تقديري، دعوة مثالية رومانسية للتخفيف من حدة الفقر، والتقليل، من عدم المساواة، وتقليص من آثار نهب الرأسمالية المتوحشة للمجتمعات،  وتدميرها للإنسان فيها.

استطيع القول إن الصديق أولاً، ورجل الاعمال أخيراً- ذلك أن الصديق  هو ما يعنيني ويهمني فيه كإنسان- ، قد تمكن في نظام إدارته لشركاته من الاقتراب ولو جزئياً من مفهوم العدالة الاجتماعية. وإذا أردنا تحديد مفهوم ماهي مفردات أي عدالة اجتماعية في أي مكان كان، لوجدنا أنها تنحصر في التالي: المساواة وحدود هذه المساواة، وبمدى ربطها في الاقتصاد والإنتاج، وبنظام الأجور، والعمل الذي تعتمده الدولة، وهو شكل يتجسد في "الضمان الاجتماعي" لحقوق الناس الخدمية . وهذه بالضبط هي الحاضرة إلى حد مقبول في نظام الادارة في شركات علوان، وهو ما قد نفتقده في مضمون الإدارة في معظم الأشكال التجارية والرأسمالية في البلاد التي وجدت من خلال ارتباطها بالسلطة السياسية وتوحدها بالاقتصاد السياسي للفساد، وعلى حساب الرأسمالية التقليدية في البلاد.

  إن شركاته تساهم في تقديم مساعدات مقبولة للعاملين فيها في أوقات النوائب والمصائب الاجتماعية التي يواجهونها،  ولو بالحد الأدنى  الذي تراه مناسباً، وهو ما يفتقده العامل في مؤسسات الدولة الرسمية وفي العديد من الشركات الرأسمالية الخاصة. والمعيار الآخر للعدالة الاجتماعية. هو وضع الجميع ضمن شروط قانونية متساوية تراعي الحد الأدنى للتوزيع للمصالح في هذه الشركات، وخاصة العاملين المتميزين فيها.

إن نظام الادارة في شركات علوان وشركائه، يقوم على معيار خدمة المشترك الاجتماعي الإنساني العام ولو في حدوده الدنيا.. وهو مشترك يوحد معظم العاملين حوله لأنهم يرون في ذلك النظام (الشركات)، مصلحة مباشرة لهم، ولذلك هي ناجحة واستثمارية مريحة ومربحة، تشتغل ضمن الضوابط الإدارية القانونية العامة التي تحكم قيمة العمل والانتاج في علاقته بالمصالح الوسطى للعاملين  .. ذلك أن المعيار اليوم الذي حدده علوان وشركاؤه، هو توافق نظام الإدارة، والأجور والعمل مع الحد الأدنى أو المعقول والمقبول من المصلحة العامة المشتركة ومع الجهد المبذول في الإنتاج/ السلعة. وهنا نجد الحد الادنى من معنى العدل الاجتماعي سارياً ومطبقاً، دون ادعاء أو إعلان .. لذلك تحظى أعماله (شركاته) بحب واحترام العاملين فيها، والمتعاملين معها، وغاية كل فعل عام، أو خاص هو استحقاق احترام وتقدير الناس له.. كأن علوان وشركائه –واخص بالذكر الأستاذ الفاضل/ عمر محمد عمر يعقوب وإبنه الأستاذ جمال-يمتلكون تفويضاً اخلاقياً يلقي على عاتقهم مسؤولية تنفيذه على أحسن وجه، أو بقدر عال من المسؤولية في تحقيق شيء من الوئام الاجتماعي الانساني. ولذلك لم نسمع أو نقرأ طيلة هذه العقود أن شركات علوان ورفاقه قد انغمسوا في الفساد المالي أو السياسي أو أنهم وقفوا أمام المحاكم -أو ذاع عنهم ذلك- في قضايا فساد، أو تحايل على القوانين أو في قضايا تخص المواطن أو الدولة ، أو العاملين في هذه الشركات . علما أن هذه الشركات تشغل اليوم ما يقترب من الفي موظف وعامل، في مختلف مستوياتها الإدارية، والمهنية والقيادية.إن الاساس المفسر لذلك أن قاعدة الادارة ونظامها يقوم على احترام القوانين السارية وممنوع تجاوزها أو التعالي عليها بأشكال الفساد المختلفة السائدة في البلاد .. مع أن الفلسفة الاقتصادية الرأسمالية والمنطق البرجماتي المحرك لها يتيحان ويسهلان هذا الامر، حيث البنية القضائية فاسدة ومتخلفة، وهي اليوم، وأمس أول من يشرعن الفساد العمومي.

وكما يشاع أن السياسة في العموم تطرد الاخلاق وتعادي القيم والمبادي القانونية، -وهو صحيح بقدر معين- فكيف بنا ونحن نتحدث عن إدارة شركات تجارية وسياحية واستثمارية في شروط صعبة وقاسية، ولا علاقة لها بالقانون ولا بدولة القانون وفي تقديري لو أن هناك خمسة عشرة أو عشرين أسماً من رجال الاعمال ويتحلون بالصفات الاخلاقية والقيم الرفيعة التي يتمتع بها علوان الصديق ورجل الاعمال والانسان –وأمثاله- لكان حال اليمن، اقتصاد وتنمية اجتماعية أفضل، أو أقل قسوة وأخف وحشية.

علوان ذاكرة بلون الغناء، بلون الفرح، بلون الصداقة.

هكذا رأيته..

هل أصبت أم بالغت؟، ما أعتقده سجلته، فكانت هذه التحية التي أرسلها إلى ابنتيه، وأسباطه الكرام، في أن يكونوا قدوة ومثال على هذا الطريق المنير والمضي، الذي سار عليه هذا الصديق/ الجد .. الذي باسمه وبذاته هو أثمن وأخلد من كل ما سيتركه من ثروة .

نفخر بأننا أصدقاء له، فكونوا متمثلين روح القيم والمثل التي كانها ، ومعه وإلى جانبه الفقيدة الفاضلة زوجه/ كارمن.