قضايا التحرش داخل الحرم الجامعي ومهام أمن الجامعات
قبل 6 شهر, 24 يوم

جدل في الأوساط الجامعية أثارته عملية اعتقال الدكتور المسؤول عن الكنترول في كلية الشريعة والقانون بجامعة صنعاء من قبل أمن الجامعة، وذلك إثر شكوى إحدى الطالبات ضده اتهمته بالتحرش بها بعد ضبطه لها في حالة تلبس بالغش وفقا لإفادة الدكتور.

ولسنا هنا بغرض الحديث عن ذلك الموضوع، لأني لست على اطلاع كامل بجوانبه المختلفة، ولذلك سأكتفي بالبيان الذي أصدرته نقابة أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم في الجامعة بخصوصه. لكني سوف اتخذ ذلك الموضوع مدخلا لتناول قضايا التحرش التي تتم داخل الحرم الجامعي وكيفية التعامل القانوني معها، وموضوع التحرش داخل الجامعات موضوع شائك ومسكوت عنه.

وبهذا الخصوص لا مناص من الاعتراف من وجود حالات تحرش ضد طالبات الجامعات اليمنية، سواء من قبل بعض الأكاديميين أو الإداريين، أو من قبل الطلاب أنفسهم، بل وحتى من قبل بعض الحراسات الأمنية، وكذلك من قبل متسكعين يأتون من خارج الحرم الجامعي. وهذا الموضوع ليس وليد اللحظة لكنه يمتد بامتداد تاريخ الجامعات اليمنية منذ تأسيسها إلى اليوم.

وفي واقع الحال هي مشكلة لا تقتصر على الجامعات اليمنية، لكنها تمتد لتشمل العديد من الجامعات العربية والعالمية، وقد سمعنا بعقوبات طالت بعض المتحرشين في العديد من تلك الجامعات بمن فيهم اساتذة جامعات وصلت إلى حد الفصل من العمل (جامعتي القاهرة ودمشق على سبيل المثال).

وهو ما يجعلنا نقول بأن الأستاذ الجامعي ليس ملاكا بالضرورة، وأن هيئة التدريس الجامعي لا تخلو من بعض الأكاديميين الذين يستغلون علاقاتهم بالطالبات لغرض غير أخلاقي، وهو ما يتطلب بالفعل وجود عقوبات رادعة لتأديب أولئك ومعهم كل المتحرشين بالطالبات داخل الحرم الجامعي، لأن الطالبات بمثابة أمانة لدى الجهات المسؤولة في كل جامعة، ويدخل ضمن مهامها توفير الحماية للطالبات من أي اعتداء غير أخلاقي، سواء تم بالترغيب أو الترهيب.

لكن في الوقت نفسه علينا أن لا نسمح لأن تتحول مسألة التحرش بالطالبات لوسيلة ابتزاز للكادر الأكاديمي أو الإداري داخل الحرم الجامعي، بحيث أي طالبة لم يعجبها الدكتور أو المعيد الفلاني أو لم يعطها درجات عالية في مادته أو وجدها في حالة تلبس بالغش، فتقوم باتهامه بالتحرش بها، أو بأي إدري لم ينفذ لها معاملتها بالطريقة التي تريدها، لتقوم الجهات المسؤولة بعد ذلك بالتعامل مع اتهامها على أنه صحيحا من غير أن تخضع الموضوع للتحقيق المفترض، للتأكد من صحة الاتهام من عدمه.

بمعنى إن أي تهمة تحرش يتم إثارتها يجب أن تأخذ حقها من التحقيق الجاد والمحايد وغير المسيس، وبعدها يتم إنصاف الطرف المعتدى عليه ومعاقبة الطرف المعتدي أو الكاذب بموجب القوانين واللوائح التي ترتب ذلك، وإلا فإن الأمر سيتحول ليصبح وسيلة لتصفية حسابات، ولا نستغرب بعد ذلك إن توسع وصرنا نجد طلابا ذكورا يتهمون دكتورات أو حتى دكاترة بالتحرش بهم بغرض ابتزازهم.

لكن ما نريد التنبيه له بأن إجراء العقاب ضد المتحرشين في حال ثبوت التهمة والتأكد منها لا تدخل مطلقا من ضمن مهام الجهات الأمنية داخل الحرم الجامعي، فأمن الجامعة ليس قسم شرطة خاص يالجامعة، لكن مهمته تتمثل بحراسة مباني الجامعة وممتلكاتها، وحراسة بواباتها لضمان عدم دخول الأسلحة والممنوعات إلى حرمها، ومنع المتسكعين من ارتياد الحرم الجامعي من غير مهام محددة وواضحة ومشروعة يريدون إنجازها في هذه الجامعة أو تلك، ولا علاقة لأمن الجامعة مطلقا بالمواضيع الأكاديمية والتعليمية والإدارية في الجامعات.

فتلك المهام ومعها معالجة القضايا الأخلاقية داخل الحرم الجامعي بما فيها التحرش والاعتداءات الجنسية الإجبارية أو الاختيارية تدخل بموجب القوانين واللوائح المنظمة لعمل الجامعات ضمن مهام الجهات المسؤولة في الكليات والجامعات عن الجوانب الأكاديمية والطلابية والإدارية، متمثلة بالعميد، ومعه نائبه الأكاديمي إن تعلق الأمر بدكتور ومعيد أو دكتورة ومعيدة، ونائبه لشؤون الطلاب إن تعلق الأمر بطالب أو طالبة، وأمين الكلية إن تعلق الأمر بموظف إداري أو موظفة.

وحتى إن وجد الأمن شخصين في حالة تلبس بفعل غير أخلاقي داخل الحرم الجامعي، فليس من مهامه عقابهم، ولكن مهمته تتمثل بضبط الحالة وإثباتها، ومن ثم الرفع بالقضية إلى الجهات المختصة المشار إليها أعلاه في الكلية، ومن بعدها الجهات المسؤولة عنها على مستوى إدارة الجامعة ككل، وتلك الجهات هي المخولة بالتصرف وفقا للقوانين واللوائح التي تنظم عمل الجامعات، ولا تتم العملية بشكل مزاجي أو اعتباطي، وذلك أمر متعارف عليه عربيا وعالميا.

فاللائحة التنفيذية لقانون الجامعات اليمنية على سبيل المثال قد حددت في فصلها الثالث (المواد من 82 إلى 95) الكيفية التي يتم بها تأديب أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم، التي تتم عبر إجراءات تتخذها عمادة الكلية ورئاسة الجامعة بواسطة لجان متخصصة يتم تشكيلها في الكليات قبل أن ينتقل الأمر إلى مجلس التأديب الدائم الذي يتم تشكيله سنويا في كل جامعة لتلك المهمة، ولا علاقة لأمن الجامعة بالموضوع لا من قريب أو من بعيد.

ومثلها أشارت المواد من 73 إلى 80 في النظام الموحد لشؤون الطلاب في الجامعات الينمية إلى العقوبات التأديبية التي يتم اتخاذها في حق الطلاب والطالبات، ولم تشر لدور أمن الجامعة بتاتا في هذا الأمر.

أما الموظفين الإداريين في الجامعات فتنطبق عليهم عند الإجراءات التأديبية النصوص القانونية التي يتم تطبيقها على أقرانهم في الجهات الحكومية الأخرى، وهي إجراءات لا تتم عبر الجهات الأمنية ولكن عبر خطوات قانونية محددة وواضحة ومتعارف عليها.

وذلك يجعلنا نطالب من هنا لتفعيل الأطر النقابية الخاصة بالكوادر الأكاديمية والإدارية والطلابية داخل الجامعات التي تعطلت فيها تلك الأطر، بما فيها جامعة صنعاء، كونها هي الجهات التي أوكلت لها القوانين واللوائح مهمة الدفاع عن منتسبيها إزاء أي تهم كيدية أو عقوبات غير قانونية يتعرضون لها:

حيث قامت الجهات المسؤولة على سبيل المثال بمنع تنظيم العملية الانتخابية التي كانت نقابة أعضاء هيئة التدريس ومساعديهم في جامعة صنعاء قد أعلنت عن تنظيمها بعد انتهاء دورتها الانتخابية السابقة، وبدلا من ذلك استخرجت لها تمديدا للعمل، في الوقت الذي قامت فيه إدارة الجامعة بوقف توريد اشتراكات الأعضاء لحساب النقابة بغرض شلها ومنعها من أداء مهامها. ومثلها نقابة العاملين في الجامعة.

أما اتحاد الطلاب في الجامعة فقد تم إنهاء دوره تماما بعد أن انتهت مدته الانتخابية منذ سنوات طويلة، وتم التقاعس في إجراء انتخابات جديدة للاتحاد رغم النص على وجوده في النظام الموحد لشؤون الطلاب بالجامعات اليمنية (المادتين 87 و 94)، وتم الاستعاضة عن الاتحاد في وقتنا الراهن بملتقيات طلابية تم فرضها عن طريق التعيين من بين صفوف الطلاب المنتمين للتيار الحاكم في في صنعاء والمحافظات التابعة لها.

خلاصة القول: هناك قوانين ولوائح وضعها المشرع لضبط الأداء في الجامعات، وعلينا جميعا التقيد والالتزام بها والعمل على تنفيذها بحيادية وصرامة، بعيدا عن أي مزايدات أو تفسيرات مزاجية شاطحة لنصوصها، من غير أن تعتدي أي جهة على سلطات غيرها من الجهات.. ومن غير أن تفرط جهة من الجهات أيضا بالمهام والسلطات التي منحتها لها الأنظمة المعمول بها.

وفي حال الاختلاف حول تفسير أي نص قانوني أو لائحي هناك مجالس علمية وإدارية متخصصة في إطار الكليات والجامعات هي من تتولى البت في ذلك الاختلاف أو التنازع حول المهام، فالجامعات يفترض فيها أن تكون قدوة للمجتمع بالتزام جهاتها المسؤولة بالأنظمة السارية، ولا مجال فيها للعمل المزاجي أو الارتجال أو استعراض العضلات من قبل أي طرف من الأطراف كائنا من كان.