أهي الحرب أم النهب؟
قبل 5 شهر, 25 يوم

على مدى أربع سنوات واليمن تشهدُ حرباً ليس لها مثيل في التاريخ المعاصر، إلا فيها ومع أبنائها، اعتادتها منذ دخول أذناب الفرس اليها حاملين معهم ثقافة الحرب مقابل النهب أو الحرب من أجل السطو والاقتيات، وتقسيم الأراضي والوديان الخصيبة كجوائز حرب عدوان على مُلاكها، والحصول على الأرصدة والامتيازات، وما تشهده اليمن من حرب ما هو إلا امتداد لتلك الأيديولوجيا وذلك النمط من أنماط الحروب.

حيث لم تقم حرباً في بلاد غير اليمن فيها يدان يدٌ تحارب والأخرى تنهب، وأسرةٌ فيها أخوان أخ يحارب وأخٌ محايد أو يقف في الطرف المقابل لأخيه، ولم تقم حرب في غير اليمن أثرى فيها القادة وخرجوا منها بأرصدة ومساحات من الأراضي والفلل والشقق والبناء والنقش بألوان الفنون، صنعاء يطوي فيها الجوعى جوعهم والموظفين محرومي الرواتب حرمانهم وبجوارهم تبنى الفلل والقصور والأحواش المنقوشة بأحجار الزينة!! وتُشترى العقارات في عمقها وعلى أطرافها وخارجها لأناس خاصة بمبالغ لا يستوعبها الخيال وجنوب لبنان ليس عليهم ببعيد.

الحرب في اليمن اليوم لها طابعها الخاص حيث لم يعانيها شعب غير اليمنيين، عصابة تختطف جيش مترامي الأطراف بكل آلياته العسكرية ومخازن سلاحه وعتاده، وبنك فيه احتياطاته من النقد الأجنبي وعملته المحلية بالترليون، ودولة قائمة بكل مؤسساتها وشعب بكامله انقلب قادته على أنفسهم وذبحوا أنفسهم بأيديهم، يهيم في صحرائه كهيام بني إسرائيل فاقداً الأمل يبحث عن وطن وقائداً وطنياً يحتويه ويحمل همه، ويداوي جراحه ويلملم شتاته وأوراقه، يشعره بالأمان من خوف صارت سحائبه السوداء تجوب آفاقه وتمطره بالرعب ألوان.

لم تقم حرباً لم يصف قادتها من صفوف جيشها الخوَّان، والعميل، والمتخاذل، والمختلس، والمشكك بعدالة قضيتها، والحامل لأهداف لا تخدم الأمة ومخطط الحرب والانتصار، نعم لا تنتصر حرب لا تتجه فيها كل الجهود العلمية التي تخدم الصناعة الحربية وتصنع الذخيرة وتطور السلاح، ولا تتجه فيها الجهود السياسة إلا لخدمة القضية وإقناع العالم بأهمية اللجوء إلى الحرب كخيار أخير نفذت معه كل سبل التوافق والتوسط والسلام، كالحالة التي مرت بها اليمن في حربها المشتعلة اليوم في كل أرجاء الوطن.

ولم يحدث أن حرباً دارت وجبهاتها منفصلة عن بعض، تديرها غرف عمليات عسكرية متعددة تخضع لمفاهيم حرب مختلفة تسندها قوات جوية وبرية تتحكم بعمليات الهجوم والتقدم والالتفاف، تَسنُد وتُمهيد متى ما شاءت وتترك متى ما تريد مصادر تسليحها وأقواتها ليست بأيديها. 

ولا توجد حرب لا يسندها إعلام وآلة إعلامية واسعة يصبُ أثيرها الموحد والمركَّز ليل نهار في آذان المقاتل والمزارع والصانع والمدرس والتاجر، يحثهم على التماسك والتضحية والبذل والعطاء في سبيل الوطن، وأن النصر هو النجاة والهزيمة ستجلب الذل والعار وخيبة الانكسار، آلة إعلامية يحمل قادتها الوعي، والمهنية، والاحتراف، تفوق آلة الخصم الإعلامية وتنشر فيه الرعب وتفتت فيه الروح المعنوية وتهزمه قبل الهزيمة وتسحبه قسراً إما إلى الاستسلام أو الجلوس على طاولة المفاوضات أو الفرار من ساحات الحرب إلى بلدان أخرى يجد فيها الأمان من حتمية المحاكمة وشرور الانتقام.

نعم الحرب المنتصرة دائماً تخرج بحمولاتٍ ثقيلة من الديون والآلام والجراح وعظيم الخراب، وفي المقابل تخرج بقاعدة صناعية وعلمية وعسكرية، تفوق أضعاف ما كانت عليه قبل بدايتها، على غرار ما حصل للجيش الروسي عقب الحرب العالمية الثانية من تطور أرعب الغرب حتى اليوم، وحروب عراق صدام حسين مع الفرس في نهاية القرن الماضي وخروجه بصناعة عسكرية وعقول علمية أخافت كل الغرب من ديمومته واستمرار تفوقه وتهديد مصالحه، وغيرها من الشعوب التي انتصرت في الحروب.

الثقافة البرجماتية التي سكنت قلوب جل القادة في مختلف المجالات في السلم وأثناء الحرب هي الداء والعضال المستدام الذي تعاني منه اليمن، في حربها التاريخية ضد العدو الفارسي وأذنابه ومخالبه في اليمن، فإما أن تحافظ اليمن والدول من حولها على عروبتها ودينها وتاريخها وهويتها. وكمورد عربي للعروبة والأصالة وقبلة تاريخية وحضارية لكل العرب، وإما الانزلاق في دهاليز الفرس والخرافة الدينية والتشيع واللطم والنياحة على خلافات بين أقوام تحاربوا قبل اربع عشر قرناً، على السلطة وهم  من قبيلة واحدة وأبناء عمومة، ليس لباقي المسلمين في العالم فيها لا ناقة ولا جمل، وصارت مركباً لكل صاحب هوى في السيادة والتسلط على أموال الناس ورقابهم تحديداً في محيطنا العربي الذي بات أرضيةً خصبة نتيجة للشتات لكل تلك الخرافات. غير أن الشعب اليمني سينتصر لأن الحكم قبول شعبي وما بُني نظام حكم على الظلم والاستقواء إلا سقط وهوى وإن غداً لناظره لقريب