الشرعية قيمة نبيلة يقطرها جسم فاسد !!
قبل 1 شهر, 12 يوم

رهان اكثر اليمنيين على الشرعية، منذ وقت مبكر قام في الاصل على القيمة الاخلاقية التي تحملها ،وهي استعادة الدولة وانهاء مظاهر الانقلاب، واعادة الاعتبار للشراكة والمواطنة، وانحيازهم في البداية للتدخل العسكري لدول التحالف  انبنى ايضا على كونه يدعم هذه الشرعية ،على طرف منقلِب على مخرجات مؤتمر الحوار، الذي مثَّل الحد الادنى من طموح اليمنيين في بناء دولتهم، الذي عمد  نظام صالح بتحالفه الديني والقبلي والرأس مال الطفيلي على تحويلها الى اقطاعية عائلية فاسدة، لا تعمل ضمن افق وطني ، وتعمل فقط بموجبات غرائزها المنفلتة في التكسب والاستبداد.

ولان الشريك الفاعل في هذا الانقلاب كانت منظومة صالح المغلقة، بعد ان بدأ تطييف تحالفه التاريخي بالتصدع ابتداء من العام 2006 حين قرر منفردا توريث ابنه البلد على حساب من ظنوا اركانه الراسخة قبليا ومناطقيا " حاشد بيت الاحمر وسنحان علي محسن" ، بذات الطريقة التي اعتمدها الامام يحي اواسط الثلاثينيات بالتخلص من شركائه الهاشميين "بيت الوزير" وتركيز ابنائه السيوف في مفاصل الدولة والويتها ، بعد ان شعر ان الابناء قد كبروا، وباستطاعتهم حماية ملكه وارثهم فيه.

وجد اليمنيون انفسهم في معمعة حرب  لم يتدبروا امرهم حيالها، وهم الذين انهكتهم ازمات الحكم والادارة منذ عقود، ورأوا في شعارات الشرعية   ومن ورائها التحالف تطمينا لهم، فانخرط الكثير من الشبان في معارك التحرير واستعادة الدولة.. استبشروا كثيرا في تخليص الجنوب من تحالف الانقلاب، وفي استرداد الشرعية لأجزاء واسعة من تعز والجوف  ، ومن عدم بلوغ الانقلابيين مأرب..

 لكن بعد عام  بدأت تتكشف طبقة متماسكة من المتحاربين على المتراسين، تجاوزت حساسيتها المناطقية والمذهبية وضغائن الثأر .  هذه الطبقة  استفادت من  جملة الازمات ،التي بدأت تطحن اليمنيين مثل انقطاع المرتبات وازمة المشتقات النفطية وتجارة مواد الاغاثة والمضاربة بالعملة والتهريب.

الحرب ، بوصفها فعل داخل  دوائر التاثير الضيقة لهذه الطبقة ورؤوسها الذين يعملون كوكلاء للراعاة الاقليميين، بدأت  تسلك طرقا اخرى، ليس بينها  انهاء الانقلاب ، والاوضح فيها صار اعادة ترسيم الجغرافيا برغبات المتحاربين وتموضعات قواهم على الارض، وصار لكل طرف داخل كتلة الحرب  قوته (الخشنة والناعمة)  ،التي تحافظ على مصالحه بعيدا عن الرغبة في استعادة الدولة ، وانهاء عذابات المكتوين بنار الحرب من الجرحى والنازحين والمكلومين والجوعى الكثر.

اتضح ان الفاعلين في شبكات الفساد  ، والذين لا يريدون للحرب ان تنتهي بالحسم او التسوية،  ليس فقط الوكلاء المحليين داخل هذه الطبقة ، وانما راسموا القرار التنفيذيون في التحالف وموظفون امميون يعملون بتنسيق تام مع نافذين في الشرعية والانقلاب والتحالف.

نافذو الشرعية هم في الاصل رموز النظام التاريخيين، الذين ارتبطت دوائر الفساد وتشبيكاتها بهم كأسماء لسنوات طويلة واعاد التحالف تدويرهم في مفاصل الشرعية، بعد ان حاول  تنصيع صورهم من جديد،  فصاروا هم الجسم الذي يقطر القيمة الاخلاقية الكبيرة التي اسمها الشرعية . لم يستغرق وقتا طويلا  حتى ابان عن حقيقته  كجسم فاسد ومعطوب، خبره اليمنيون منذ عقود ،  و يعرف هذا الجسم ان انهاء الحرب واحلال السلام في البلاد ،سيتجاوزهم بوصفهم  أوابد  المشكلة ولم يكونوا يوما حملان الحل. لهذا يعملون بكل الطرق على مد الحياة في طرف الانقلاب كلما قرب سقوط مشروعه ، لانهم في الاصل يمدون الحياة لأنفسهم.

هذا الجسم  اعاد استنبات اذرعه الدينية والقبلية ومكنَّها من قيادة الجيش الذي اسماه وطنيا، ويخوض بها ليس حروب تحرير للمناطق التي يسيطر عليها طرف الانقلاب وانما حروب تمكين في محافظات، لا يراد لها ان تكون حاضنة للمشروع الوطني ببعديه السياسي والثقافي كتعز، الذي يعني عدم استقرارها هواستمرار الحرب وتآبيدها، حتى يكون تموضع هذه القوى في خارطة التقاسم في المستقبل  مؤثرا.

لم يمتلك هذا الجسم طوال تاريخه السياسي افقا وطنيا، لإدارة البلاد ، وتعامل مع المسألة الوطنية منذ يوليو 1994 بخفة واعتباط  ونشوة نصر زائف ، ومثل هذه التأسيسات الفجة ،هي التي عبدت طرق الازمات المستعصية والحروب العبثية لتدخل الى كل منزل في البلاد، التي صارت على حافة التفكك.

و طيلة تاريخه المريب ظل تابعا رخوا لمتحكمين اقوى  في الجوار، لهذا هو رخيص جدا في افعاله قبل خطابه، الذي يحاول على الدوام توظيفه للعب على مشاعر البسطاء ورغباتهم ،  ولا يجيد سوى افراغ نقائصه في هذا العبث والدم.

التعويل على هذه القوى  في ان تكون صوتا للحق الجمعي، وقاطرة للحلم الذي يتغشى كل انسان على هذه الارض ، ومواضع النزوح في الشتات الجغرافي اشبه بمن " يسهن من الفرخة لبن"(*)، كما يقول مثل الاستحالة الذي يجري على السنة العامة في اليمن.

(*) يرتجي حليبا من دجاجة.