القيل خالد الدُعَيسْ شهيداً..في سجلات الأوائل
قبل 3 شهر, 18 يوم

ما أصعب الولوج إلى نظم القصيدة أو الشروع في خطِ مقال يقف فيه الشاعر أو الكاتب إزاء رجلٍ شربته أرواح الناس رثاءً وكتابةً، مدحاً وتمجيد، كونه قامة وطنيةً أضحت الكتابة والرثاء في حقها دموعٌ تنهمر وقلوبٌ مكلومة تستحق العزاء..

لم أسمع بالقيل خالد الدعيس كثيراً من قبل إلا بعد ارتقاء روحه إلى بارئها في قلب طائرٍ تحمله أجنحة المحبين إلى الفردوس الأعلى، وبعد أن قرأت بكائيات عمالقة الكتابة والشعر وهم ينتحبون عليه كتابة وقصيدةً ومقال، وبعد أن رأيت جل أرباب القلم والكتابة الوطنية حاملي هموم الوطن ينقشون في جدار ذاكرة التاريخ حروف اسمه ويمهرون مواقفه البطولية ومهاراته الشخصية شجاعة، فداء، شعراً، ثقافةً وأدب، وبطولاته الميدانية دفاعاً عن أرضه ومهد عروبته وموطن آبائه وأجداده، وهو سليل أسرة وطنية كان لها مواقف وطنية بالغة الإخلاص، وفي كل موقف كانوا فرساناً ولهم فيه ميداناً وقلم.

  من أولئك الكتاب القيل خالد الرويشان والقيل سام الغباري والقيل همدان العليي والقيل مصطفى محمود الشميري والقيل حافظ مطير والشاعر عبدالله السعيدي وغيرهم كثر لا يتسع المقام لذكرهم تحدت  كل جبابرة السلالة الهاشمية وأذنابها..

وعندما أزمعت على الكتابة في حق الشهيد خالد جالت في أفقي كل قصائد الرثاء فأدمت جوارحي وشغاف قلبي، ناجيت من خلالها روح الشهيد، قصيدة الشاعر محمد مهدي الجواهري وهو يرثي زوجته أم فرات "قد يقتل الحزن من أحبابه بعدوا عنه، فكيف بمن أحباب فقدوا"  وقصيدة الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد وهو يرثي الشهيد صدام حسين " لستُ أرثيك لا يجوزُ الرثاءُ كيف يُرثى الجلالُ والكبرياءُ " وقصيدة الخنساء وهي ترثي أخاها صخر " حمالُ ألويةٍ هبَّاطُ أودية شهادُ أنديةٍ للجيش جرارُ...وإن صخراً لتأتمُ الهداةُ به كأنَّهُ علمٌ في رأسه نارُ " ثم تذكرت قصيدة حمود الصوفي للراحل علي صالح وهو ينعيه إخلاصاً منه ووفاء..

لأن الرجل يعظُمُ حتماً في أعين الناس إذا كان شجاعاً براً بوطنه وذا همة عالية ومن أفذاذ قومه، رفاقه ومحبيه، حيث يجعل الشعراء قادرين على الرثاء والكُتَّاب لديهم مادة يكتبون عليها، كتب القيل خالد الرويشان عن الشهيد خالد في صفحته أنه زاره في بيته قبل أربع سنوات عقب تخرجه من الثانوية العامة، فوجد أمامه شاباً يافعاً شاعراً مضبوطاً يكتب القصيدة العمودية ويجيد الشعر الحميني ملماً بتاريخ بلده ومآسي السلالة الإمامية وما أحدثته في اليمن وكل ما يدور حوله من أمور السياسة والأدب والفن، فراعني ما كتب الرجل وزاد هيامي حزناً وأساً على موت الشهيد، ذكَّرني رحيله بعدها باستشهاد الأستاذ نايف الجماعي واللواء عبدالرب الشدادي والعميد حميد القشيبي وبغيرهم من قامات الوطن في رحاب الخالدين.

لقد أيقض استشهادك يا خالد روحي وكل جوارحي تجاه اليمن المسجى على سرير المرض وأيقنت بأنها منبت القامات الوطنية وولادة الرجال وأن جراحها يوماً لامحالة سيُشفى. تذكرت ثوار ثورة 26 من سبتمبر ورجالها الذين طالتهم أيادي الغدر والخيانة عقب انتصارهم على فلول الإمامة ولم ينالوا حقهم ممن حكم اليمن بعدهم، وغمس كلتا يداه في خيرات الثورة ونعيمها دون عناء، تذكرت رحيل البعض منهم وهم شباب أمثالك يا خالد، لم يتزوجوا ولم يمتلكوا شبراً أو مسكناً خاصاً بهم من أرض الوطن إلا تراب قبورهم.

وعليه يجب أن تكون وأقرانك يا خالد نجوماً للهدى وأعلاماً للوطن يتذكر كل المقاتلين في جيش اليمن الجمهوري بطولاتكم فيلتهبون حماسةً، صبراً، وثباتاً على رؤوس الجبال والسواحل والسهول، ويشربون المنايا كشرب الزلال، يتوجون بالنصر هام كل حرٍ مظلوم إكليلةً وشجاع. كما يجب على كل القيادات السياسية والعسكرية تذكركم كلما نَعُمتْ بأفراح الانتصار بعد عودتها من المنافي القسرية إلى أرض الوطن، وكل من تربع كراسي المسؤولية بعدكم، وكلما خطرت في بالهم مآسي الانقلاب السلالي الهاشمي الغاشم على طموحات الشعب اليمني ومخرجات حواره الوطني، وعلى وزارة الثقافة والتربية والتعليم والتعليم العالي أن تخلِّد ذكراكم وتعتني بأولادكم وتسطر بطولاتكم في أسفار التاريخ حتى تبقى مورداً وطنياً للأجيال اليمنية القادمة.

من قصيدة رثاء الشهيد، للقيل الشاعر عامر السعيدي

أودعُ فيك اليوم روحي وراحتي*** وأبكيك أمّاً يا صديقي ووالدا

أودعُ في عينيكْ ما لا أقوله * وما قلته فيها وما زال شاردا

أودعُ فيك الحق إلا فضيلةً * يعيش بها الأبطال فينا أماجدا

سنلقى لنا في كل جرحٍ كرامةً * وإنْ لم نجد فيها بكيلاً وحاشدا

ومثلك لا تُنسى بلادٌ ولا ترى*** كمثلكَ في الميدان صلباً معاندا