بوتفليقه (حكاية الرئيس والعراف)
قبل 7 يوم, 15 ساعة

في بلد حكمته الكاهنة من كهفا في أقصى جبال  الأوراس ، كان لا بد لصيرورة الحكم أن يتمدد ويجتر وراءه  قرونا أخرى  وأزمنة متوالية،  للكاهنة قوانينها اللا مرئية التي تسكن الأمكنة دون أن  تستشعرها النفوس ،  لكنها تكون أشبه بالخطيئة المحمولة على هودج لذلك الهقار الذي يطوي  الصحراء الكبرى برغم العواصف والرمال المتحركة ،عندها تصير الحياة بكل تعقيداتها وصراعاتها  أشبه بأحجية لايجيد فك رموزها الإ من يحرسون  الأضرحة ، إنها الميثيولوجيا التي تحكمنا منذ قرون ،  الرئيس عبد العزيز بوتفليقه أحد دهات العصر  وأحد رموز المرحلة البومدينية التي حكمت الجزائر طوال عقد ونيف  ، له قصته مع العرافين مثله في ذلك مثل غاندي وذو الفقار علي بوتو ،   قيل أن أحد العرافين  المغاربة  يوم مولده في وجدة المغربية  نظر إليه  قائلا أن هذا المولود سيكون له شأن كبير ذات يوم ، لكن  العراف  لم يكن يدور في ذهنه أنه  سيكون  الرئيس العاشر للجزائر ذات يوم وعلى رأس هرم السلطة في واحد من أقوى دول القارة الأفريقية  ، مقدمات الصعود كانت بإنخراطه المبكر في صفوف حزب جبهة التحرير الوطني الجزائري قبل أن يكمل عقده الثاني ، صدقت نبوءة العراف فقبل  وبدء الصعود إلى المشهد أن يكمل عقده الثالث كان أحد أشهر وزراء الخارجية في تاريخ العرب المعاصر ، وأحد أهم المقربين  بالراحل الكبير  هواري بومدين  ووزيرا لخارجيته منذ مجيئه للسلطة في  1965م عندما انقلب على رفيق دربه في النضال أحمد بن بلة ، منذ ذلك التاريخ  دخل بوتفليقه في دائرة صناعة القرار في جزائر الإستقلال ولم يخرج منه إلى يومنا هذا ، كان بارعاً في فك  الطلاسم والأحجية لمنظومة الحكم المعقدة ،أمازيغي ومن نسل الكاهنة تلك المرأة النسطورية التي حكمت الجزائر بتلك الحالة من السطوة النادرة ووقفت بقوة في وجه جيوش الفتح الإسلامي بقيادة حسان ابن النعمان ، لكنه كان عروبيا الهوى مدينيي التوجه والمدينية في الجزائر تعني العروبة والتقدمية والإشتراكية والأممية  بكافة مشاربها الورية والتحررية  ، الدهاء والذكاء المتّوقد الذي لا يعرف الانطفاء هو الذي دفع هواري بومدين لاختاره ضمن الدائرة الضيقة للحكم   أمثال المحساس ومحمد صالح يحياوي وآخرين لكن بوتفليقه ظل هو الأقرب إلى قلب بومدين حتى آخر أيامه كان بومدين يطمئن إليه كأحد أقرب معاونيه ، أثناء قمة دول الصمود والتصدي في بغداد عام 1978 شعر الرئيس بومدين لأول مرة بوعكة صحية وفجاءة دخل في حالة غيبوبة تم على اثر ذلك نقل الرئيس إلى الجزائر في المقصورة الرئاسية كان بوتفليقة بجانب الرئيس بعدها بيومين تم نقله إلى  موسكو لتلقي العلاج ، عندما كان الرئيس يرقد في إحدى مستشفيات الأتحاد السوفيتي لم يكن يسمح لأحد بالبقاء إلى جانبه سوى وزير خارجيته "بوتفليقه " وبين الفينة والأخرى كان يفقد الوعي فيأتيه ذلك الصوت الجهوري الممتزج بالحزن والألم مخاطبا :سيدي الرئيس هل تسمعني فإذا تجاوب بومدين حرك أحد أصابعه أو أومئأ بإشارة خفيفة من رأسه بنعم وهنا يشعر سعادة الوزير بفرحة لا توصف ويدلي بتصريح يؤكد أن فخامة الرئيس القائد يتحسن ، لكن القدر دائما ما تكون له الكلمة الأقوى عندما توفي الرئيس يقال بأن بوتفليقه والقيادات العليا في ذلك الوقت وحرصا على استقرار الجزائر العملاق العربي الأفريقي اخفوا تاريخ وفاته حتى يتسنى لهم ترتيب البيت الجزائري فبومدين شخصية تاريخية عظيمة يمكن أن يسبب إعلان وفاتها السريع دون ترتيب البيت الجزائري مشكلة لايمكن تداركها  ، أثناء مراسم التشييع بدى الحزن والتأر الشديد على  وجه عبدالعزيز بوتفليقة  قال بوتفليقه في خطاب الوداع ""بأرواحنا نفديك لو كان يقبل منا الفداء ""  رحل بومدين تاركا خلفه نظاما سياسيا على درجة عالية من التنظيم وجيش وحزب فاعل مسيطر على الحياة السياسية وليس هناك صوت أقوى من صوت الحزب والجيش ،لكن بومدين ترك شيئا آخر لايمكن توقعه : ترك وصية وضعت في صندوق يشبه صندوق ملوك الجان لا يعرفه إلا العرافون ولا تحكي عنه الا الرهبان او أولئك الذين أدمنوا قراءة الكف  كابراً عن كابر الوصية التي تركها بومدين والتي لم يكن أحد يدري عنها شيئا تنص على الآتي الرئيس القادم من بعدي هو عبد العزيز بوتفليقه وصيتي لجيش التحرير ولحزب جبهة التحرير ان يكون السيد عبد العزيز بوتفليقه هو الرئيس من بعدي ويقال أن الوصية كتبت بخط يد الرئيس هواري بومدين بعد أن تأكد من خلال التقارير الطبية ان أيامه باتت معدودة وقد حرص الرئيس الراحل أن يؤكد في وصيته على عدم حدوث أي فراغ دستوري في رأس السلطة ولشعوره القوي ومعرفته التامة أن وجود شخصية محنكة مثل بوتفليقه في رأس السلطة سوف يحافظ على التجربة وعلى خط الرئيس بومدين وسيعمق التجربة البومدينية في أوساط الجماهير كونه الشخص الأكثر التصاقا ببومدين الذي أعطاه سر التركيبة الكيميائية للجزائر المعقدة فهو الأكثر دراية وقربا لمشروع بومدين الحضاري ، الغريب أن كل ماجرى كان طي الكتمان اخذ الرئيس الوصية وناولها لأحد أفراد أسرته وضعوها في صندوق في بيت الراحل أم في القصر الله وحده أعلم ، وسارت الأمور بالشكل الذي رسم لها من قادة الجيش والحزب والمخابرات تم الإتصال بالعقيد الشاذلي بن جديد قائد  منطقة الجزائر العسكرية  طُلبوا منه التوجه إلى التلفزة الوطنية ليجد هناك بعض جنرالات الجيش أعطوه بيانا لإذاعته وهكذا صار بن جديد رئيسا للجمهورية خلفا لبومدين دون أن تكون الرئاسة يوماً ضمن طموحاته ، أما بوتفليقه فكان العام 1980م عاما لمغادرته الجزائر إلى فرنسا واستمرت الحال على ماهي عليه  في الجزائر التي ستشهد في أواخر الثمانينيات من القرن المنفرط  بداية الزلزال السياسي مظاهرات السادس من اكتوبر 1988م التي أنذرت الحكم بقيادة بن جديد بوجود خلل وانحراف عن مسيرة ونهج بومدين لم يفعل بن جديد سوى تقديم التنازلات لمجموعات الفيس للسيطرة على البلاد على حساب القوى الأخرى نفس مشروع السادات وعلي  عبدالله صالح في الاستعانة بالإخوان المسلمين ضد القوى التقدمية لتنكشف حالة الاعورار الكبيرة في بداية التسعينيات من خلال نتائج الانتخابات البرلمانية وباقي القصة معروفة مجئ مجموعة من الرؤساء قتل من قتل وترك البعض السلطة تحت ضغط الجنرالات ، في ذلك السياق التاريخي كان بوتفليقه يتجول بين باريس وعدن عاصمة الدولة الماركسية  في جنوب اليمن التي كانت أحد حلفاء الجزائر في المرحلة "البومدينية " وذات يوم وفي  أثناء زيارة إلى شمال اليمن  وفي تهامة  المنطقة التي تزخر بالتصّوف وأضرحة الأولياء التي كان بوتفليقة يتردد عليها ليريح النفس من متاعب المنفى  وجد بوتفليقه ذلك العّراف الشهير مصادفة وأقول مصادفة  فهو لم يكن يؤمن بمثل تلك الثقافة التي تشجع على ارتياد دنيا العرافيين كونه علمانيا اشتراكيا قوميا عربيا أقول وجد احد العرافين من أبناء المنطقة ويقال أن العراف التهامي  هوالذي أخبره بأن هناك وصية من الرئيس الراحل هواري بومدين بأن يكون هو الرئيس للجزائر بعد رحيله وان هناك شخصا في تهامة اليمن قادر أن يدله على المكان الصحيح لتلك الوصية وبالفعل ما أن وصل الى  جنوب تهامة "زبيد" عاصمة العلم والعلماء منذ الأزل حتى  بدأ بسؤال أصدقاءه عن ذلك الشخص الذي يستطيع أن يدله على مكان الوصية اللغز استمر بوتفليقه في المكان أربعة أشهر ويومها حضر العديد من الفعاليات السياسية في المحافظة الساحلية حتى استدل على عراف شهير في منطقة "الجراحي " جنوب محافظة الحديدة التقى به وابلغه الرجل الطريقة المثلى التي يمكن من خلالها الحصول على  "الوصية " وبالفعل كانت الطريقة هي أن يذهب إلى مسجد وضريح "اويس القرني " في منطقة التريبة التابعة اداريا لمدينة زبيد وهناك عندما ذهب وبينما هو مستغرق في النوم جاء إليه الشيخ الجليل ليخبره مكان الوصية وفي أي صندوق هي وبالفعل تحرك بوتفليقه الى الجزائر والتقى بكبار جنرالات الجيش وتعاون الجميع في تنفيذ وصية القائد الراحل ، ويومها كانت التحالفات قد بدأت بالتغير والجزائر تحتاج إلى منقذ من تداعيات العشرية السوداء وسنوات الجمر ، قال القدر كلمته  و صار بوتفليقه رئيسا للجزائر قد يعتقد البعض أننا من ممتهني "الميثيولوجيا " أو من مريدي الخرافة أبدا هذه قصة واقعية وفخامة الرئيس يعرف ذلك وأصدقاء الرئيس بوتفليقه في اليمن وفي مدينة الحديدة اليمنية يعرفون ذلك ولازالوا على قيد الحياة كما ان العراف موجود وهذه القصة الواقعية دليل على حب الله ولطفه بالشعب الجزائري حيث قيض له شخصية قيادية بروعة الرئيس بوتفليقه لقيادته وهي دلالة واضحة على النظرة الثاقبة للرئيس الراحل هواري بومدين ، الآن وبعد أن أعلن الرئيس بوتفليقه عدم ترشحه لعهدة رئاسية خامسة على الجميع أن يدرك أن قدر الجزائر أن تنهض من جديد دون أن تسئ للرجل ولتاريخه ، على الجزائريين أن يثقوا في هذا القائد الذي رسم ملامح الغد للجزائر ولديه القدرة أن يعيد تموضع القوى الوطنية بأقل الخسائر الممكنة  فقط أعطوه الفرصة لترتيب الأوضاع قبل أن يغادر المشهد ،حما الله الجزائر وشعبها العظيم .

•           صحفي يمني مستقل

•           رئيس المركز الدولي للإعلام والعلاقات العامة IMC