قراءة إجمالية في مسودة الرؤية الحوثية لبناء الدولة اليمنية
قبل 8 شهر, 10 يوم

قدم المجلس السياسي الأعلى للحوثيين في صنعاء مسودة الرؤية لبناء الدولة اليمنية الحديثة والتي تبين تصورهم لمشروع بنائها حتى عام 2030م، فيما بدت الرؤية كأنها تقليد ومحاكاة للخطة السعودية التي تبناها الملك سلمان هو وابنه، ولي عهده محمد بن سلمان متلقفا إياها من سيدته أمريكا، وهو ما يوحي بأن الحوثيين والسعودية تجمعهم عمالة واحدة هي العمالة لأمريكا المجرمة.

أما بخصوص هذه الرؤية التي تقدم بها الحوثيون فهي رؤية علمانية بامتياز، حيث لم يكن للإسلام فيها من نصيب سواء على مستوى المرجعية أو على مستوى التفريع، فمرجعيات هذه المسودة هي دستور الجمهورية اليمنية في عهد الرئيس السابق علي صالح الذي قتله الحوثيون، ذلك الدستور الذي نقضه حزب التحرير في حينه وأصدر في نقضه كتيبا بيّن فيه حقيقة ذلك الدستور وأنه لا يصلح دستورا لدولة إسلامية؛ إذ مرجعتيه ومواده مخالفة للإسلام، وهو دستور مبني على الحل الوسط أي على المبدأ الرأسمالي الغربي، ولم تنبثق مواده في كل جزئية منها من العقيدة الإسلامية التي يعتنقها أهل اليمن، وكذلك جعلت إحدى مرجعيات المسودة هي مخرجات الحوار الوطني الذي رعته الدول الغربية الاستعمارية وعلى رأسها أمريكا في فترة ما قبل الحرب الحالية بين المتصارعين المتآمرين على البلاد والعباد، وهي مخرجات علمانية تفصل الدين عن الحياة وتجرّم قيام أحزاب على أساس الإسلام، كما وتتيح الحريات العامة ومنها حرية الردّة وتنادي بدولة مدنية حديثة، ومعلوم أن مصطلح الدولة المدنية إنما هو مصطلح نشأ في الغرب وله تعريف محدد لا يخرج عن معنى العلمانية وهي فصل الدين عن الحياة وجعل الدين مجرد عقائد وعبادات وشعائر دينية فقط، فواقع المسودة المقدمة وواقع مخرجات الحوار الوطني إنما سار في تفريعاته على ذلك الأساس من فصل الدين عن الحياة، حتى إنه لم يتم ذكر الإسلام كمرجعية ولا حتى ورد فيه ذكر الإسلام أو الشرع الإسلامي أو القرآن والسنة - وهما مصدرا الوحي - حتى ككلمة؟!

لقد خدع الحوثيون أتباعهم بشعارات آل البيت والمسيرة القرآنية، وأكثر سيدهم عبد الملك الحوثي في محاضراته من كلمة (القرآن منهاج حياة)، وكم سطروا ذلك على الجدران واللوحات الكبيرة في الشوارع، إلا أن ذلك مجرد خداع واستعطاف للناس باسم تطبيق الإسلام وأحكامه لأن أهل اليمن يتشوقون إلى الحكم بالإسلام والعيش في ظله في دولة إسلامية حقيقية، وكم تكون الفضيحة مخزية حين تنجلي تلك الشعارات والصرخات الجوفاء وتتبين حقيقتها وقت ممارسة الحكم وحين وضع المشروع الذي يتصوره هؤلاء الحوثيون؛ حيث تبين أنه مشروع علماني مهما تلبس بالإسلام أو بشعار الموت لأمريكا راعية الأنظمة الجمهورية التي سبق وأن دعمت ثورة الخميني مؤسس الجمهورية الإيرانية ذات النعرة الفارسية، وها هم أتباع إيران يعلنون عن النهج الجمهوري العلماني نفسه تأسيا بإيران وسيرا في المشروع الأمريكي في المنطقة، كما عبرت مسودتهم عن القيام بمحاربة (الإرهاب) كما تريد سيدتهم أمريكا.

إن محمداً رسول الله ( لم يكن جمهوريا ولا اشتراكيا ولا ديمقراطيا ولا علمانيا، ولكن كان على دين الإسلام الذي أوحى له به الله سبحانه وتعالى، عقيدة وأحكاما، يحمل نظاما منبثقا عن عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، متميزاً عن غيره من أنظمة الحياة في الشكل والمضمون، كيف لا وهو من لدن اللطيف الخبير.

لقد قلنا سابقا في بيان أصدره المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية اليمن، وذلك حين ظهرت مسودة الحوار الوطني، أي قبل الحرب الحالية بسنة وبضعة أشهر بتاريخ 29/1/2014م ما يلي:

(لسنا هنا في صدد تفنيد مخرجات الحوار مادةً مادة، فأبسط نظرة إلى هذا الحوار ومخرجاته لتدل على تهافته وبطلانه إذا حوكمت بميزان الإسلام؛ فهذه المخرجات لم يكن أساسها الشرع بل إن الأساس الذي بنيت عليه هو الحل الوسط، عقيدة فصل الدين عن الحياة "عن تنظيم شئونها"، ليس ذلك غريباً؛ حيث يعلم أهل اليمن والعالم أن الراعي لذلك الحوار من دول الغرب عاجزة في ذاتها أن ترعى شؤون أهلها إلا بالمكر والدسائس والاستعمار الذي يمتص دماء الشعوب، وحين خاف هذا المستعمر بأشكاله المختلفة على مصالحه في بلاد المسلمين وخاصة اليمن بما حباها الله من ثروات، إذا به يهدد أهل اليمن بخيارين كلاهما مرّ؛ إما الحوار - والرضا بمخرجاته - وإما الحرب الأهلية، ليصرف أذهان الناس عن الحل الصحيح بقلع النظام الرأسمالي وإقامة نظام الإسلام في ظل خلافة راشدة.)، وها هو قد وقع ما حذرنا منه وكشفنا أهدافه، حيث كانت الحرب الإجرامية في اليمن، حيث تريد أمريكا أن تصل بهذا الصراع وبهذه الحرب إلى تمرير هذه المخرجات الخبيثة في اليمن، منفرة المسلمين في اليمن من الجماعات المتصارعة المتقاتلة المتدثرة بشعارات الإسلام، وقد بات العلمانيون فرحين بذلك مُلقي اللوم في ذلك الصراع على الإسلام ليعيدوا إلى العلمانية الهالكة نفَسَها من جديد بعد أن ثار أهل اليمن على الظلم الذي كرسته تلك الأنظمة والدساتير الوضعية لعقود.

إن الدولة المدنية التي تنادي بها المسودة ومخرجات الحوار الوطني إنما هي دولة محاربة لله ولرسوله وللمؤمنين، دولة تعلي الكفر وتمنع الحقوق وتحمي الحريات الشاذة المنسلخة عن الفطرة السليمة، وهي لا تراعي ما يجب أن يكون عليه المجتمع من الطهر والعفة والكرامة وصيانة الحقوق الشرعية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ هي دولة ليس فيها سيادة للشرع، بل السيادة فيها للشعب وعمليا السيادة فيها للحاكم المستبد، فعن أي حكم رشيد تتحدث هذه الرؤية الحوثية العلمانية؟ وهل الحكم الرشيد في ظل منهج غير منهج الإسلام وأحكامه؟! إن منهج الحكم الرشيد هو ذلك المنهج الذي أسسه النبي محمد ( وسار عليه صحابته الكرام في خلافتهم من بعده فكانت خلافتهم راشدة على منهاج النبوة بحق، ومن وصفهم الله بـ(الراشدون) هم من قال سبحانه وتعالى عنهم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَٰئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، فالراشدون هم من حبب الله إليهم الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان وليس براشد من يطالب بدولة مدنية ليكرس منهج فصل الإسلام عن الحياة الذي سار عليه من سبقه من الحكام الطغاة، إن الراشدين هم من يبغضون الكفر والفسوق والعصيان، فعن أي رشد يتحدث هؤلاء الذين يشرعنون ويبيحون الكفر والفسوق والعصيان وهم يعلمون؟!

إن من لا يمتلك مشروعا عمليا مستمدا من كتاب الله وسنة رسوله إنما هو مفلس ومضلل مهما رفع من شعارات تستعطف الناس باسم الإسلام، وها هي الجماعة الحوثية بعد أن استخدمت آيات الله في قتالها الذي تزعم أنه جهاد مقدس فإذا هو في حقيقته قتال من أجل السلطة والثروة خدمة لأمريكا الاستعمارية في وجه بريطانيا وعملائها الطرف الآخر في صراع اليمن، وهي لم تكتف بذلك فقد وصفت خصومها بالمنافقين والمرجفين وأنزلت فيهم آيات الله التي هي في حق الكفار والمنافقين في عهد الرسول الأمين، وسجنت وبطشت وأهلكت البلاد والعباد وهي تسيء للإسلام ولرسول الإسلام ( ولمن تبعه من آل البيت عليهم السلام والصحب الكرام رضوان الله عليهم، فهي بأعمالها وجرائمها تصور الإسلام أنه مشروع قتل واقتتال بين المسلمين كحال من تسميهم هذه الجماعة (بالتكفيريين)، مع أن الإسلام دين عظيم أتى رحمة للعالمين يعالج مشكلات الحياة بأسرها ويحمل حملا واعيا مسؤولا بالدعوة قبل الجهاد، وهو دين يحرم الاقتتال بين المسلمين ويحرم السجن والتعذيب والاختطاف والإهانة والترويع والقتل للمسلمين وغير المسلمين إلا بالحق المبين في ظل محاكمة شرعية عادلة ودولة إسلامية راشدة.

إن هذه الجماعة كحال خصومها من الظلم والفساد إن لم تكن أشد، وهيهات من كانت هذه حاله أن ينشئ دولة يتحقق بها النصر والتمكين لهذا الدين الإسلامي العظيم، وقد وضع حزب التحرير بين يدي الأمة مشروعا إسلاميا يحقق النهضة والعزة والأمن والأمان، مشروعا مستمدا من عقيدة الإسلام في كل جزئية من أجزائه وفي كل لبنة من لبناته، داعيا أهل اليمن والأمة الإسلامية للاطلاع عليه والعمل به والسير معه لبناء دولة الإسلام دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؛ إذ فيها الحكم الرشيد والعيش الرغيد ورضوان من الله أكبر...

﴿إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾

* رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية اليمن