الأحزاب السياسية والانتهازية (1-2)
قبل 4 شهر, 1 يوم

الإهداء/ إلى الرفيق والصديق والقائد الوطني الكبير الأستاذ/علي صالح عباد(مقبل)، وهو في منتهى الإرهاق وتعب العمر ما يزال يقاوم، في أصعب الظروف كان في قلب المواجهة من مقاومة الاستعمار البريطاني بالكفاح المسلح، إلى مقاومة قوى الفساد والاستبداد بالعمل السياسي السلمي الديمقراطي، ولم ينل منه تعب الجسد شيئاً. يقول كلمة الحق في وجه السلطان الجائر دون أن يلتفت للعواقب، واجه علي عبدالله صالح وهو في قمة طغيانه وجهاً لوجه .. ويسأل في كل حين عن أحوال  الحزب وكوادره وقياداته بروح القائد المسؤول عن الجميع ، لم يهرب من المواجهة ومن تحمل المسؤولية في أصعب الظروف بعد حرب 1994م ، كان حاضراً يعيد ترتيب أوضاع الحزب ويقاوم محاولة بيعه وتقسيمه، إلى أن استنهض روح المقاومة في داخله. لم يتخل عن دوره في الحفاظ على وحدة الحزب ودوره المقاوم بطهارة روح القائد الكبير، الذي لم يقبل على نفسه أن يدخل في اللعب الصغيرة ليستمر في الموقع، سواء في قمة السلطة، أو في قيادة الحزب، فقد كان ومايزال كبيرا بمواقفه وبتاريخه النبيل، على عكس البعض اليوم يفرون من ظلهم..يراوغون ويناورون ويساومون على حساب القضايا الوطنية الكبرى، ولذلك هو كبير، يحترمه ويقدره ويجله اعدائه وخصومه، قبل محبيه، لانه أبى على نفسه أن يمسك العصا من المنتصف.. كان وما يزال قائداً بحجم الوطن .

لك مني وكل محبيك كل المنى والتحايا أيها العظيم النبيل.

كثرت وتعددت  وتنوعت وعودهم  الخُلَّبية  بـــِ "السلام" الذي لا يخلو بيان منها، كونهم يدركون أنه سلام لن يأتي، وسيبقى مرفوعاً في حدود الشعار للاستثمار السياسي ليس إلاَّ، على أن حق الناس بالراتب –على سبيل المثال- وهو قضية سياسية اجتماعية حقوقية ملموسة لم يدخل عندهم حتى في نطاق الشعار ، علما أن قضية السلام والراتب وغيرهما من القضايا السياسية والوطنية الملحة، لن تتحول من شعار إلى واقع سوى عبر المقاومة المدنية السلمية ومن داخل أرض الوطن وليس من المهاجر الاختيارية كما هو بالنسبة للبعض، بل من خلال كفاح سياسي مدني ديمقراطي معارض وناقد ضد خطايا سلطتي صنعاء وعدن ، كل بحجم دوره ومسؤوليته.

إن البعض يلوم الشرعية وحكومة عدن المقيمة في الخارج، وهذا صحيح مليون بالمئة، ولكن أليس الأحق والأصح أن يوجه هذا اللوم والنقد أيضاً إلى قيادات أحزاب مسترخية في الخارج، بعد أن استطابت واستمرأت الإقامة و"النضال" من خلال البيانات والشعارات من خارج الحدود، وعبر بيانات مع السفراء الأجانب، بعد أن تخلى القائد  الثوري الحزبي عن دوره السياسي الكفاحي في الميدان وبين جماهير حزبه وشعبه ليتحول الاجتماع بالسفراء إلى الهدف الأساسي، من خلال بيانات يجري تدبيجها وإعلانها عبر وسائط التواصل الاجتماعي، بيانات لا تقول شيئاً، ضمن لعبة سياسية صغيرة/تافهة.. لا يدركون أبعاد مخاطرها ليس على مستقبل أحزابهم بل وعلى مستقبل الوطن كله، أرضاً وشعباً ودولة .

إن تأكيدنا على أن اللوم والنقد يجب أن يوجه للأحزاب السياسية ولقيادات الأحزاب الديمقراطية، لأنها المنوط بها الإصلاح والتغيير، وهي التي يفترض أن تكون حاملة للمشروع السياسي المستقبلي للناس لأن السلطات (الأنظمة) من وظائفها تدعيم حالة الاستقرار (الثبات) وتكريس الحفاظ على وجودها ومصالحها كسلطات سواء تحت مسمى الشرعية أو سلطة الأمر الواقع.

فما بالنا ونحن مع شرعية يتآكل مضمون وجودها السياسي والوطني في كل يوم بفعل قوى داخلية (في الجنوب والشمال) تنازعها السلطة وتصادر حقها في ممارسة دورها كشرعية وتحديداً في المناطق المسمى "محررة"!! وكذا – وهو الأخطر- بفعل قوى خارجية (التحالف السعودي الإماراتي)الذي ينتهك يوميا حقها السياسي في السلطة وفي السيادة وفي الشرعية.

ومن هنا نقدنا للضعف الواضح في الأداء السياسي للأحزاب ولقيادات الأحزاب والنخب الثقافية ومنظمات المجتمع المدني الديمقراطي.

قيادات أحزاب صار وضع بعضها أو معظمها محشوراً بين كماشتي السلطة والمعارضة الديمقراطية، لا هي معارضة خالصة ولا هي سلطة فعلية..  طموح كسل للسلطة، مع التمسك بخيار المعارضة (منزلة بين المنزلتين)، وهنا تكمن أحد أبعاد مشكلتها الذاتية والسياسية والوطنية .

  إن العمل السياسي مع الجهات الخارجية، أيا كانت صفتها، أحزابا، أو دولا، قطعاً هو مفيد وطيب وقد يؤتي بعض الثمار السياسية المحدودة، بحدود حجم تقاطع مصالح أحزابنا  مع حسابات ومصالح هذه الدول، شريطة أن يأتي مكملاً وداعماً ومسانداً للفعل السياسي الداخلي  وليس تعويضا عن تقصيرنا عن الفعل السياسي على الأرض، وبين جماهيرنا الحزبية وفي أوساط الشعب، حين نكون في قلب المواجهة مع عنف الاستبداد ووحشية الإرهاب، ومع الناس الذين هم بحاجة إلينا وهم يقاومون أهوال القهر، وعذابات الجوع والفقر والمجاعات ومصادرة الحريات: من السجن إلى الإخفاء القسري حتى القتل.

 أما دون ذلك، فلا نسميه سوى هروباً من المواجهة للشرط السياسي الفاسد، الذي يستدعيه ويستوجبه شرط التكليف بالمسؤولية الذي أنيط وأوكل إلى قيادات هذه المكونات السياسية التي كان بإمكانها العودة من ثلاث سنوات إلى عدن أو إلى أي مدينة داخل اليمن في الشمال أو الجنوب .

إن أحد أهم تحديات الحاضر المستقبل هو استنهاض الدور السياسي المركزي للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وعلى رأسها عودة قيادات الأحزاب إلى مواقعها الطبيعية ، ساحة الكفاح السياسي المدني الديمقراطي.

ومن لا يجرؤ على ذلك فالأشرف له أن يتنحى  ويستقيل، إحتراماً وتقديراً لكرامة المسؤولية وشرف التكليف الذي عجز عن الوفاء به، فذلك أكرم له ولحزبه ولليمن ..وللتاريخ حكمه القاسي الذي لن يتأخر طويلاً في مثل هذه الحالات.

إن الأمر الأكثر بؤساً بالنسبة لهذه القيادات "النخبوية" في معازلها أو "مهاجرها" الذاتية الخاصة،  أنها لم تقل كلمة سياسية وطنية واحدة مفيدة حول الدور السياسي والعسكري لما يسمى بــــِ "التحالف"!! أين السلب وأين الإيجاب في دورها ؟ ما هو موقفنا السياسي والوطني منها تجاه كل ما يجري في البلاد؟! لم نسمع ولم نقرأ جملة سياسية وطنية يمنية واحدة حول الدور التخريبي والتدميري والاحتلالي للإمارات تحديداً في المحافظات الجنوبية!! والدور السعودي في المهرة !! ولم يصدروا بياناً تضامنياً مع شعبهم المقاوم في محافظتي "المهرة" و"سقطرى"!! لم نقرأ رؤية وموقفا حول الجيوش القبلية المناطقية القروية تحت الأسماء المختلفة في العديد من المحافظات الجنوبية (الحزام الأمني النخبة الشبوانية/ النخبة الحضرمية) وفي غيرها من المحافظات !! جيوش هوياتية (قبلية /قروية/مناطقية)تذكرنا بالجيوش في الفترة الاستعمارية"الانجلو سلاطينية"، جيوش لا صلة لها بواقع مسمى الجيش الوطني ، جيوش تدار وتحرك وتمول من دول خارجية (الامارات) ولأهداف خاصة بها. كما لم نسمع حديثاً عن السجون السرية للإمارات وغيرها، وهو ما تتحدث به هيئات دولية تابعة للأمم المتحد!!، وآخرها تقرير خبراء لجنة العقوبات الدولية يوم الأربعاء 16/1/2019م.

هناك أسئلة سياسية وأمنية عديدة تتصل بقضايا الشأن السياسي العام تتهرب قيادة الأحزاب السياسية من  إعلان موقف سياسي واضح منها، وحولها، ومنها ظاهرة اغتيال الكثير من القيادات السياسية والأمنية والعسكرية والقضائية والدينية طيلة السنتين والنصف الماضيتين، وكلها تتم في قلب المدينة عدن وفي وضح النهار، بداية من اغتيال محافظ عدن الشهيد/البطل اللواء جعفر محمد سعد إلى غيره من رجال الدولة، حتى قضية "الطائرة المسيرة" في معسكر العند التي انفجرت في الجو. ولعله من المهم لفت الانتباه هنا إلى أن  العديد من المصادر الأمنية تشير إلى أن بعض القيادات العسكرية اليمنية التي كانت في احتفال العند كانت مستهدفة من بعض الداخل، ومن  أنه تم تصفية بعضهم بمسدسات كاتم صوت –كما يجري تسريبه- ولا صلة لشظايا الطائرة المسيرة بقتل بعضهم. وما يجعل من هذه الأخبار قابلة للتصديق- إلى أن يحسمها التحقيق الجنائي والقضائي - هو رفض طائرة الإسعاف التي حضرت لأخذ واسعاف الجرحى الموافقة على نقل الشهيد القائد/والعسكري المحنك اللواء محمد صالح الطماح بالطائرة وتركته يقاوم لحظات تعب جراحه حتى لحظة استشهاده.

 وذلك ما يقوله كل الذين كانوا حاضرين مشهد رفض طاقم الطائرة نقله مع اللواء الزنداني .

 

أليست هذه قضايا سياسية وأمنية ووطنية تستحق أن يعلن حولها أكثر من بيان، ومن احتجاج سياسي من المكونات السياسية، على الأقل، والدعوة لفتح تحقيق حول كل ما جرى؟!.

وهناك العديد من القضايا السياسية والوطنية الملحة التي يقفزون عليها، منها على سبيل المثال: من يعيق اجتماع مجلس النواب اليمني، ومن يمنع رئيس الدولة  من العودة إلى عدن ، أو أي منطقة تقع تحت ما يسمى "مناطق محررة"؟! من يمنع تفعيل موانيء البلاد في "المناطق المحررة" ؟! ومن يمنع تحريك عجلة التنمية الاقتصادية للبلاد  وبالذات ما يتعلق بالنفط والغاز"؟! كيف نفهم ونقرأ أن الأمين العام للأمم المتحدة (جريفتش) يوجه الشكر لولي العهد السعودي محمد بن سلمان حول قضية سياسية يمنية خالصة ويتجاهل الحكومة والرئيس الشرعي)؟!وهي اهانة سياسية علنية لكرامتنا وكبرياءنا الوطني، ومس فاضح بمعنى سيادتنا على ارضنا ومن جهة دولية!!اسئلة كثيرة حول  من ، ومن .....إلخ أسئلة سياسية  ووطنية ملحة لا تجيب عنها قيادات المكونات  في أبراج منافيها العاجية.

إن جميع المؤشرات السياسية والاقتصادية والمالية، والحقائق العسكرية الجارية، تقول إن القادم على المدى المنظور هو الأسوأ ، على المستويات كافة ، في واقع غياب الرؤية السياسية وعدم وضوح الأهداف.  ولذلك فإن كل ما يقولونه ليس أكثر من تهريج وبيع للوهم والزيف في رصيف شارع الكلام الفارغ من المعنى ، لشعورهم، بل وادراكهم  أن زمن الفعل ، وإرادة الفعل لدينا ما تزال في حالة سبات  وكمون وتواكل  وانتظار للذي يأتي، ولن يأتي.

هذا ما ينطق به ويعلنه الأداء العاجز لهؤلاء جميعا .

ولذلك نقول:  أين هي المكونات السياسية؟! أين هم أعضاء وجماهير هذه الأحزاب؟! أين دورهم السياسي الناقد والرافض لكل ما يجري؟! أين هو الدور السياسي لقيادات هذه المكونات المنشغلة بهموم ذاتية خاصة بها؟! أو في تفاصيل لا صلة لها بالشأن السياسي  والوطني العام؟! قيادات و"مناضلين" بالمراسلة."عن بعد"( REMOTE ).

ما يزال تاريخ الاستلاب  لإرادة الفعل لدينا وفينا،  يفعل  فعله في استمرار اغترابنا  عن الفعل ، وعن الدفاع عن الحق .

 نحن حتى اللحظة لم ندخل دائرة الدفاع عن الحق والحقوق عامة :  حقنا  في القول والكلمة  والخطاب ، حقنا  في الراتب المغيب،  حقنا في جيش وطني حديث، حقنا في حل سياسي للقضية الجنوبية، وهي أنبل قضية سياسية عادلة في تاريخنا المعاصر !! وهي القضايا السياسية الأولية والمركزية المصادرة . فكيف بنا والفعل الكفاحي للأحزاب السياسية غائب من سنوات أربع حول القضايا الوطنية الكبرى التي المحنا إلى بعضها، بعد أن خذلنا ثورة الشباب (القوة الحية والفاعلة في المجتمع).  نحن حقا نسير على تاريخ ما راكمه وقام به شباب الثورة من تضحيات بالقطع وعدم التواصل مع ما تم مراكمته وانجازه .

كان خذلاننا لشباب الثورة عظيماً ، مع تثبيطنا لعزائمهم ، وعدم دعمنا لهم ووقوفنا السياسي والعملي ضد تحركاتهم الفعلية باتجاه التغيير-بوعي أو بدون قصد-  من بداية رفضهم  السياسي  والعملي للانقلاب وإصرارهم في كل ساعة وحين للنزول للشارع ، وعدم تأييدنا مبادراتهم الثورية الجماهيرية الحية، وكأننا وبصورة غير مباشرة كنا نحاول تدجينهم وتعويدهم على التكيف مع ما هو  قائم مساهمة في ترويضهم وقمعهم معنويا. والدليل على ذلك تقاعسنا عن الدفاع  عن تحركاتهم السياسية ، حين كانوا يتعرضون للضرب والاعتقال ، حتى ببيان سياسي . وأتذكر انني أتصلت بإحدى  هذه القيادات بهذا الخصوص،  فكانت إجابته أنه سيتصل بالجماعة الحوثية؟! وهو ما  كان من الممكن ان يؤسس في حينه لفعل ما.

لن نبكي اليوم على اللبن المسكوب ، ولكن علينا أن نرى نصف الكأس المملوء، ونشتغل على ما هو حاصل من اختمارات واعتمالات وتململات وتحركات تحت الرماد .. "إن مستعظم النار من مستصغر الشرر" .. وكما أعلنها قديماً الشاعر ، الأمير  الأموي / نصر بن  سيار :

أرى  بين  الرماد وميض  جمر/فاحرص أن يكون لها ضرام 

فإن  النار بالعودين تذكي / وأن الحرب أولها الكلام .

 ونحن حتى الآن لانفعل ، ولا نتكلم ، بل إننا لم نقل شيئاً حقيقياً  يترجم موقفنا السياسي بما يوازي الفعل السياسي المطلوب منا، ويسد عجزنا فيه،  خاصة ونحن نعيش في قلب كارثة وطنية صنعها وأنتجها في البداية فعلياً تحالف الانقلاب  والحرب (الإمامة/والجملكية/التوريث) في صورة ثورة مضادة شاملة، وجاء الخارج باطماعه الإحتلالية ليستكمل ما تم البدء به، وهو ما سيكون له تداعيات كارثية علينا جميعا كيمنين، قد تمتد اثاره السلبية لقرون قادمة .