إلى وزير الخارجية مع فائق التقدير
قبل 9 يوم, 15 ساعة

قبل سنوات تناقلت الصحافة العربية  تقريراً نقلاً عن موقع ويكليكس الإلكتروني الشهير وتطرق التقرير إلى الفساد الذي ينخر في مفاصل  الوزارة العريقة وأقول العريقة لأن اليمن من الدول العربية الأقدم في وجود هذه الوزارة بغض النظر عن الشكل والآلية التي كان يعمل بها ذلك الجهاز خلال التسعة عقود زمنية وتحديداً منذ عهد الإمام يحيى بن حميد الدين الذي قاد حركة الاستقلال ضد السلطنة العثمانية ، كان من إنجازات وزارة الخارجية اليمنية إن تكون اليمن أول دولة عربية تقيم علاقات مع إيطاليا وأول دولة عربية تقيم علاقات مع الإتحاد السوفييتي سابقاً ، وأول دولة تدخل إلى عصبة الأمم وحتى قبل العراق الملكي لهذا فالعلم اليمني هو العلم العربي الأول في أعلام الدول العربية، وكانت اليمن بخارجيتها من الدول السبع التي قامت بتأسيس الجامعة العربية ، وعُرف عن الكبسي مندوب اليمن في عهد الإمامة ، أنه كان دائم الصمت ونادراً ما يتحدث في أي موضوع مطروح للنقاش حيث كان يخشى أن يفسر كلامه بطريقة خاطئة تغضب مولاه الإمام ، وذات مره يقال أن سيدة الغناء العربي الراحلة أم كلثوم صعدت إلى المسرح ولم تبدأ الغناء حسب الوقت المحدد وعندما أعترض الجمهور قالت أنا اليوم كبسي ، وكما هو معلوم للمشتغلين في الشأن السياسي فأن الاحتلال العثماني لليمن عندما غادرها ترك العديد من المؤسسات والإدارات الحكومية أسوة بتلك التي تركها في مصر والعراق والتي قامت على أثرها ملكيات عصرية في بغداد والقاهرة المشكلة في اليمن هي أن الحكم الإمامي إختزل كل المؤسسات في يد المتوكل على الله يحيى ومن بعده ابنه أحمد وهنا تكمن المشكلة فكان النظام الإمامي ممثلاً بالإمام وحده  من يمارس الدبلوماسية نيابة عن وزارة الخارجية المنوط بها فعل ذلك ، ومما يذكر في هذا الصدد إن الإمام يحيى أستقبل مندوب الجامعة العربية وهو من المسيحيين العرب إخوتنا في القومية العربية وكان في نفس الإمام من الرجل الكثير لسبب وحيد وهو أن المندوب تعامل مع اليمن بطريقة رأى فيها الإمام يحيى أنها إهانة لليمن عندما جعل اليمن آخر دولة عربية يزورها من الدول العربية المؤسسة للجامعة العربية  وقتذاك ، الدافع لدى المندوب هو أن زياراته للدول العربية تمت وفق الترتيب الأبجدي لأسماء الدول وهو ما لم يقتنع الإمام به وعندما وصل إلى صنعاء لم يلتقي به الإمام كما فعل عبدالعزيز بن سعود ونظرائه في سوريا والأردن والعراق وبقية الدول الأخرى في نفس اليوم ولم يحضى الرجل بالاستقبال اللائق به فاستبقاه الإمام يحيى أثنا عشر يوماً وفي كل يوم كان القائمون على ضيافة الرجل يوهمونه أنه سيلتقي بالإمام يحيى اليوم حتى تعبت نفسية الرجل كثيراً وعندما شعر الإمام يحيى أن الرجل لم يعد يطيق الوضع الذي هو فيه طلب من وزير خارجيته القاضي الشامي إدخاله وجاء الرجل إلى مجلس الإمام الذي كان ممتلئاً بالعلماء ووجهاء وأعيان المجتمع اليمني في ذلك الحين  الذين غلب عليهم الطابع الديني وجلس بينهم وهنا قام الإمام يحيى باستفزاز الرجل عندما قدمه إلى العلماء بقوله :- مندوب الجامعة العربية سأل الإمام أنت مسلم ولا نصراني فأجاب أنا نصراني وهنا بدأت النظرات ترمق الضيف استنكارا له كيف يكون عربياً ولا يكون مسلماً ؟ وهنا عندما رأى الإمام حالة الحرج التي وصل إليها الضيف بادر بسؤاله :- هل تعرف لماذا سمي المسيح مسيحاً ؟ وشعر الرجل بالحرج كون ثقافته علمانية وليست دينية فأجاب بالنفي وهنا تدخل الإمام ليقول المسيح مسيحاً لأن الله بعث إليه جبريل فمسح على قدميه ولذلك سمي المسيح مسيحاً .

وهكذا قام الإمام بما يمكن وصفها بعملية الحرب الدبلوماسية هدفت الى تقزيم المندوب وتكرر ذلك عندما جاء وفد  الملك عبدالعزيز بن سعود لمناقشة قضايا الحدود حيث كان الإمام يحيى قد تعرف على وجهة النظر السعودية فيما يخص الصراع مع الإدريسي على الأراضي التهامية وتبني ابن سعود وجهة النظر الإدريسية فاستبقى الوفد السعودي قرابة الشهر كنوع من التعبير عن الرفض لوجهة النظر السعودية .

من ذلك يمكن التأكيد أن الحكم الملكي ظل وصياً على الدبلوماسية وعلى اختصاصات الخارجية وهو ما حدث أيضاً في النظام الجمهوري وتحديداً في فترة حكم الرئيس / علي عبدالله صالح الذي أقصى الشخصيات القوية من هذا الجهاز الفعال ومنهم الدكتور / عبدالكريم الإرياني وحتى عبدالقادر باجمال الذي عُرف عنه أنه شخصية تمتلك القدرة على اتخاذ القرار حتى وإن اختلفنا معه ذات يوم ، فعل الرئيس ذلك حتى لا يجد نفسه ذات يوم في وضع يشبه وضع الدكتور : محمد أحمد نعمان الذي اغتيل في لبنان أومحمد الحجري وكلا الشخصيتين تجاوزا لصلاحيات في لحظات فارقة من الزمن  وتجاوز رأس الدولة القاضي الإرياني في قضية معاهدة الطائف حيث وقعا بصورة مبدئية بالتمديد دون أذن من رأس الدولة ، والمعروف أن الرئيس صالح رفض بصورة قاطعة وجهة نظر الدكتور / عبدالكريم الإرياني في قضية ترسيم الحدود مع المملكة السعودية وكان رأيه في ذلك هو الذهاب بالقضية إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي لفض النزاع وهو ما رفضه صالح وقاومه بشدة ، فقد أدى تقزيم دور وزارة الخارجية اليمنية وشل نشاطها إلى إدخال البلاد في أزمات سياسية واقتصادية لم تكن لتحدث لولا أن هناك وصاية فوقية الفت دور الوصاية وجعلت من الفساد يسيطر على مفاصلها بصورة واضحة وفاضحة وعملت بكل ماتمتلك من إمكانيات لتعطيل الأطر المؤسساتية التي تسيٌر عمل الوزارة مما قاد إلى أن تحُل المزاجية في التوظيف وهو ما يمكن فهمه من خلال التركيبية الوظيفية للوزارة وللسلك الدبلوماسي فاليمن هي من الدول التي يشغل فيها العسكريين ورجال الاستخبارات مواقع السفراء والسفراء الغير مقيمين بدلا من الدبلوماسيين الفعليين ففي دولة مثل مصر كان اخر سفير فيها من خارج وزارة والخارجية ومن خارج الإطار الدبلوماسي هو المرحوم الفريق سعدا لدين الشاذلي أما في اليمن فإن الحال مختلف كثيرا لأسباب تتعلق بطبيعة النظام القائم ،

تلك هي  الآلية  التي تدار بها وزارة الخارجية اليمنية وهي كما قلنا تدار بصورة فوقية من رأس النظام ي العهدين الملكي والجمهوري بمعنى أن معظم وزراء الخارجية اليمنية كانوا أشبة بالوكلاء للقصر في العهدين الملكي والجمهوري ، إضافة إلى ضحية العسكرتارية السياسية على القرار من خلال تولي العديد من العسكريين دورهم كسفراء للجمهورية اليمنية وهم من خارج إطار وزارة الخارجية وفي الجزء الثاني  نتناول أزمة الخارجية اليمنية من منظار أخر مغاير وهو ذلك المرتبط بالدور الإقليمي لليمن والذي يفترض أن تقوم  به وزارة الخارجية وهو ما يتطلب وجود إستراتيجية سياسية تتحرك من خلالها مثلها في ذلك مثل العديد من الدول وفي حالة عدم وجود أي رؤية إستراتيجية فيتطلب الأمر هنا خطوط عريضة تتفق وتنسجم مع المشروع السيادي للدولة وفي هذا الصدد فإن الغالب على أداءِ الخارجية اليمنية خلال العقد الأخير الذي سبق العام 2011م هو انعدام الرؤية تماماً على مدى الثمانية عقود الماضية ، ففي العهد الملكي كان الغالب في سياسة اليمن مع العالم الخارجي هو العداء للثقافة الغربية ، وهو ما أتضح من خلال موقف الإمام يحيى حميد الدين من العديد من القضايا وهنا نتذكر مقولته الشهيرة وهي " والله لو نازعني عبدالعزيز عمامتي لما استعنت بأجنبي عليه ، أيضاً صراع الإمام يحيى مع بريطانيا بسبب موضوع الضالع حيث كان الإمام يعتبر الضالع جزءً من مملكته في  جميع الحالات لم يكن للخارجية أي دور يذكر ، في جميع القضايا التي مرت بها اليمن في ذلك العهد حتى وقوف الإمام يحيى إلى جانب الألمان كان بفعل إختزاله للدولة اليمنية في شخصه . وفي الحالة الجمهورية كان النظام الثوري في المرحلة الناصرية وأثناء حكم المشيرعبدالله السلال موالياً بصورة مطلقة للنظام القومي في مصر ، وفي مرحلة الخامس من نوفمبر 1967-1974م كان الولاء المطلق من قبل نظام القاضي عبدالرحمن الإرياني للدول العربية ذات الإعتدال  وعندما حاول إبراهيم الحمدي أن يبتعد عن معسكر الأعتدال العربي وزار سوريا والتقى بالزعيم الليبي الراحل معمر القذافي في قمة كوالالمبور وبدأ يطرح مشروع الردع العربي في لبنان ، ومن ثم مؤتمر دول البحر الأحمر تم اغتياله لأن هذه المرحلة كانت مرحلة نشطة للخارجية اليمنية وهي المرحلة التي شهدت توجها مستقلاً من قبل الحكومة اليمنية وبالطبع كانت مؤامرة الاغتيال الآثمة تهدف إلى إعادة اليمن تحت الوصاية الإقليمية والدولية وأثناء إنعقاد مؤتمر دول البحر الأحمر في تعز كتبت  صحيفة الجارديان  البريطانية  مقالاً تحت عنوان " ظهور عبدالناصر جديد في الوطن العربي ، وقبلها وتحديداً في أكتوبر 1976م أثناء إنعقاد القمة العربية في الرياض استطاع القائد الراحل إبراهيم الحمدي ومن خلال الدبلوماسية النشطة أن يقوم بدور غير عادي وغير مسبوقة في تاريخ العمل الدبلوماسي العربي عندما تمكن من إصلاح ذات البين بين أكثر من عشرة أنظمة عربية ويومها  علق الملك حسين على الدور الفاعل للدبلوماسية اليمنية وللرئيس الحمدي قائلاً  " هذا الزعيم فلته من فلتات  الزمن ولن تتكرر أبداً ، هذه الصفحة من النشاط الدبلوماسي فقدت تماماً وتم وأدها بتواطؤ عربي دولي ، لتحل بعدها مرحلة في قمة السواد والتبعية وهي مرحلة سائدة على مستوى شطري اليمن الولاء المُطلق لهذا الطرف أو ذاك  وسواء في الشمال أو الجنوب  ، الشيء الذي  أفقد الدبلوماسية اليمنية أي دور يمكن لها القيام به وهذه المرحلة إستمرت لسنوات حتى قيام الوحدة اليمنية والتي قامت بعد زيارة الرئيس علي عبدالله صالح إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، والكل يعرف جيداً أن الدبلوماسية اليمنية في الفترة الممتدة من العام 1978م وتحديداً منذ المؤامرة التي تم من خلالها الإطاحة بالقائدين العظيمين للشعب اليمني سالمين والحمدي أن تلك المرحلة هي مرحلة فقر وتصحر سياسي حقيقي تم التمهيد لها من خلال اغتيال أبرز وجوه الخارجية اليمنية محمد أحمد نعمان ومحمد صالح مطيع في الجنوب وإسقاط طائرة الدبلوماسيين في الجنوب وغيرها من الحوادث المأساوية التي سمحت بإدخال ما يمكن أن نطلق عليه " مجموعة الرعب الدبلوماسي" وهي تلك التي سيطرت على المخابرات في الشمال وسيطرت أمن الدولة على القرار السياسي في الجنوب ما قاد إلى أن تصبح الخارجية ضمن هذا الفلك أو ذاك حيث كان الشمال يدور في الفلك الرجعي ويتحالف مع البعث العراقي وفي نفس الوقت كان الجنوب معزولاً حسب رؤية الرئيس ريتشارد نيكسون  الذي قال في مذكراته يجب أن نجعل اليمن الجنوبي جزيرة معزولة عن محيطها الإقليمي ،  تلك الحالة  الإرباك ظهرت بوضوح في أثناء الغزو العراقي لدولة الكويت عندما لوحظ ضبابية الموقف اليمني من الأزمة وقاد ذلك إلى تصويت اليمن عبر الأستاذ / عبدالله الأشطل مندوب اليمن في الأمم المتحدة ضد قرار مجلس الأمن الذي يدين الغزو العراقي للكويت ، وعلى كل حال فقد سجل علي عبدالله صالح ثلاثة مواقف تعد الأقوى في تاريخ الدبلوماسية اليمنية وهي موقفة من الغزو العراقي للكويت ، وموقفه من القرار الذي يدين الجماهيرية الليبية وموقفه من القرار العربي الذي يدين الحكم في سوريا وهو ما يمكن فهمه من خلال هيمنة الرجل الأول في الدولة اليمنية على مؤسسات الخارجية اليمنية وهو ما يقودنا إلى التأكيد أن هناك ثابت وليس هناك تحول في أداء الخارجية اليمنية خلال المراحل الزمنية الممتدة لثمانية عقود من الزمن . خلال المرحلة التي سبقت تفجر الأوضاع في اليمن كانت التركيبة الخاصة بوزارة الخارجية اليمنية بعيدة كل الُبعد عن جهاز وزارة الخارجية وبلغ عدد البعثات والممثليات الخاصة التابعة لوزارة الخارجية ال66 بعثة موزعة مابين سفارات وممثليات في مختلف قارات العالم الخمس ،كان السمة الرئيسة لأداءها هو العمل وفق سياسة المحاور الإقليمية ، غلب على التعيينات الخاصة في الوزارة الولاء وليس الكفاءآت وفي الأشهر التي سبقت دخول العاصمة شهدت الدبلوماسية اليمنية نشاطاً دبلوماسياً في مثلث صنعاء مسقط طهران لتفكيك الأزمة السياسية التي عصفت في بلاد جراء تمدد الميلشيات الحوثية وإسقاطها للدولة ، السمة التي تميزت بها الخارجية اليمنية هي عدم وجود شخصية تاريخية على غرار نطيراتها في العديد من دول العالم ففي السعودية كان سعود الفيصل عنواناً للخارجية السعودية على مدى اربعة عقود وفي سلطنة عُمان شكل نموذج الإستقرار في السياسات الخارجية من خلال يوسف بن علوي بن عبدالله وزير الخارجية حالة من التواصل الدائم وفتح فضاءات جديدة للسلطنة وأضحت الدبلوماسية العُمانية واحدة من أنشط وزارات الخارجية وهو نفس النموذج الذي ضل قائماً في الكويت حيث شغل الأمير الحالي لدولة الكويت الشيخ صباح الأحمد حقيبة الخارجية لأكثر من أربعة عقود مما جعله يستحق لقب عميد وزراء الخارجية العرب ،  في الحالة اليمنية ساهمت حالة عدم الأستقرار والثبات في المناصب العليا للخارجية اليمنية في الحد من تعاطيها الفعال مع العديد من الملفات الإقليمية فظهرت بكونها غير واضحة الملامح وتخضع لتدخلات من القصر مباشرة فترة ابوبكر القربي الطبيب والأكاديمي بالتأكيد تختلف عن فترة الدكتور عبدالكريم الإرياني الشخصية الدبلوماسية التي عُرفت بالدهاء وبقدرتها على توظيف المعطيات التي لديها بصورة أكثر فعالية ، هناك شخصيات وطنية تاريخية لم يتم الإستفادة منها إبان الأزمات التي عصفت باليمن كان يمكن لها أن تضطلع بدور هام وحيوي يضمن إستمرارية تموضع اليمن للقيام بدورها وهو ما ظهر بوضوح من خلال العديد من الشخصيات التي أوكلت لها حقيبة الخارجية في الفترة من عام 2015م وحتى اللحظة إبتداءً بياسين مكاوي ومروراً بعبدالملك المخلافي وهما من خارج جهاز وزارة الخارجية حيث غلب على الأول أنه من القيادات الجنوبية التي جرى تهميشها لأكثر من عقد بينما جاء الثاني وفق محاصصة حزبية وهو ايضا من خارج وزارة الخارجية ، بينما يعد خالد اليماني ومن العام 1991م من داخل أروقة الوزارة لكنه جاء في لحظة تاريخية باتت سياسات اليمن الخارجية مقيدة ومحكومة بالتحالف العربي ولهذا كان دوره وسيضل مرتبطاً بإنهاء الحرب ومقررات الأمم المتحدة لكن الملفت في أداء الخارجية اليمنية في هذه الفترة هو تلك الحالة من الضعف بحيث أنها لم تستطع فتح دروب فرعية للتواصل مع قوى إقليمية يمكن أن تسهم في إخراج اليمن من الأزمة الراهنة الجزائر ، سلطنة عُمان ، سوريا ، والمانيا وهولندا والصين ،الأمر الذي أظهرها كمن يخاطب الذات وكأنها تعمل وفق محددات لا ينبغي تجاوزها وهو أمر يتنافى مع مهام الوزارة ويمكن قراءته من خلال اللقاءات التي تمت بين الوزراء الثلاثة منذ العام 2015م وحتى وقتنا الراهن ، ايضا غلب على أداء الخارجية اليمنية ضعف الكادر الوظيفي في السفارات اليمنية في الخارج ففي مرحلة حكم الرئيس علي عبدالله صالح كان الجانب الأمني والإستخباراتي هو المهيمن على معظم السفراء وكثير من الحقائب الدبلوماسية كانت تتضمن معلومات تصل الى القصر والمؤسسة الأمنية قبل أن تصل إلى وزارة الخارجية ، لقد تم إختيار العديد من السفراء بمعايير ليس لها علاقة بالخارجية الجهاز العريق الذي ضمم كوكبة من خيرة الدبلوماسيين فبعض السفراء تم تكليفهم بسفارات ليس لديهم ولو النزر اليسير من المعلومات عن المشهد السياسي وتطوراته في تلك البلدان التي تحتاج إلى خبرات نوعية وشخصيات إستثنائية في العمل الدبلوماسي ناهيك عن عامل اللغة في بعض الدول الناطقة بغير العربية ، أذكر أنني تقدمت بسؤال إلى أحد السفراء في البلد التي يمثلنا بها قبل أكثر من عام لأكتشف أن الرجل لايمتلك أي قراءة ولو مبسطة عن المشهد السياسي في ذلك البلد ، المحاصصة الحزبية والمناطقية لعبت الدور الأهم في اختيار السفراء اليمنيين بينما الوضع الطبيعي ونحن بلاد شهدت ظاهرة إعتراضية في العام 2011م وحركة تمرد في العام 2014م هو أن تكون معايير إختيار السفراء بصورة أدق من خلال الدوائر والقنوات الخاصة بوزارة الخارجية اليمنية التي لا تعاني أي نوع من القصور من حيث الهياكل واللوائح المنظمة ومن حيث التبويب والتراتبية والأقسام المختلفة ، مستوى التمثيل ضعيف والأداء يكاد يكون منعدماً وهشاً ويفتقر إلى أبسط القواعد الدبلوماسية فمن أصل 66 ممثلية وبعثة لا توجد لدينا أكثر من أربعة ملحقيات إعلامية في زمن الإعلام والميديا ومعظم الإعلاميين لا يمتون بصلة للمشهد الإعلامي ، والمحقيات الثقافية في معظمها بإستثناء القليل غير نشطة وغير فاعلة في الوقت الذي تتعرض فيه البلاد لتسونامي يستهدف هويتها السياسية والثقافية جراء بروز الهويات الفرعية بقوة في هذا المنعطف التاريخي الخطير ، ايضاً دور السفارات ضل قاصراً وضعيفاً فيما تتعرض له الجاليات اليمنية من تجاوزات وقيود لم تكن لتحدث لو أن الوعاء السياسي الحاضن لها والمتمثل في الخارجية كان من ذوي الخبرات والكفاءات ، ينبغي أن يعيد الدكتور خالد اليماني وهو الخبير في شؤون الخارجية أن يعيد رسم الخارطة الخاصة بالتعيينات في إطار وزارة الخارجية وهو يعي جيداً منذ بدأ مسيرته في الخارجية قبل أكثر من ربع قرن أهم العوائق والمعظلات التي تعترض أداء الخارجية  لوظيفتها كمنظومة متكاملة مع مراعاة وجود اليمن تحت البند السابع الخاص بالوصاية الدولية فهناك هامش كبير يتسع للعمل الدبلوماسي في مثل هذه الحالات يمكن العمل من خلاله لإحداث الفعل السياسي المؤثر يبدأ من الإستفادة من الخبرات المتراكمة لدى الدبلوماسية اليمنية عبر هيئة إستشارية طوعية تضم العديد من رجالات السلك الدبلوماسي اليمني مدعمة بعدد من الباحثين العارفين بخبايا العلاقات العربية والدولية ، هذا النهج تم إعتماده لدى العديد من الدول في مرحلة إنعدام السياسة بصورة جزئية أو كلية أو تلك التي سبقت الإستقلال أو الواقعة تحت أي نوع من أنواع الوصاية ويمكن الإستفادة منه في تحريك بعض الإتفاقيات الدولية الثنائية طالما وأن هناك عاصمة مؤقتة وحكومة شرعية ورئيس شرعي يعترف العالم به وطالما وأن السفارات اليمنية لا تزال سفارات وليست وكالات أو مكاتب للعلاقات الخارجية ، كل ذلك يعني توقيع إتفاقيات في مجال خدمات النقل والطاقة الكهربائية والخدمات الطبية والتعليمية وتبادل الخبرات مع الدول في المناطق الخالية من الصراع ، لكن أن يضل الأمر على ماهو عليه من السلبية فأعتقد أن في ذلك الكثير من المغالطات ويصبح لزاماً على الحكومة اليمنية أن تقدم على خطوات واضحة ففي ظل إنهيار قيمة الريال يمكن سحب السفراء وتخويل صلاحياتهم المنعدمة إلى القائمين بأعمالهم وتحويل وإعادة الجيوش الجرارة من العاملين في السفارات إلى عدن العاصمة المؤقتة وتحويل السفارات إلى الأداء القنصلي لتوفير المبالغ المالية المخصصة للبعثات الدبلوماسية أو تقليص البعثات الدبلوماسية إلى 25% وتحويل السفراء الباقيين إلى سفراء غير مقيمين على غرار معظم سفاراتنا في القارة السمراء .

ومع كل ماسبق أرى أن موضوع إعادة النظر في التعيينات الخاصة بالسفراء المفوضين فوق العادة لليمن في العديد من الدول العربية والأجنبية ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب مقدمة فعلية للعديد من المشاكل التي تواجهها وزارة الخارجية ، أخيراً تبقى هناك مسألة هامة أرى أن يتم التعاطي معها لتنشيط العلاقات مع العالم وهي التشاور والتنسيق مع العديد من الهيئات المشتركة التي تجمع اليمن وجمعت اليمن مع العديد من دول العالموأعني بذلك جمعيات الصداقة اليمنية مع العالم الخارجي والمسميات المقاربه لها وهي كثيرة ومتعددة ، في الختام نأمل أن يكون للدبلوماسية اليمنية العريقة بمدارسها المتنوعة دورها في إخراج البلاد من النفق المُظلم مع كل التقدير لرموزها الوطنية العظيمة .