ما معنى التعددية الثقافية (2-2)
قبل 6 شهر, 14 يوم

أ-المستوى الثقافي الحداثي المدني الديمقراطي.

إن هذا المستوى الثقافي على انتشاره الاجتماعي (السكاني العددي الواسع)، وباعتباره يمثل أحلام وتطلعات ورؤى أوسع القوى الاجتماعية الطبقية في البلاد، إلا أن مساحة انتشاره وحضوره الثقافي ما تزال محدودة وتأثيرها في المجتمع ضعيفاً – قياساً بالمستوى الثقافي التقليدي الأول بمستوييه – وهو اتجاه ثقافي مدني حداثي عقلاني، يقف مع مشروع الدولة المدنية الحديثة، والمواطنة، وخطابه الثقافي يحمل روحية تعددية نسبية، تقبل بالآخر وتسعى لمحاورته والاقتراب منه، ومساحة الحرية والحوار في داخله كبيرة نسبيا قياساً للمستوى الثقافي الأول. وقد لعب التيار الثقافي الحداثي المدني دوراً رائداً في التنوير الفكري، والحداثة السياسية ، وفي التسامح السياسي، وفي توليد أو إنضاج، حالة التعددية في المجتمع وفي الخطاب، وفي تقليص مساحة العنف والصراع بين الرؤى الثقافية والاجتماعية والسياسية المختلفة. كما لعب دوراً تاريخياً وعظيماً في إنتاج خطاب "الوطنية اليمنية المعاصرة"، وإليه يعود الفضل الكبير في بلورة خطاب "الوحدة اليمنية". ولا يمكننا هنا تجاهل دور هذه الثقافة ورموزها في نشر وتعميم منظومة حقوق الإنسان، والحريات والدفاع عنها، في صورة العشرات من منظمات ومؤسسات المجتمع المدني الحقوقية والديمقراطية المختلفة التي كانت تغطي الساحة الثقافية المدنية. وعلى الرغم من حصارها القانوني ومنع إعطائها التراخيص والتضييق عليها ووضعها تحت المراقبة الدائمة،  -إلى قبل عقد من الزمن، حيث هي اليوم مصادرة ومقموعة ومغيبة-فإنها تبقى رغم الحصار والمصادرة، والحرب، هي الحاضنة المادية والمؤسسية والعملية لإعادة انتاج ثقافة التعددية وحقوق الإنسان. وهي اليوم في صدارة المؤسسات المدافعة عن المرأة وعن الحقوق المدنية والسياسية في صورة الاحتجاجات الجماهيرية المحدودة، كمؤسسات مدنية ثقافية وتؤكد في خطابها، وسلوكها، يومياً قيم الحرية، والعدالة، والمساواة، والمواطنة. ويتخلق من رحم ذلك، خطاب ديمقراطي عقلاني نقدي يؤمن بالتعددية السياسية والحزبية كمدخل لإشاعة التعددية الثقافية والفكرية، وكوسيلة وأداة، وخيار يحتكم إليه الناس في علاقتهم بالسلطة، وبمسألة تداولها سلمياً وفقا لقاعدة التنافس النزيه الديمقراطي، وليس الاستعلاء العصبوي، أو العنصري. غير أنها اليوم عند البعض، ثقافة كافرة ومتهمة، وموصومة بالإلحاد والعلمانية، والخروج عن الدين والشرع. ويلعب خطاب الحرب الجارية دوراً كبيراً في توسيع دائرة العداء والكراهية لهذه الثقافة، وكل خطابها الثقافي / السياسي، موجه تحديداً نحو تقليص مساحة حضورها وفعلها في واقع الممارسة العملية.

ب-المستوى الثقافي الثالث: ثقافة الأغلبية الصامتة

1- حول الأغلبية الصامتة:

يمكننا في البداية القول إن مفهوم أو مصطلح "الأغلبية الصامتة"، هو مفهوم أو تعبير رجراج وواسع، وهو ليس بالضرورة تعبير أو مفهوم سلبي بالمطلق ولا هو بالإيجابي كذلك،  قدر ما هو مفهوم واقعي لوصف حالة اجتماعية سياسية جماهيرية واسعة غير محددة المعالم والملامح بوضوح وبدقة، هي مجموعة أو كتلة تحاول أن تنأى بنفسها عن الصراعات الحادة وانفعالاتها الصارخة. ومن المهم هنا الإشارة إلى أن تسمية هذه المجموعة (المجموعات) "بالكتلة" هو من باب التسمية المجازية اللفظية، وليس من باب إقرار حقيقة واقعية (واقع). ومن المفيد هنا التأكيد على أن حجم هذه المجموعات أو الكتلة الجماهيرية قد اتسع بصورة ملحوظة في العقدين المنصرمين، وأن المعنى النوعي في داخلها قد تعمق حضوره أكثر عما كان عليه سابقاً، بفعل سياسات التكيف الهيكلي، أو ما يسمى "إعادة الهيكلة الاقتصادية"، وخلاصتها فرض الخصخصة حتى بدون قانون (اليمن) هدفها تصفية البنية المادية التحتية للاقتصاد الوطني، وبالنتيجة إضعاف موقع الدولة الراعية والحامية للمجتمع، ومصالحه . أما الهدف الأهم فهو إفراغ الدولة المدنية الحديثة الدستورية من مضمونها الاقتصادي، ومن دورها ووظيفتها الاجتماعية التاريخية (مادياً واقتصادياً ومؤسسياً وخدمياً وتعليمياً وصحياً) وتفويت الاقتصاد الوطني، والملكية العامة الملحقة به والتابعة له، ويتم ذلك في الأساس لصالح الجماعات الطفيلية، و"الزبائنية" التي وجدت لصيقة بالسلطة ضمن معادلة ثنائية السلطة/والثروة، وعلى قاعدة ما يسمى "اقتصاد الوجاهة" أي رأس المال السياسي، الذي سيتحكم بمسار العملية الاقتصادية .. وخاصة بل وتحديد في فترة حكم علي عبدالله صالح حيث انتج وأفرز حكمه رأسمالية طفيلية مشوهة، لا صلة لها بالعملية الاقتصادية، ولا بالإنتاج، ولا بالعمل كقيمة اجتماعية إنسانية، جماعات (فوقية/سلطوية) جماعات "زبائنية" جاءت من خارج السلطة، ومن خارج العملية الاقتصادية والرأسمالية التي كانت قائمة واستحوذت بدعم ومباركة علي صالح، على السلطة، والاقتصاد معاً، (مراكز القوى السياسية القبلية /العسكرية الزبائنية) هيمنت واستأثرت لنفسها باسم الخصخصة) على القطاع العام وعلى كل الملكية الوطنية العامة للشعب، من خلال علاقتها بالسلطة. (الزعيم كما كانوا يطلقون عليه) وعلى هذا الطريق جرى معها تصفية وتفويت القطاع العام (عبر أشكال بيع ومزادات صورية) تم فيها ، من جانب، إزاحة الرأسمالية التقليدية (التجارية، والمالية، والمقاولات) ليحل بدلاً عنها رموز الرأسمال السياسي "اقتصاد الوجاهة" ومن جانب آخر وجد معها عشرات إن لم يكن مئات الآلاف من العمالة الاجتماعية (الاقتصادية، الخدمية) مرميون في الشارع (بطالة)، وهو موضوعياً وواقعياً أمر ضاعف حجم الحضور العددي الكبير لما نسميه بالأغلبية الصامتة، وهي الأغلبية التي تعددت وتنوعت مستوياتها، كماً، ونوعاً، بعد أن صار قطاع واسع من الطبقة الوسطى القديمة النوعية في الشارع، أو يعيشون في أحسن الأحوال ما دون خط الفقر، بفعل روشتة الصندوق، والبنك الدوليين،  وتضاعف البؤس والفقر أكثر وكذا بفعل الحرب القائمة.

إذاً، نحن ومنذ عقدين من الزمن في المنطقة العربية، -بدرجات متفاوتة-وفي اليمن على وجه الخصوص، نعاني من تهميش وإزاحة قطاع واسع من المجتمع، وتحويلهم إلى عطالة وبطالة، التحقت موضوعياً بالأغلبية الصامتة الحاضرة اليوم، في مصر واليمن وسوريا حتى ليبيا وتونس، ومنهم تخرج المجاميع الانتحارية الإرهابية، "أنصار الشريعة" و"القاعدة" و"داعش"، ومنهم كذلك من يرجحون كفة الصراعات السياسية في ما يجري اليوم .

وتتميز الأغلبية الصامتة –إذا جازت التسمية- أنها بدون رؤية أيديولوجية سياسية محددة، وتتألف من بشر لا يجمعهم إطار تنظيمي معين. هذا أولاً، ولذلك فهم أكثر حرية واستقلالية نسبية في اتخاذ قراراتهم، ولكنهم في الغالب وفي جميع الأنظمة شبه الديمقراطية أو الناشئة،  تبقى هي الكفة المرجحة في الانتخابات، وهو ثانياً. وغالباً ما تكون ترجيحاتهم لصالح كفة الإرادة الشعبية العامة، وهو ما تقوله التجارب السياسية التاريخية المعاصرة، وهو ثالثاً. والشيء الأكيد من وقائع التاريخ السياسي الديمقراطي المعاصر عالمياً وإقليمياً وعربياً، أن هذه الأغلبية تتميز بأنها تقف في الغالب مع التقدم، أي أنها أقرب إلى الكتلة الثورية/الوسطية، وهي في حراك وفي حالة صيرورة أبداً،  ويتزايد عددها وحجمها مع تراجع دور الأحزاب السياسية القومية والاشتراكية اليسارية. وما يجري في بلادنا اليوم دليل كاشف وفاضح لهذا المعنى من القول الذي نذهب إليه ، وهي بهذا المعنى ليست كتلة حزبية منضبطة، وليست كتلة برلمانية، وليست كتلة ثورية موحدة الموقف، والرؤية، بل كتلة أو مجموعات جماهيرية شعبية، تريد الاستقرار، بقدر ما تريد الحرية... باختصار، هي مجموعات شعبية جماهيرية سلمية، تكره العنف، ومع الحرية، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية والتعددية والتداول السلمي للسلطة في العموم. إنهم يعيشون هاجس الخوف من عدم الاستقرار، ومن الدولة الدينية (دولة الخلافة) المزعومة، وعندهم عقدة من الحروب. كما أنهم ضد عسكرة الدولة والمجتمع، أي ضد الدولة الأمنية (العميقة) التي ما تزال تتحكم بمصائر التحولات السياسية في مصر، واليمن، على وجه الخصوص. وهي مجموعات ساخطة حقاً ولكن بعقل بارد، وعبر حوار هادئ. ولذلك تبقى في الغالب خارج ساحات الفرز السياسي الحاد، وخارج دوامة الصراعات العنيفة، والحروب -إلا في فترات الحروب الأهلية المذهبية، الطائفية، الأثنية- وهم في الغالب  مع شباب الثورة، ومع ثورة الشعب بصورة عامة وإجمالية، أي ضد الدولة الدينية، كما أنهم ضد الدولة العسكرية، والقبلية. ومن الملاحظ أن قطاعاً لا بأس به منهم التحق بثورة الشباب والشعب في مجرى وسياق انطلاقتها، وإن عادت أقسام كبيرة منهم اليوم إلى مواقعها كأغلبية صامتة.

2- ثقافة الأغلبية الصامتة:

 وهو المستوى الثقافي المعبر عن أغلبية ثقافية اجتماعية وطنية ديمقراطية، صامتة. وهي وإن كانت متأرجحة بين المستويين الثقافيين الأول والثاني الرئيسين. إلا أن وجدان وهواجس وتطلعات الغالبية في القاعدة الاجتماعية لهذه الفئة أو المستوى، تميل مع الحداثة والديمقراطية والمدنية، أي أنها قريبة من المستوى الثقافي الحداثي المدني بصورة عامة، وإن كانت تحاول أن تتخذ في سياق الصراع المحتدم، وخاصة في فترات التوتر الشديد بين قوى الحداثة، والتقليد، موقفاً وسطياً أو شبه محايد. على أن نزوعها الداخلي العميق يشدها نحو المستقبل والجديد الديمقراطي. ومن سماتها أنها  مجموعة أو كتلة ثقافية  حذرة، أو تقدمية بحذر في تعاطيها مع الواقع القائم، وتحتل مساحة اجتماعية ثقافية كبيرة، ولها مصلحة موضوعية وتاريخية في التقدم الاجتماعي والعدل والمساواة، ولكنها تخشى الصدام والعنف وغير مستعدة لاحتمالات دفع أي ثمن مقابل ذلك، -خاصة في فترات أو مراحل عدم وضوح الاتجاهات العامة للصراع.- ولهذه الفئة في الواقع شغل ثقافي، كمي ونوعي لا يستهان به، فهو قادر في فترات معينة على تحديد مسار اتجاهات الصراع باتجاهات التقدم أو العكس. والأمر هنا عائد إلى مدى قدرة الثقافة الحداثية الديمقراطية والقوى الاجتماعية الحديثة على الاشتغال في هذا الوسط الثقافي لصالح كسبها إلى صفها، وفي أسوأ الأحوال تحييدها من أن تصب في طاحونة القوى الاجتماعية التقليدية والثقافة الماضوية.

   في المراحل الانتقالية..، أي الانتقال من المجتمع التقليدي، والبنية الاجتماعية التقليدية، إلى المجتمع الحديث والديمقراطي، غالباً ما تتسع مساحة هذه الثقافة خاصة في فترات الاستقرار السياسي والاجتماعي وقيام حالة من الحوار السياسي بين أطراف المعادلة السياسية الوطنية في المجتمع. وكلما هيمن أو ساد قانون توازن المصالح على توازن القوة العسكرية والأمنية، فإن غالبية قاعدة هذا المستوى تصطف وتقف إلى جانب تيار الحداثة والديمقراطية والتعددية والحوار .

 والمرحلة الانتقالية بعد الوحدة 1990 – 1994 خير دليل على ذلك، فلولا دور هذه الأغلبية الثقافية السياسية الصامتة لما تم الإعلان عن "وثيقة العهد والاتفاق"  ، ولكان عملياً الصراع المسلح قد انفجر في مرحلة مبكرة.

وفي تقديرنا ، أن الأغلبية الصامتة، أو  ثقافة الأغلبية الصامتة في المجتمع، هي في وجه هام من الوجوه، تعبير عن موقف رافض ومحبط، من جميع أشكال النقد الاجتماعي، والنقد السياسي، والنقد الاقتصادي، ومن الخطاب الديني السلبي، كالعادة. ذلك لأن جميع النقد هذه لم تقترب من نقد السياسة والسلطة القائمة لعقود، والمتحكمة بمصائر البلدان العربية، بعد أن حلق نقدها جميعاً في فراغ النقد المجرد والعمومي والهامشي للسياسة والسلطة والمجتمع، ولم يلامس حقيقة مفردات الواقع الفاسد، والمستبد، أو الدولة العميقة في صور استبدادها المعوق للتحول السياسي الديمقراطي، وللتنمية ، والمُصاَدرَ لقضية المساواة في المجتمع، وفي حق المجتمع في المشاركة في السلطة والثروة. وقد أوصل خطابها السلطة، والنظام السياسي الجمهوري، إلى حافة "التوريث"، في أكثر من حالة عربية (مصر، تونس، ليبيا، سوريا، اليمن) وهو أحد أوجه تفسير توسع وحضور ما نسميه الأغلبية الصامتة، وثقافة الأغلبية الصامتة في المجتمع. وإذا كنا نلمس ذلك في قلب الحرب الجارية في بلادنا اليوم، فقد شهدناه بذاته في الحالة المصرية في الانتخابات الرئاسية  الثانية بعد ثورة يناير 2011م،  وبعد اسقاط محمد مرسي عبر الشارع حيث بقي أكثر من 50% من القاعدة الانتخابية المصرية خارج دائرة التصويت تعبير عن اضطراب وارتباك المشهد السياسي ورفض ضمني لاحتمالات عودة النظام القديم بعد أن لم ير شباب الثورة ، والشعب أي تغيير سياسيي جدي في قلب بنية نظام الحكم القديم.

 

وفي العموم، يمكننا القول إن موقف الأغلبية الصامتة، إنما هو شكل من أشكال النقد الصامت والسلبي لأشكال نقد النخبة السياسية، والنخبة الثقافية، والنخبة الدينية، في صورة غياب النقد الجذري الديمقراطي الثوري المباشر والواضح. وكما يقول فيصل دراج "إن الانتقال المأسوي من الخطاب الجذري النقدي، إلى الخطاب الثقافي الرخو، جاءت به أسباب متكاملة: القمع السلطوي، الذي أنجب خوف المثقفين، واليباس الفكري، والمكر السلطوي الذي يكافئ الصمت، والتلفيق، والإفقار الثقافي المجتمعي، الذي توطده مناهج مدرسية فقيرة، وحياة اجتماعية منع فيها الحوار، وتربية امتثالية تقوم على التلقين والاستظهار(...) ولعل طول العهد بالصمت، كما تداعى في  صورة الثقافة والمثقفين، هو الذي قسم المجتمعات العربية إلى أغلبية تحتفي بهوامش فكرية بسيطة وأقرب إلى السذاجة، وإلى قلة نخبوية لا تحاور أحداً، ولا يحاورها أحد. وإذا كان في هذه القسمة ما أفصح عن (إحباط الأغلبية في المجتمع)، فقد كان فيها ما كشف عن عجز المثقفين واستسلامهم إلى ما وصلوا إليه(...) أطمأن المثقفون إلى صيغ مختلفة أعطاها ادوارد سعيد مسميات متنوعة: المثقف الاحترافي، الذي يكتب عن القضايا جميعاً ويطرد الشأن العام، مثقف المكافأة الذي يوحد بين الكتابة، وريع الكتابة توحيداً لا اقتصاد فيه(...) والمثقف التقني (...) والمثقف التلفيقي(...) ومع أن صورة المثقف السلطوي تبدو غائبة عن المشهد كله، فهي قائمة في صيغ المثقف جميعها، طالما أصحابها لا يأخذون موقفاً نقدياً من (الشأن الاجتماعي العام)، الذي لا يكون المثقف مثقفاً إلا به" (1).

 

إذاً، فمفهوم الأغلبية الصامتة، وثقافة الأغلبية الصامتة اليوم، هو نتاج حالة فكرية/ سياسية داخلية، ونتاج حالة اقتصادية عولمية وحشية جديدة، تسعى لعولمة الفقر، بقدر ما هي كذلك نتاج حالة سلبية عامة شاملة تبدأ بتراجع دور الأحزاب السياسية القومية، واليسارية الاشتراكية وضعف دور ومكانة قياداتها العليا ، ويستمر ذلك التراجع مع غياب دور ومكانة المثقف النقدي الجذري، إلى هيمنة مناهج التدريس والتربية والتعليم الوعظية التلقينية النقلية اللاعقلانية المنتجة من جهة، لخطاب التكفير الديني ضد الأفراد والمجتمع، ومن جهة أخرى محاولة تكريس ثقافة طاعة ولي الأمر ، على طريق احتكار السلطة والثروة في نخبة عائلية ضيقة، أو جماعة دينية (هوياتية سنية/ شيعية)وهي جميعاً من تفرز وتنتج  الولاء الشخصي، أو "الزبونية"، ولا تنتهي عند حالة الخلط بين الدين والسياسة والسلطة، والعمل لتوظيف الدين لخدمة السلطة، ولتكريس الاستبداد، والفساد. وهنا يكمن سؤال الحضور الكثيف للأغلبية الصامتة في المجتمع.  ولذلك حين صعد الربيع العربي، إلى قمة الثورة والتغيير، في صورة ثورة الشباب والشعب، فإنها تجاوزت الجميع: الحزب التقليدي (المعارضة التقليدية) والأحزاب القومية، والاشتراكية والأيديولوجيا المصمتة الأحادية، والطبقة الديكتاتورية، والمثقف الذي تراجع عن دوره النقدي الثوري، كما تجاوزت صيغة الفقيه أو "العالم الرباني" الشعار الأيديولوجي الذي طلع علينا به بعض فقهاء السلطة التاريخيين اليوم... والذين معاً، صادروا حق المجتمع في الإصلاح، ناهيك عن التغيير والثورة، طيلة العقود الماضية. وبهذا المعنى فإن الربيع العربي، أو ثورة الشباب والشعب، فبرير 2011م حاولت في اللحظة الثورية الحاسمة أن تعيد الدور الحقيقي والكامل لجميع قوى المجتمع، بما فيه الأغلبية الصامتة، لتشارك في الثورة والتغيير، والتي ما تزال -في تقديرنا رغم كل شيء في حالة ثورة -وإن لم تنجز مهامها وأهدافها السياسية التاريخية حتى الآن. ولكنها، قطعاً، تمكنت في لحظة تاريخية معينة من أن تخرج الجميع من قماقمها وقوقعتها (أحزاب تقليدية، ومعارضة سياسية حديثة، مثقفين، رجال دين، نخب مهنية تكنوقراطية) من حالة الجمود والركود والصمت والسلبية والخنوع، إلى حالة النقد والرفض أو الثورة، بما فيه الأغلبية الصامتة في المجتمع.

ففي هذا المستوى، تلتقي جميع أشكال التعددية الثقافية، والسياسية، التي لم تستطع أن تفرز نفسها ذاتياً مع أحد المستويين: الأول أو الثاني. وفي هذا المستوى من التنوع الثقافي بلا حدود، تظهر إمكانات هذا المستوى الاغلبي الصامت في مراحل الاستقرار السياسي، والتطور الديمقراطي الاعتيادي، وخصوصاً في مراحل الإقرار من قبل الجميع بضرورة توازن المصالح، ضداً على توازن القوة.

الهوامش:-

 (1) د. فيصل درارج: مجلة دبي الثقافية، العدد (83) أبريل 2012م، صـ 107