عبد الرحمن جابر... الرجل الذي نفض عن عقله غبار الخرافة باكرا!!
قبل 9 شهر, 2 يوم

لسنوات ظلت هيئته المميزة  ،قبعته وعصاته ولحيته البيضاء المشذبة وبدلاته السفاري،  وبعض النتف التي سمعتها عنه من بعض  الاصدقاء والاساتذة  تشدني اليه . كنت اراه في مؤسسة العفيف  من وقتٍ  لآخر اما مستغرقا في القراءة او منهمكا في حديث طويل مع  احد اصدقائه القدامى  ـ العفيف او الحضراني او الفسيل اواي شخص اخر من رعيل المثقفين الاوائل ، الذين كانت مؤسسة العفيف طيلة عقد ونصف  تشكل مكانا حميما لتجمعهم ولقاءاتهم .

 لم اتعرف به عن قرب الا في  احد معارض صنعاء للكتاب منتصف الالفية ، حين جاء  بخطواته المرتبة الثقيلة  تقوده عصاته المميزة لجناح اتحاد الادباء والكتاب، يستعرض عناوين  الكتب المعروضة  حيث كنت جالسا بمفردي . جرنا الحديث الى العناوين واسماء المؤلفين  ومشروع الاصدار الذي كان في ذروته . و بعد ان عرَّفته بنفسي ، قال لي اسمي "عبدالرحمن جابر" ولم يزد. لكنه اثناء تنقله بين العناوين انطلقت لسانه بمعرفة مدهشة  عن الكُتَّاب والموضوعات والاحداث و....، ولأني كنت  ارغب في اكتشاف  عوالم هذه الشخصية  لم اتركه و (تشعبطت) به في جولة في الاجنحة القريبة، بعد ان اهديته ديواني الشعريين  الاول والثاني وبعض اصدارات الاتحاد . كنت خائفا ان يعاملني كمتطفل تجاوز حدوده، لكني وجدته شخصاً سلسا  ومريحا،  يسألني عن الشعر وكُتَّابه ومذاهبه، كنوع من الاختبار كما احسست .

 تركته بعد حين في جناح مؤسسة العفيف ،حيث كان يجمع مشترياته  ومقتنياته من الكتب الكثيرة والثمينة ايضا.

بعدها بفترة وجدته في مكتبة ابي ذر الغفاري  بشارع حده  يتفحص العناوين ويداعب عمال المكتبة وروادها ، وبعد السلام فاجأني  انه يتذكر اسمي جيدا، وان ما اعجبه في ديواني الاول قصيدة  عدن التي تحرسها الفودكا كما قال ضاحكا، ومن مجموعتي الثانية التي كان يحفظ عنوانها " اوسع من شارع ... اضيق من جينز" ذكر قصيدة نورهان الحضرمية وقبلة المسمار.  تحدثنا قليلا وتواعدنا ان نلتقي في مؤسسة العفيف، لكني لم افعل لمشاغل وتكاسل , وحين كنت اجده لاحقا  ولكثير من المرات في مكتبة العلفي في باب البلقة ، عند "فهد مجاهد" كنت لا اتركه الا بعد ان يطوفني في حديقة افكاره الخضراء، التي لا يمكن لمستمع شغوف ان يمل من التنقل على اغصانها وزهراتها المشبعة بالرحيق.

 لم يتطرق لسيرته وتجربته في الحياة   في اي من احاديثنا رغم اني كنت احاول جره الى مربع الحديث عنها. تحدث نعم لكن  فيما ما هو عام ومعلوم  لدي ، مع ذلك  لم يبخل علي بآرائه الفكرية والسياسية المدهشة والصادمة التي ظل يدافع عنها لعقود . ولو لم يتبق القليل من لهجة اهل تهامة  عالقا في لسانه ،لما استدليت من اين هو؟ فسحنته وحضوره الطاغي كانا خليطا عجيبا من  تصاوير حكماء الشرق المبجلين وهيئاتهم المقدسة.

 عرفت  لاحقا من الاستاذ والصديق الكبير عبد الباري طاهر  انه من مواليد منطقة الحسينية بالحديدة، ولا يُعرف بالضبط كيف تشكل وعيه باكرا  بمعنى كيف درس وتشكل ثقافيا، لكنه عُرف لاحقا كأحد المقربين من  ولي العهد  محمد البدر بعد العام 55، وعاملا في ديوانه، حيث اشتهر بخطه الجميل  وسعة ثقافته، التي ادت الى اتهامه بالإلحاد والهرطقة ، حيث نَسبَ اليه الوشاة تربية حيوانات سماها  بأسماء الخلفاء،  فسجن  وكان قريبا من حبل المشنقة، و لولا  تشفع احدى  نساء الأسرة المالكة  من بيت الامام عند والدها، لما عاد للحياة ثانية. بعد ثورة سبتمبر 62عمل برفقة الرئيس  عبدالله السلال،  الذي تعرف عليه باكرا في الحديدة، فكان  اشبه من وجد ضآلته في الثورة ومشروع التغيير والتنوير ، لكنه بعد انقلاب 5 نوفمبر غادر الى القاهرة معترضا على تولي القوى التقليدية حكم البلاد ، وهناك  بدأت  مرحلة جديدة من حياته ، حيث تزوج من سيدة مصرية  ،وبدأت علاقته تكبر بالمفكر الكبير عبدالله القصيمي ، حيث صار مع الوقت خزانة اسراره وكتبه المخطوطة ، واحد المراجع الكبرى عن سيرته الفكرية الاشكالية. حين عاد الى صنعاء  بعيد الوحدة تفرغ للقراءة واقتناء الكتب ،التي صارت مع الوقت  تشكل مكتبة كبيرة مشتتة بين مسكنيه في القاهرة وصنعاء, ولا احد يعلم لأي جهة اوصى بها بعد وفاته . لم يُعرف عنه قيامه بالتأليف او الكتابة رغم غزارة علمه وثقافته، لكنه ظل حتى آخر ايامه مؤمنا بأفكاره مدافعا عنها بعقل خالص نقي .  ذاته العقل الذي نفض عن خلاياه غبار الخرافة  والجهل باكراً. فعُرف بين ابناء جيله من المثقفين الاوائل بالذكي والشجاع، والمستنير الكبير.