في معراج "هاشم علي" التاسع...قليل من سيرة المعلم الاول وكثير من الحنين !!
قبل 3 شهر, 15 يوم

لتعز كبارها من المبدعين والعشاق ... و "هاشم علي عبدالله مولى الدويلة" في مقدمتهم.. جاءها شابا  في العشرين من عدن بعد ان تقطعت به سُبل العيش  في حضرموت ، التي وصلها  قبل منتصف الخمسينات بقليل من إندونيسيا  برفقة اسرته ، وبعد وفاة الاب ترك الدراسة وهو في العاشرة ، وحاول ان يقتات من مهنة الحفر على الخشب التي تعلمها من استاذ حضرمي اسمه الجفري, لكنها ضاقت عليه هي الاخرى، فانتقل مع اخيه الاكبر الى ابين ثم الى عدن حيث استقر عبدالله الدويلة هناك، وعرف لاحقا كصحافي محترم ، واختار هاشم تعز  مستقرا له  في العام 65،  و منذ انتقل للعيش فيها ، لم يبرحها قط .. رسم كل  تفاصيلها من بشر وحجر... قال  لي ذات مرة تعلمت من تعز كمكان اكثر مما كانت ستعلمني اكاديمية فنون، في اي بلد في الغرب او الشرق، وفيها دشن معرضه  الشخصي الاول في العام 1967.

كنت بين زيارة واخرى لتعز اعرج عليه ، فنرتب موعدا صباحيا للتجول، او مقيلا بمسكنه او عند احد اصدقائه وهم كُثر.

نتجول في حواريها القديمة واسواقها ونأكل في مطاعمها الشعبية ، قبل ان يعود  بقاته باكرا الى حجرته المتواضعة، جوار مرسمه الصغير، واللذين فُصِلا عن مسكنه العائلي الضيق اصلا  ، اما موعد دخوله للمرسم كان يتم عادة بعد العصر، وهي عادة لا يكسرها سوى مودة جليسه او زائره  او وجوده خارج المنزل ، اما  من اعتاد عليهم من زواره الدائمين فكان يتركهم لإكمال مقيلهم في الحجرة المتواضعة  ، وهناك في المرسم يبدأ منهمكا لساعات طويلة بتصريف افكاره الفنية على الاحبار والورق والاقمشة، ذاته المرسم الذي احتشدت فيه اجسادنا ذات ربيع من العام 2000 برفقة الدكتور حاتم الصكر، لاكتشاف عوالمه.

في بيته المستأجر والبسيط في منتصف عقبة شارع 26 سبتمبر باتجاه النقطة الرابعة وعرضي الجحملية  صعودا  ، او هبوطا باتجاه المدينة تصالح بشكل عجيب مع  ضيق المسكن ومع ضجيج العربات والدراجات النارية ، التي ترتفع اصوات ماكيناتها بسبب احمال صعود العقبة،  بل و اعتبر هذا الضجيج  جزءً من تمرين الاذن اليومي على الاذى الجميل.

لم يكن فقط رساما ملهما ورائدا للتشكيل الحديث في اليمن كما يعده الدارسون والمهتمون ، و تتلمذ على يديه عشرات الفنانين المبتدئين الذين صار بعضهم اسماء رائجة داخل اليمن وخارجها ، بل كان مفكرا حقيقيا وفيلسوفا نابها يحيط بتاريخ الفنون والحضارات الانسانية بشكل لافت ، وساعده في ذلك اتقانه للإنجليزية التي كان يقرأ بها .

انحاز للسرديات والشعر الحديث والموسيقى، فكان لا يتم حديث معرفي معه الا و استشهاداته الحية من اعمال روائية او اعمال شعراء وموسيقيين حاضرة على لسانه ، لتعزيز افكاره وما يريد ايصاله لمستمعه.

برغم استطالة تجربته الفنية  التي امتدت لقرابة نصف قرن ومنحته شهرة فائقة، لم يركن عليها في الاصل ، ظل حتى اخر ايامه  يجدد في موضوعاته  وفي منظوره اللوني ، الذي صار اكثر بهاء وفرحا وشاعرية، حتى وهو يرسم قرى الجبل  ـ التي سترد احداها مع هذه الاستذكار العابر بمناسبة مرور اعوام تسعة على رحيله، في 7 نوفمبر 2009.

من الحكاية الشعبية استلهم، ومن السخرية اللاذعة قدم بصريَّاته التي تشبه توجعَّات البسطاء من الناس، ومن الطبيعة استنطق لامرئياتها المحتشدة في اللون.. رسم الازقة  والمساجد وبائعات الفواكه وورَّادي الماء والعتالين والفلاحين وضاربي الطارات من المتصوفة والدراويش  ورسم الصيادين ونساء الارياف ... رسم القرى والحيوانات. رسم كل ذلك بالزيت والحبر الاسود،  ففتحت لوحاته ، بتعدد اسلوبياتها، للدارسين متنفسا قرائيا وتنظيريا سهَّل علي الكثيرين منهم موضعتها في سياقات التأثير المدرسي لتيارات الفن المعاصر ، والتي اتصل بها بواسطة القراءة  وليس على مقعد الدرس.

من احجار تعز  الملونة انجز "جدارية الشمس" ، في احدي منتزهاتها بالقرب من كلية الآداب ، قبل ان يكرِّمه  فنانوها ومثقفوها في 2012 ، برسم جدارية له في جولة البريد لمناسبة ذكرى رحيله، وبعدها بقليل انتفض الجميع تضامنا مع هذه الجدارية ، التي تعرضت للتشويه من ظلاميين  يكرهون الفن ويجرمونه.   

 

رسم ونحت كل شيء له صلة بجمال الإنسان  والطبيعة ، حتى وهما في اشد بؤسهما، ولا تخلو عشرات من لوحات تلاميذه من رسامي وفناني اليوم من مسحاتها الروحية والجمالية، حتى وهم يحاولون العمل بنصيحته التي تحثهم على البحث عن شخصياتهم الخاصة ، بعيدا عن تأثيراته وتأثيرات غيره.

و لا يخلو مسكن لاحد من اصدقائه القريبين من بروتريها جميلا لشخصه، اهداه اياه هاشم علي ، تعبيرا عن مودة خاصة. في احدى جولاتنا الصباحية بالقرب من السوق المركزي في العام 2003 اصر على دخولنا استديو تصوير قريب ، وامر صديقه المصور بالتقاط صورة جانبية لي   دون ان يخبرني لماذا ؟؟.. وفي اليوم التالي اعطاني نسخة من الصورة التي وضعتها في الحقيبة ونسيت امرها.

وبعد شهرين تقريبا فاجأني الصديق القاص الجميل محمد عبد الوكيل جازم بمظروف مغلَّف حمله معه من تعز ومرسل من الاستاذ هاشم...   فقد كان بداخله وعلى ورق مقوى خاص  بروتريها جميلا لي ... اسعدني امر ان وجهي رٌسم بريشة العظيم هاشم, وانه  بهذه اللوحة يعمدني صديقا مقرباً، كما قرأ الامر صديقنا المشترك الراحل البهي محمد عبد الباري الفتيح، الذي كان قريبا جدا من هاشم كصديق، وجمعتنا الثلاثة لقاءات كثيرة، وحشوش مبجَّل.

كان يحب الناس ويحبونه بشكل تلقائي .. يعرف الناس باسمائهم والقابهم ويمازحهم بتهذب شديد في محلاتهم وخارجها في الشارع والسوق ، قلت له ذات رفقة  في شارع التحرير الاعلى هل يعرفونك كفنان يا استاذ ؟!  قال اظن ان اكثرهم  لا يعرفون حتى اسمي  ويعرفون شكلي من كثر مروري اليومي في ذات الشوارع الاماكن.

في معراج رحيله التاسع

لم تنطفئ شمس هاشم

ولم تبهت الوانه،

وستظل باهية مادام ارادها ان تكون نبضاً دافئا للإنسان والمكان.

(****)

وحدها المراثي السمجة هي من تُبهت ِسيَر الباهين من الناس ، مثلما تفعل بالملابس الثمينة تلك المساحيق الرديئة.

اليس كذلك ياصديقي؟ّ

لتنم روح المعلم الاول بسلام.

نوفمبر 2018