اذا افتقدت "باري" فابحث عنه هناك حيث يكون الانسان !!
قبل 6 شهر, 26 يوم

على مدى عشرة أعوام شاءت لي الأقدار العمل مع الأستاذ عبد الباري طاهر في مجلة الحكمة (2001ـ2010) ،ومزاملته في المجلس التنفيذي لاتحاد الادباء والكتاب منذ تلك اللحظة حتى الان ،وهي الفترة التي قربتني أكثر من هذه الشخصية الوطنية المعرفية الاستثنائية، الجامعة بين بساطة التهامي وتواضع العالم (*).

الحياة لديه ليست أكثر من لحظة معرفة ،يمكن التوحد بها من خلال القراءة ، أو بواسطة التأمل في حوادثها ومفارقاتها، التي وصلت ذروتها المميتة الان مع سيلان آلة الحرب ، التي لم يكل استاذنا من ادانة الفاعلين والمستثمرين فيها .

انحيازه لقضايا الناس وحقهم في الحياة والحرية ، خلق منه هذا الكائن المختلف، التي غسلت الايام قلبه بالطيبة ولسانه بالنكتة ومليح الكلام.

السياسية التي دخل اليها من باب اليسار الواسع،  وهو المنحدر من  البيئة التقليدية المحافظة في مراوعة  تهامة ،لم تخلق منه (وغدا انتهازياً ) كما الكثيرين ، بل عززت فيه قيمة الانسان المثقف والعالم الجليل ، الذي يزداد تواضعا كلما زادت أثقاله المعرفية، تماما مثل الشجرة التي تدنو من الارض، كلما اثقلتها الثمار الناضجة، كما تقول الامثال.

اجمل ما في رفقة عبد الباري في المدن  وفضاءاتها هي الرغبة في اكتشاف جغرافيا الاماكن  بأقدام لاتكل  من المشي الشقي ،فتفاصيل  منطقة (الفاكهاني )  في بيروت (الحاضرة  عندي في ذاكرة القراءة ،والمقيمة في وجدانه كمكان عاش فيه مطلع ثمانينيات بيروت الملتهبة )  عرفتها برفقته بتسكع ليلي خريف2004 ، تماما مثل حواري دمشق القديمة التي دلفناها من باب توما ،مستحضرين محمد الماغوط في اغنيته للباب، ولعيون النساء الحلوة، وهي ترنو حزينةً إلى الليل والخبز والسكارى.

ماذا لو تملكتما مثلاً الرغبة في استقبال صيادي صيرة في (بكور)عدني ، رغبت اقدامكما المشي اليهم ابتداء من جولة ريجل في خور مكسر الى خليج صيرة ،عبر بوابة عدن وشارع الملكة ورزمت الايام ،ولا يقتل الوقت الطويل ويبدد انهاك المشي سوى الحديث عن المدينة ،القادرة على النهوض من كبواتها بعد كل غزوة بداوة لها ،لأنها ببساطة مدينة التعدد  والتسامح عدن.

وماذا لو قايضتما بعضكما انت تزوَره المدينة الرسولية (تعز القديمة بقبابها ومائذنها البيضاء ) وتطوِّفه مراقد الاولياء والحكام ومدارسها ، وهو يحدثك عن سيرة الدولة العظيمة  واعمالها وفنانها الاكبر (ابن فليتة احمد بن محمد) صاحب التحفة الفنية الادبية (رشد اللبيب الى معاشرة الحبيب) التي احتفظ استاذنا  ذات وقت بمخطوطها الايروتيكي الممنوع.

ماذا لو قررتما بعد عامين،  وبعيدا عن اجواء متعاطي القات (المخزنين) ، وفي عصرية ممطرة صعود وهبوط ثلث جبل صبر من جهة (المجلية )  ، لتكتشفا ان احذيتكما لم تدافع بما فيه الكفاية عن اقدامكما الشقية ،حين وصلتما الى آخر نقطة في قاع المدينة، التي احتضنت بعض شبابه اواسط ستينيات القرن المنقضي .

اذا افتقدت باري ،كما يحلو لأقرب اصدقائه منادته تبجيلا،  فابحث عنه في ندوة او فعالية ذات طابع حقوقي او ثقافي فكري ،متصدرا متحدثاً بهيئته البسيطة ،ودرايته الغزيرة . اما اذا انقطع عنك لأشهر لا تيأس، فبالتأكيد سيرن الهاتف حاملا صوته المحبب  مسلما وسائلا عن الحال والاحوال والاولاد ،وفي الغالب عن كتاب تاه عنه مثل طفل في زحمة مولد او سوق شعبي في تهامة، او لإرشادك عن مادة جديرة بالمتابعة ، يعرف انها قريبة من انصرافاتك القرائية والبحثية.

ستجده في مقدمة صفوف  فعالية تضامنية مع احد المعتقلين، او صحيفة مهددة بالإيقاف او المصادرة اوفي وقفة احتجاجية ضد انتهاك ما ـ وما اكثرها وقفات عبد الباري، واكثرتها طعنات الحرب وندوبها النازفة.

قليلة هي الشخصيات التي تتخلى عن نعيم المناصب والمواقع، ان هي تعارضت مع قناعاتها ،او احست بانها لا تستطيع خدمة الناس من خلالها ،ومن هذه الشخصيات "عبد الباري محمد طاهر الاهدل " الذي رأينا كيف ترك موقعه في المكتب السياسي للحزب الاشتراكي اليمني وصحيفة الثوري ونقيب الصحافيين ومجلة الحكمة في اوقات متباعدة، وكان قريب من ترك موقعه في الهيئة العامة للكتاب عام مطلع يوليو 2012 لمجرد ان وزارة الثقافة كانت ستتورط في تمكين مجلس النواب من إصدار قانون مطبوعات مقيد للحريات (قانون حقوق الملكية الفكرية).  قبل ان يتركها نهائيا في خضم لوثة القتل والتنكيل والاستبداد.

 تحيه لباري الأستاذ الجليل ،

الذي سنظل  نتعلم منه كيف نقرأ وكيف نجادل بوعي

  وكيف نحب

حتى لا نتيح  للخصومات المنفلتة جرنا الى  مربع الضغائن القاتل.

 والاهم كيف نضحك و(نحش) ،

حتى نستطيع التخلص من الدوران الاعمى لدواليب الحياة

وكيف نقاوم بالكلمة والاحتجاج الحرب  وتجارتها،

والطبقة المتشكلة من فسادها و والمتكسبة من دم ضحاياها.

(*)  جزء من متن هذه المادة نشر تحت عنوان (عبدالباري طاهر بساطة التهامي وتواضع العالم) لمناسبة اختياره ضمن قائمة أهم مائة شخصية صحفية تدافع عن الحقوق والحريات في العالم  في مايو 2014.