صباح الراتب..صباح الفارق بين السلام / الموقف وسلام الشعار(2-2)
قبل 2 شهر, 8 يوم

الإهداء:

إلى الشهيد /علي أحمد ناصر عنتر، أحد أهم وأبرز رموز الكفاح المسلح،والاستقلال الوطني المجيد .. إليه رمزاً وشهيداً للوطنية اليمنية المعاصرة في صورة رجل الدولة النظيف الشجاع، عاش ممارسا للنكتة بالسليقة، واستشهد وهو يضحك.

إليه وإلى كل شهداء الثورة اليمنية.

مع كل الود والوفاء.

  حين كتب الفيلسوف البريطاني براتراند راسل، خطاباته، وكتابه عن السلام، كان يمتلك رؤية قيمية أخلاقية وسياسية وإنسانية واضحة ومعلنة، واجه بها الأنظمة والدول الرأسمالية / الاستعمارية، ورموز الحرب، والاستبداد والاستغلال، -وهو ابن حزب العمال البريطاني- ونزل إلى الشارع، وهو المفكر / الفيلسوف، مقارعاً سلطات الاستغلال والقهر والاستبداد والحروب، وقدم طروحات رؤيوية نقدية، يكشف فيها معنى روح السلام في الواقع، ومن هم أعداء السلام في الممارسة، بما فيهم سلطات بلاده. دخل السجن بسبب نشاطه السياسي المعادي للحروب الاستعمارية والعدوانية، ومن اجل السلام، وهو استاذ فلسفة اللغة والعقل والمنطق والرياضيات والدين، وهنا يكمن الجمع الابداعي الخلاق بين السياسي، والثقافي، بين المعرفي والفلسفي، وبين العمل الثوري، وليس الاكتفاء بنشاط البيانات والتوقيعات من الغرف المغلقة، كحالنا مع البعض في بلادنا من يتوهمون أن الدفاع عن السلام بدون ثمن، وحين دخل غاندي / المحامي غمار الكفاح السياسي الوطني في الهند ضد الاستعمار البريطاني، لم يرفع شعار "السلام" وكفى!! بل استتبع ذلك بكفاح اقتصادي حقيقي يومي ضد المصالح الاقتصادية الرأسمالية البريطانية، كما استتبع ذلك بكفاح سياسي مدني سلمي يومي، بدأ في تطبيقه على نفسه، ودخل إلى الكفاح السياسي القومي الهندي من أجل تحرير وطنه باستخدام كافة أشكال الكفاح السياسي المدني، والأهم النزول للشارع. وحين عُرض على المناضل الإنساني نيلسون ما نديلا إخراجه من السجن الذي قضى فيه سبعة وعشرين سنة مقابل أن يوقف حزبه  /تنظيميه،  الكفاح المسلح، رفض ذلك مفضلاً البقاء في السجن على انتزاع أدوات ومداخل حريته الحقيقية منه .. لم يتخل عن حقه وحق شعبه في الكفاح المسلح باسم شعار "السلام"، ولكنه، حين وصل إلى قمة السلطة، جسد أعظم سياسة سلمية وإنسانية حقيقية اخرجت جنوب أفريقيا من دوامة العنف والحروب، ونظام الفصل العنصري ، "ابارتهايد"، برفعه شعار "السلام" محمولاً بأدوات القوة المنفذة له  في الواقع، كان يدرك أن السلام إرادة وقوة فعل، وليس مجرد شعارات وعواطف للمزايدة الكلامية، والاستثمار في الميدان السياسي الخاص .

 فالسلام ليس مجرد شعار، بل قضية سياسية كفاحية / عملية .. وهنا يكفي أن نشير إلى الفيلسوف والمفكر الوجودي جان بول سارتر، الذي كان شغله اليومي منصب على الإنتاج المعرفي / الفلسفي، ولكنه حين انحاز مع خيار السلام، فإنه دخل معترك العملية الكفاحية من أوسع أبوابها دفاعاً عن خيار وهدف السلام، وبدأ بالكفاح السياسي من أجل السلام بانخراطه في صفوف المقاومة الفرنسية السرية ضد الفاشية، والنازية، وفي هذا السياق الكفاحي تبلور ونضج خياره نحو قضية السلام، وليس عبر الغرف المظلمة، وحين وجد أن نشاطه الفردي لايؤدي الغرض ولن يوصله للهدف السياسي الذي ينشده أسس حزبا سياسيا (الائتلاف الديمقراطي الثوري)، وكان حاضرا في قلب كل التظاهرات القوية ضد الحروب العدوانية والاستعمارية، ووقف ضد الحرب الكورية، وساند حرب الفيتناميين سياسيا في مقاومتهم لامريكا، ورأى العديد من الباحثين أنه ملهم ونبراس ثورة مايو 1968م، ووقف ضد التدخل السوفيتي في تشيكو سلوفاكيا (ربيع براع)، وعلى طريق الكفاح السياسي من اجل السلام وقف  ضد خيار بلاده الاستعماري في عدوانها مع اسرائيل، وبريطانيا، على مصر الثورة في العام 1956م "العدوان الثلاثي"، ونزل يومياً إلى الشارع في قلب شوارع فرنسا مطالباً بالسلام والحرية لمصر ولشعبها العظيم، وكتب العديد من المقالات المرافقة لذلك، ومارس برمزيته الثقافية ، ومكانته الاخلاقية، دور المحشد الجماهيري ضد حكومة ودولة بلاده انتصاراً لحق الشعب المصري في السلام. وذهب إلى مصر عبدالناصر لمقابلته دعما ومباركة للثورة المصرية وأجرت معه مجلة"الطليعة"المصرية حينها مقابلة والعديد من اللقاءات الثقافية والسياسية الداعمة لمصر ولمعنى التحرر الوطني العالمي، كما لا يمكن أن لا نشير إلى موقفه مع عشرات من المفكرين والمثقفين من أبناء بلاده ومن العالم ، ضد دولته فرنسا، ومع شعب الجزائر في ثورته، حيث جعل سارتر من الشارع  مستقراً ومنزلاً له دفاعاً عن حق الشعب الجزائري في حريته واستقلاله، وسلامه الوطني. كان السلام عنده قضية، وفكرة، وموقفاً، ومعنى حياتي ووجودي إنساني في عقله وعقل هذه الرموز، ولذلك كتب "عارنا في الجزائر". كذلك حاله مع ثورة كوبا والعدوان عليها فكتب كتابه "عاصفة على السكر"، ولم ينحاز لعصبيته القومية، أو الطائفية، أو العرقية، كحالنا مع البعض اليوم في كثير من الحالات العربية.

وباسم السلام، وفي قلب الحرب العالمية الأولى وقف "البلاشفة" ضد الحرب الاستعمارية، ووصفوها، بأنها حرب امبريالية عدوانية استعمارية، هدفها اقتسام ثروات الشعوب المقهورة، واحتلالها. وبعد انتصار الثورة البلشفية، أصدر "مرسوم السلام"، وفتح الوثائق السرية لتلك الحرب الاستعمارية ونشرها، ورفضوا الحروب العدوانية على الغير، لتمييزهم الواضح بين الحروب العادلة، والحروب الاستغلالية الظالمة، مؤكدين ومؤسسين على حق الشعوب في تقرير مصايرها،  ومؤكدين على مبدأ "التعايش السلمي"، وأن الحروب العادلة هي طريق الشعوب للحرية، والاستقلال، والسلام.

 جميعهم وقفوا ضد حكام بلادهم، ولم ينحازوا مع خيارات سلاموية وهمية  "وطنية"، أو عصبوية، حيث نشهد اليوم في بلادنا انحدار وسقوط البعض من الأممية إلى العصبوية السلالية والمذهبية والقبلية، ومن الوطنية والقومية إلى القروية والمناطقية، حتى شمال /جنوب، وتحويلهم لبعض مناطق البلاد إلى حدود هوياتية جغرافية لمنع التواصل الوطني والإنساني بين أبناء البلد الواحد، وكأننا عدنا القهقرى لأسوأ مما كان قائماً في زمن التشطير، بل وحتى عما كان موجودا في الزمن الاستعماري.

  إن السلام ليس جملة اعتراضية، ولا جملة شعارية وكفى!! كما هي اليوم مهنة من لا وظيفة له، ويعيش عاطلاً باطلاً، بعد أن استقالت قيادات المكونات السياسية عن دورها في ممارسة الفعل السياسي الوطني الحقيقي. لقد تحولت اليوم العديد من القضايا والأفكار، والمفاهيم، والقيم، إلى مجرد لعبة في سوق نخاسة المزايدة الكلامية .. وأحياناً لتمرير مشاريع سياسية صغيرة /ذاتية، وتحت ذريعة / وحجة خطاب "السلام"، أو الحياد عن الصراعات الدائرة ورفضها أسمياً ، وإدانه الحرب إعلانياً، هكذا في العموم. لقد اختلطت قيمة وفضيلة السلام كمبدأ إنساني بالنوازع السياسية الضيقة، اختلط فيها الحابل بالنابل، وعلى نحو غير مسبوق، وهي ظاهرة وحالة تبرز وتتجلي في المراحل الاستثنائية "الانتقالية"، والمنعطفات السياسية الحادة .. ظاهرة نكاد نراها في العديد من البلاد المشحونة بالصراعات السياسية والاجتماعية والإيديولوجية،  وذات الطابع التاريخي المعقد، (العراق ،سوريا، لبنان، اليمن) التي يتداخل فيها المسيس / بالإنساني، الواقعي /بالأسطوري، الأيديولوجي/ بالديني،الضحايا، بالقتلة، الكتبة المأجورين بشهداء الحرف.

 إن الخلاف أو الاختلاف هنا ليس بين، وحول، القيم المعيارية الكلية "المبادئ والأفكار" المرفوعة شعارات، بل الخلاف، حول المسارات، والمسارب السياسية الضيقة التي يراد حشر السلام وغيره من القضايا والمفاهيم في نفقها الكالح، وتوظيفها لصالحه .. الخلاف هنا على، وحول، محاولات البعض تحويل الأنسنة، والسلام، إلى مجرد مشاريع ذاتية صغيرة، تصب في بنك رصيدهم الشخصي،  ولا صلة لها بالسلام وهدف السلام.

 نحن مع سلام الرؤية، والموقف السياسي الواضح، وليس شعار السلام المجرد، السلام وكفى!! سلام يقول كل شيء ولا يقول شيئاً ملموساً في واقع الممارسة، سلام شعاري يشير إلى جهة / ومكان، ويصب في نتائجه السياسية والعملية في المكان الخطأ. فكم من الشعارات حول السلام والديمقراطية، وحول الوطن والوطنية، والثورة، قادت الناس في سياق الممارسة إلى الكفر بها جميعاً. ألم يكن  أحد شعارات الحرب على ثورة 26سبتمبر 1962م هو محاربة الشيوعية، وفرض خيار السلام من خلال شعار إيقاف الحرب!! بعد أن تحولت الجمهورية، إلى كفر والحاد؟ وفي التاريخ السياسي القريب، رأينا كيف تحول شعار إدخال الديمقراطية إلى المنطقة العربية، إلى غزو، واحتلال للعراق في أبريل 2003م، وهي أم الخيانات والهرائم القومية التي نعيشها اليوم ، وباسم إدخال السلام الاجتماعي إلى العراق، ونشر الديمقراطية، وهو خير دليل على كيف تتحول قضايا ومفاهيم إنسانية نبيلة وعظيمة إلى مستنقع لإنتاج حروب مستدامة.  هناك تجار سلام، بمثل ما هنالك أمراء حرب، لا تزدهر تجارتهم وأعمالهم وتتسع أرزاقهم سوى في قلب الصراعات، والأزمات، والنكبات، والكوارث، والحروب.

 اليوم نرى بأم العين كيف تتحول العواصف، والفيضانات،  والزلازل، والبراكين، والحروب، إلى مصدر عيش ورزق للبعض، سواء جاء في قبعة جنرال عسكري، أو عمامة رجل دين، أو ثوب مدني تقدمي معاصر. وهنا أتفق مع العديد من الزملاء أن من أهم المستفيدين من الحرب الجارية في بلادنا وفي غيرها من الأماكن، هم الطغاه والمستبدين، والفاسدين، ويساندهم ويؤازرهم عدد من حملة المباخر، من الكتبة المأجورين، في كل حين.. وجميعهم، وكل من موقعه، يشعلون الحروب ليستثمروها، سياسياً، ومالياً، وسلطويا،ً وعلى أيديهم تتحول النعمة ،إلى نقمة ، وتتحول الكوارث السياسية، والكوارث الطبيعية، إلى قضايا مريحة، ومربحة، سوق رائجة للاستثمار السياسي والمالي السلطوي. وهناك من الأنظمة المستبدة والفاسدة، في تجاربنا السياسية الراهنة والتاريخية، من يشعلون الحروب داخل مجتمعاتهم، إما لتصدير ازماتهم الداخلية / الخاصة للخارج، أو بهدف قمع المعارضين تمهيداً للتخلص منهم في الداخل، إنهم يديرون لعبة إشعال الحرب تكتيكيا (ونموذج ذلك، علي عبدالله صالح يمنياً)، ولكنهم لا يستطيعون بعد ذلك التحكم بأمر إيقافها ومساراتها ، فأحجار الحروب تتداعي وتتدحرج، مثل كرة الثلج، والنموذج الصارخ لذلك حرب 1994م، (حرب الوحدة والموت) التي انتجت كل الحروب اللاحقه من حروب صعده الستة، حتى الحرب الجارية .

لقد بدأ علي عبدالله صالح حروبه الداخلية باعتبارها لعبة "تكتيكية"، متحكم بها، رقص على رؤؤس الثعابين، حسب تعبيره، حيث استنجد "بالمجاهدين"  الإفغان، واليمنيين، ضمن لعبة إقليمية / دولية، لإسقاط مشروع الوحدة السلمية، ثم عمل  بعد ذلك للتخلص من شركائه في حرب 1994م، ليبدأ المساهمة في إعداد وتسهيل تشكيل "الشباب المؤمن"، في البداية لتحجيم نفوذ وقوة حزب "التجمع اليمني للإصلاح" سياسياً، وعسكرياً، ومذهبياً، حتى انقلب السحر على الساحر، في صورة حروب صعدة التي استخدمت من قبل علي صالح ورقة سياسية ضد الحوثيين تحت عناوين مختلفة، منها شعار مكافحة الإرهاب، لا بتزاز أمريكا  وأوروبا، وبعدها من أجل  إبتزاز السعودية لجني الأموال منها، باسم مكافحة الخطر ألاثني عشري / الإيراني، الذي أسهم علي صالح بدور كبير في ميلاده وإنتاجه، بعد أن دخلت السعودية طرفاً عسكرياً في الحرب ضد الحوثيين جواً وبراً في حرب صعدة "اللا وطنية". وكلنا ما يزال يتذكر حضور القادة السياسيين،  والعسكريين السعوديين  في قلب هذه الحرب  في عام 2009م، وكل تلك كانت أهدافاً تكتيكية لمراكمة الطريق أمام الهدف السياسي الاستراتيجي للرئيس السابق علي صالح، على طريق تخلصه من بقايا الجيش الوطني، في حرب صعدة ولإفساح الطريق أمام هيمنة "الحرس الجمهوري"، لحماية العائلة المالكة "الصالحية /الجملكية"، وللتهيئة لنظام "التوريث" بعد قراره "بخلع العداد"، وفي طريق التخلص من المنافسين من المنطقة / سنحان ومن الأسر الكبيرة، وصولاً لمحاولة للتخلص من اللواء علي محسن بإعطاء إحداثيات خطأ للطيران السعودي، بعد أن كان قد تخلص قبلاً من منافسين كبار : مجاهد أبو شوارب، اللواء/ يحي المتوكل، وجار الله عمر الذي كان يخشاه لأسباب عديدة، ومعهم محمد اسماعيل، واللواء أحمد فرج، والقائمة تطول.

 إن لعبة الحروب وأمراء الحروب مسألة حاضرة في التاريخ السياسي السلطوي اليمني القديم / والمعاصر، والذاكرة ما تزال تحتفظ  بصور كيف تخلص الإمام يحي  من أجل احتكار السلطة في العصبية العائلية الصغيرة، ممن شاركوه وساعدوه في الحرب على الأتراك، وكيف جاء بأعيان "تعز" مكبلين بالقيود والإصفاد من الأيدي، إلى الأرجل، حتى الرقاب، إلى سجون حجة "نافع / والقاهرة" وقبلهم، ومعهم، أعيان تهامة، الذين مات جلهم في السجون بعد عشرين سنة من السجن. ولم يسلم من أعيان تعز سوى عبدالوهاب نعمان، الذي أعدمه بعد ذلك، وعلي عثمان، ومن الزرانيق، بقى على قيد الحياة شخص واحد اسمه سالم درويش، ثم كيف تخلص بعدها من أعوانه / المنافسين القريبين من داخل صحن المذهب / والسلالة، بعد قراره بفرض طرح فكرة وقضية"ولاية العهد"خلافا لما ينص عليه المذهب الزيدي، بعد اقتناعه بانتهاء دور حلفاؤه، ومن ساندوه عسكريا، وسياسيا، بدءاً من بيت آل شيبان، آل الضحياني، والمضواحي، قاسم بن علي أبو طالب "العزي"، حتى عبدالله الوزير، وعلي الوزير، وغيرهم حين شب أبناؤه عن الطوق ليتحولوا إلى سيوف إسلام، وأمراء على المحافظات بدلاً عن الحلفاء والأعوان السابقين .

إن لعبة استثمار الحرب في الصراعات السياسية الداخلية على خلفية وقاعدة فكرة "الخروج على الإمام "الظالم" في مناطق شمال الشمال. حالة وقضية أصيلة في الفكر، والممارسة، من الإمامة الهادوية، إلى علي عبدالله صالح، حتى الحرب الجارية، وهو ما نؤكد عليه في جل ما نكتب، وهو ما أشار إليه ضمنا أو تلميحا عبدالباري طاهر في ما سبق أن أوردناه.

إن الحرب هي لعبة السياسة، والسلطة، والثروة، والجميع يعلم ذلك، ولكل حرب أهداف سياسية واجتماعية، وخلفية أيديولوجية، وليس هناك حرب دون مصالح، ودون أهداف سياسية، وبلا رؤية. كما أن لكل حرب أسباب، وعلل، ومقدمات، وهو ما يجب أن يبحث، ويدرس، ويحلل، حتى نصل إلى تحديد سياسات ومواقف منتجة للحل، وليس مجر شعارات سلاموية وكفى!!

لقد انتصر سلام براترند راسل، وجان بول سارتر، وغاندي، ونيلسون مانديلاً، والسلال، وقحطان الشعبي،وفيصل عبداللطيف الشعبي، وسالمين، وعبدالفتاح اسماعيل، وعلي عبدالمغني، وعلي أحمد ناصر عنتر،ومحمد مطهر زيد، وعبدالله جزيلان، وعبدالحافظ قائد وعبدالقادر سعيد، وعبده علي عثمان، وثابت عبد، وعمر الجاوي، وعبدالله باذيب، وعلي باذيب، وعبدالجليل سلمان وسيف أحمد حيدر،وعبدالعزيز المقالح، ومحمد علي الشهاري، وعبدالرقيب عبدالوهاب، ويوسف الشحاري، وعبود، وبدر، ومدرم، ومحمد مهيوب "الوحش"، وأحمد عبدالوهاب الأنسي "قائد معسكر الأزرقين"،واسماعيل الكبسي وعلي مثنى جبران (قائد سلاح المدفعية)، ومحمد صالح فرحان، وحمود ناجي سعيد، "قائد قوات المظلات"لأن خطابهم، ومواقفهم جميعاً، كل من موقعه، كان خطابا للسلام، ودفاعاً عن السلام، خطاب يتكئ على رأسمال معرفي، وفكري، وثقافي، ورأسمال قيمي، ووطني، تسنده رؤى واضحه تجاه السلام. هؤلاء حقيقة هم من كانوا يدافعون من أجل إنتاج وتكريس معنى وقضية السلام الاجتماعي والوطني، السلام الجمهوري، وليس سلام جمهورية ورثة الإمامة والمشيخية القبلية، هؤلاء هم من كانوا يدفعون ضريبة السلام الإنساني التاريخي نيابة عن كل اليمنيين، من أجل مستقبل خال من الحروب وليس دعاة إيقاف الحرب وشعار السلام الذي قتلوه حضوراً في مقدمة (ديباجة) بياناتهم السياسية / القبلية حول السلام، الذي أكدت التجربة السياسية الواقعية أن هدفها تسليم الحكم "السلطة والثروة" لورثة الإمامة الجدد في صورة المشيخية القبلية العسكرية لإسقاط الرمزية السياسية والاجتماعية والوطنية لنصر السبعين يوما، وتصفيته سياسيا، وماديا، لاحقا، وهو النصر الوطني العظيم،ً الذي تحقق بعد خروج الجيش العربي المصري، وهذا هو السلام الذي نريده وننشده اليوم، سلام مشدود للحركة صوب المستقبل، وليس بالاستعانة باستعادة أعطاف الماضي الكئيب للحركة نحو "سلام وهمي"لا يمتلك شروط تحققه في الواقع .

السلام بحاجة إلى أصحاب رؤى عظيمة، وإرادة جبارة، وقيم أخلاقية وإنسانية تعاضد حركته نحو المستقبل، ولا ترهن الحاضر، والمستقبل بإعطاب الماضي. إننا اليوم حقا نعيش حالة انفصال، وانفصام، بين السياسي / والثقافي، بين المعرفي الفكري / وبين الأيديولوجي/ بين السياسة الوطنية، واللأ وطنية، وخاصة حين نسمع ونقرأ هوجة التعيينات وظاهرة احتكار المناصب في جماعة القرابة السياسية، والحزبية الضيقة، التي تمارسها الشرعية اليوم في مواقع ومفاصل بنية النظام، ومؤسسات الدولة، حتى صارت وزارة الخارجية، وغيرها من المناصب العليا حكراً على أبناء القيادات العسكرية، والسياسية من اللصوص،وأسوأ رموز جماعة الفساد، ومنهم ممولي قتلة شباب ثورة فبراير 2011م، وهي البداية المبكرة لرحلة "التوريث" الجديدة وباسم"استعادة الشرعية" و"الدولة".

 إن ظاهرة احتكار المناصب في أفراد "الزبونية"، العصبية الجديدة/القديمة، هو حقيقة انقلاب سياسي على كل مخرجات الحوار الوطني، وعلى كل التوافقات السياسية، يستوى هذا، بذاك، كله انقلاب، والخطر، أن هذا انقلاب وباسم الشرعية، واستعادة الدولة، الذي لم يتحقق منه شيئا ملموسا، على الاقل في واقع ما يسمى مناطق محررة!!،  ويبدو أنه لن يتحقق،مادمنا نسير ببطء وارتباك، وبدون رؤية، وفي الاتجاه الخطأ، والأخطر أن نصمت ونبلع السنتنا حين يكون الكلام من ذهب ، ونصمت عن الخطايا الكبرى التي قد تأتي على كل المعبد والهيكل الوطني: شعبا، ودولة..واخشى أن استمرار السير في هذا الطريق الخطر والمدمر، يفقد ما تبقى من الشرعية، كل الشمال، والجنوب، فبمثل هذه القرارات والتعيينات التي تكرس استمرار حضور اللصوص، والفاسدين، والقتلة، وتجار السلاح، ومن تفيدوا المال العام طيلة اكثر من ثلاثة عقود، نبتعد كلية عن اي أمل ببناء الدولة الوطنية الاتحادية، لأن الشرعية بذلك تأتي على أخر ما تبقى لها من رصيد سياسي، وشعبي، ووطني،ذلك ان العديد من الاسماء التي يتم اصدار قرارات بها هي ذاتها من عوقت السير باتجاه تنفيذ مخرجات الحوار الوطني، وهي من منعت ووقفت حائلا دون استكمال المرحلة الانتقالية، ووقفت عمليا ضد (نقل السلطة)، وهي في تقديرنا تعيينات لااسم ولاعنوان لها، سوى عودة رجال علي عبدالله صالح، في أسوأ نماذجها لصوصية وفسادا، وليس حتى من شرفاء المؤتمر الشعبي الذين لهم صيت طيب، ونعتز بهم كأسماء سياسية، ووطنية شريفة ونظيفة، وهو ما يجب إعلان رفضه ومقاومته(القرارات والتعيينات)، والاحتجاج السياسي العملي ضده بالنزول الواسع للشارع، وأنا هنا أضم صوتي لمن يدعون عملياً لتشكيل لجنة سياسية قانونية لرفع قضايا أمام القضاء، ضد الفساد السياسي، والعبث بالمال العام،قضايا أمام المحكمة الإدارية، وأمام الرأي العام السياسي والوطني اليمني، على أن تشمل هذه اللجنة كل الوطن، وعلى قيادة المكونات السياسية أن تخرج عن صمتها القاتل، وبؤس مواقفها المراوغة والمواربة (مع الوحدة/ ومع الانفصال) و (مع هذا وذاك)، لتقول كلمتها لاستعادة المجرى السياسي الوطني، ضد كل الانقلابات : انقلاب سلطة الأمر الواقع في صنعاء، وانقلاب الشرعية على التوافقات السياسية، والاخطر السير في الانقلاب على مخرجات الحوار الوطني، والانكى والأسوأ صمت قيادات المكونات، والنخب الثقافية، على انقلاب التحالف على دوره وتحوله الى صاحب السيادة والقرار في الشأن السياسي والوطني اليمني، ان السلام السياسي الحقيقي يبدأ من هنا،ولذلك نقول ونؤكد من أننا بحاجة إلى تكاتف كل الجهود وإلى تنمية رأسمال معرفي /فكري ثقافي رافض ومقاوم للفساد السياسي، والمالي، والإداري، للاقتراب الحق من ممارسة الشرط السياسي في آفاقه الوطنية الرحبة، وكما قال د/ عبدالإله بلقزيز في صحيفة الخليج 16/7/2018م "إن الانفصال النكد بين السياسة، والرأسمال المعرفي، والثقافي، ليس حادثة سير عادية في مسار العمل السياسي، ولا تتولد منه مجرد رضوض سطحية قابلة للعلاج، وإنما هو "الإنفصال" الذي يصادر من السياسة عقلها الإرشادي ما يتدحرج من البراغماتية إلى الانتهازية، ومن المصالح العامة، إلى المصالح الشخصية". ومن هنا حديثنا، أولاً، عن ضرورة حضور الرؤية ووضوحها سياسيا ووطنياً، في الممارسة العملية، وثانياً، توفر الإرادة، لتحويل الرؤية إلى مشروع في الواقع، وثالثاً، الاهتمام بالتركيز على اكتشاف المداخل السياسية والعملية للخروج من النفق السياسي المظلم، بربط النتائج بالأسباب. فالنتائج مهما كان أسمها، وعنوانها، إيجابي أو سلبي مأسوي، أو تكريس انتصارات معينة، جمعيها لا يمكن أن تبحث أو تدرس بعيداً عن عللها، والأسباب، والمقدمات المنتجة لها،  لأن الحرب والسلام خياران سياسيان اجتماعيان تقف خلف كل منهما في كل حالة، قوى سياسية اجتماعية طبقية معينة، وهي جميعاً ما تدحض شعار السلام وكفى!! بحثاً عن شروطه الموضوعية والذاتية، حتى نبدع حلولاً سياسية واقعية قابلة للحياة بعيداً عن شرط استدامة الحرب وباسم سلام "لا يشبع يمنياً ذي متربة .. في يوم ذي مسغبة .." والتعبير للأستاذ سمير اليوسفي، في مقالة له تحت عنوان: هل تتكرر "طائف" الحديدة.

وفي كتاب "نهج البلاغة"، يقول الإمام علي رضي الله عنه "إن اظلمت قف"، ففي هكذا ظلام يتساوى الغراب/ والحمامة، النملة/ والفيل، وينمحي الفارق بين سلام الرؤية والموقف، والسلام الشعاري، وهنا يصير الصمت أبلغ من كل حديث عن سلام يقول الشيء ونقيضه في الوقت نفسه.