مرة اخرى ... المثقفون اليمنيون وخطايا الاستبداد و الحرب !!
قبل 5 شهر, 4 يوم

تباينت ردود بعض الاصدقاء والزملاء حيال موضوع اخير، كتبته  منذ ايام عن تذرر الاحزاب وانقساماتها ومواقفها بسبب ما تمر به البلاد من نكبات عظيمة  ، وفي مقدمتها نكبة الحرب ،التي  نتجرع مراراتها بلا انقطاع، وان كان عنوان المادة  (نسختا حزب الاصلاح بين " تعز القطرية"  و "مأرب السعودية" ) قد اخذ بعضهم الى مناطق تأويل وقراءات عاطفية شديدة الالتباس، ابانت خشونة الادوات التي  تحكم رؤيتنا للأشياء ، التي لا نريد سماعها او قراءتها، لأنها لا تتمثل قناعتنا.

 وعند بعض المتخففين من هذه الحمولة ايضا، ليس من الوارد ان تقرأ وباستقلالية مواقف هذا الحزب او ذاك ، بحجة  ان الوقت والموضع غير مناسبين لذلك ، لان كثير الاستفادة  سيجنيها آخر " سياسي  او جهوي او مذهبي" من مثل هكذا كتابات ومواقف.  وفي ذات الوقت سيبين الموصَفِين في خانة  "الاخر" عن موقف مغاير تماما لنفس الموضوع  ، محكومين بذات المنزع وان من منطلق اخر.

الذي يحكم موقفنا كمثقفين، في كثير من المواقف،  ليس استبصارات وعي غير متعصب بداخلنا، وانما هوجات عاطفية صقلتها انتماءاتنا السياسية والمناطقية  ،وتصل احيانا الى حد الغاء الاخر ونفيه، و يقينيات قاطعة يراد تصليبها في وعي المتلقي  كما يرغب هؤلاء، لا تفكيكها كمقدمة لتجاوز محنة التعصب والانغلاق ، كما هو مفترض ان نكون  ونسلك.

 قبل عامين كتبت موضوعا  كان عنوانه (المثقفون اليمنيون وخطايا الاستبداد و الحرب) ، حاولت فيه مقاربة المؤثرات التي تحكم تصرفات المثقفين وتحيزاتهم  واصطفافاتهم ،التي توزعت على كتلتي الانقسام والحرب ، وان لأشيء تبدل منذاك ، ورأيت اعادة التذكير به، عطفا على ردود الفعل المشار اليها

**************.

 

المثقفون اليمنيون وخطايا الاستبداد و الحرب

في الحالة التي تعيشها اليمن، من احتراب وفوضى، تبرز الكثير من الاسئلة التي تحاول الاقتراب من دور المثقف في هذه اللحظة المصيرية ـ أين يقف ؟ وهل يعاني من أزمة تعوقه عن أداء دوره المفترض في مثل هذه الظروف؟ و لماذا يتخندق معظم المثقفي داخل مواقف الأحزاب والمكونات التي ينتمون إليها ؟ وهل يمتلك المثقف القدرة على مواجهة الضغوط السياسية ؟ و ما الدور المأمول من المثقف القيام به حيال القضية الوطنية التي تشغل بال اليمنيين ؟ وما الدور المفترض أن تقوم به المؤسسات الثقافية (الرسمية والخاصة) في الظرف الراهن ؟ وغيرها من الاسئلة ، التي  تحاول  وبقلق مقاربة الحالة (الملتبسة) التي يعيشها المثقف، او تُفرض عليه، في مجتمع بدأ بالتهتك جراء هذا التدمير الاخرق ، دون ان يستطيع فعل (الثقافة) وحوامله وادواته ، و(تبشيراته) تشكيل مصد، وكابح لجنون المتحاربين !!

وما اظنه كخطوة اولى،  في محاولة للخوض في  مثل هذه  المفردات، هو  البحث عن الجذر، الذي نمت عليه شجرة الكارثة، ولم يزل يمدها بأسباب القوة والحياة. الشجرة التي  تستطيل وتكبر على حساب سكينة الناس ومعيشهم وامنهم، و التي  تُطعِم البلاد يومياً ثمرها المُر، وتوقد بما تيبس من اعوادها، هذا الفصل الاهوج من الجحيم .

فعملية التخريب الممنهج ،التي مارستها  القوى التقليدية المحافظة المستبدة، الممسكة بمفاصل السلطة (القوة والثروة) للبنى الحيوية في المجتمع (التعليم والثقافة) ،قاد وفي سنوات قليلة الى  احداث خلل بنيوي قاتل داخل مشروع التحديث الهش، الذي بشرت به تحولات عقد ستينيات القرن الماضي في اليمن، شمالا وجنوباً (ثورتي سبتمبر واكتوبر).

فهذه القوى، كانت تعرف ان معادل موتها، يكمن في نهوض التعليم والثقافة الحرة المنتمية لروح العصر ومبذولاته ،لهذا عمدت الى تخريب حواضن التعليم والثقافة ومستوعباتهما المغايرة بدءا  بمناهج التعليم  وصولا الى المؤسسات الثقافية ،المعول عليها النهوض بالدور الفاعل للتنوير ،بواسطة المثقفين  انفسهم، بتوفير الحماية لهم (العيش  الكريم والحرية).

دُمِر التعليم ودُمِرت الثقافة ،بتحويل حواضنها ورافدها الى هيئات ادارة وتدجين وتوظيف . و المتابع للشأن العام سيرى كيف  انه خلال اربعة  عقود، شهدت البلاد  تحلل كامل لحوامل العصرنة (في التعليم والثقافة)،لتتعزز بدلا عنها قيم الخطاب التقليدي المحافظ (القبلي/الديني)،الذي بذل كل شيء من اجل شد المجتمع الى الماضي، حيث يستطيع ان يحيا ويتسلط.

غاب المشروع الثقافي العصري والتنويري في المجتمع، وان ظهرت هنا وهناك محاولات فردية (لشعراء وكتاب  ومفكرين)، لملء هذا الفراغ، لكنها لم تستطع ،بسبب تهميشها  المتواصل، ان تشكل فعلاً مقاوما ومؤثراً للمد الاصولي ،الذي بدأ التعبير عن نفسه ،سياسيا وطائفياً، وبقوة في الفضاء العام للمجتمع.

الاستقطابات  القاتلة في ازمات البلاد المتعاقبة، امتدت لشريحة المثقفين، الذين بدأوا بالتحوصل داخل هوياتهم الاضيق (السياسية والمناطقية والطائفية)،حين لم يجدوا مؤسسات الثقافة ،التي ينتمون اليها، قادرة على حمايتهم ،والتعبير عن استقلاليتهم  ،وقبل هذا اذابة احاسيسهم بالتمايز داخلها، فصاروا  مع الوقت عنوانا لانقسام المجتمع ،عوضا عن وحدته وتماسكه. بل وصاروا عنونا لمتاريس المتحاربين في كل الجبهات، لانهم ببساطة لم يستطيعوا تشكيل صوت نابذ للحرب ومجرَما لها، بسبب الضغوط الشديدة عليهم، وبسبب هشاشة تكويناتهم الفكرية، التي من المفترض ان تكون عابرة للجغرافيا والطائفة والعائلة.

تدمير الثقافة بالإفساد، وتفريغها من مضامين الحداثة والحرية، افضى الى افساد لدورة الحياة في المجتمع ،بما فيها الحياة السياسية، ونخبها (احزابا وافرادا)، التي سرعت ، بفعل فسادها ، في تعاظم هذا الانقسام المميت في المجتمع ، والذي لا يمكن ان نتجاوز تشظياته، الا بنبذ الحرب وتجريمها ، بذات الكيفية النابذة للاستبداد والقهر، من خلال اصطفاف قوي في اطار مشروع وطني يعبر عن تعدد المجتمع ، وحق الجميع في التعبير عن ذواتهم وحاجاتهم ، بوصفهم مواطنين اولاً، وافرادا تقوم علاقتهم بالدولة بالمباشرة، تماما كعلاقتهم بالدين دون وصايا من السلطة القاهرة  للجماعة والطائفة والحزب والمنطقة .

بالتأكيد ستتراجع الاستقطابات وستنتهي الحرب بكل اكلافها المُرة ،وان بعد وقت، وسيعرف الجميع وعلى رأسهم (اهل الثقافة)، مكامن الخلل وجوهره، ولن يكون امامهم سوى التعاطي معه وبمسئولية . وسيكتشفون  ان قوى الحرب (التي يصطفون معها الان) هي على طول الخط، ضد اراداتهم ككائنات سلام ومحبة، مهما رفعت من شعارات المظلومية والوطنية .

المثقف المختلف النابذ للاستبداد والحرب ،وحده القادر على تعرية التسلط وادوات قهره ،فهو بصوته وصدقه اكثر ايلاما لمشروع الإظلام، الذي يكرس الان، فلا يجد المستبد من وسيلة، بعد استنفاذ كل طرق الترويض المستحيل، سوى اسكاته بالعنف والايذاء، كما حدث لعشرات المثقفين والكتاب الصحافيين الذين تعرضوا ولم يزالوا لكل انواع التنكيل والقهر.