لن ينتصر أحد، مادام الخاسر الأكبر هو الوطن
قبل 3 شهر, 6 يوم

أثَّرت الحرب الكارثية، التي نعيشها، على نفوسنا وعقولنا وعكست نفسها على سلوكنا وعلاقاتنا، وأحدثت إنقساماً في المجتمع اليمني، لا مثيل له من قبل، تجاوز الإنقسام المناطقي والطائفي والسلالي، إلى الإنقسام في داخل الأسرة الواحدة. وقد حدثنا أحد الأصدقاء مؤخراً، أن أخوين من أبناء عمومته قُتلا. وكان أحدهما يقاتل مع (أنصار الله) والآخر كان يقاتل مع (الشرعية).

ومن يتصفح المواقع الإلكترونية ويتابع ما يُكتب فيها، يُصدم بما يقرأ، وبمدى تدني مستوى التخاطب، الذي وصلنا إليه. عبارات حادة، لا تقبل الآخر، تصل أحياناً إلى حد الشتائم والتجريح الشخصي. ومع ذلك فنحن لا نتردد في تقمص ثياب الواعظين، فنتحدث طويلاً ونكتب كثيراً، عن الديمقراطية ولغة الحوار والتعايش والتوافق والتسامح ...إلخ، مجسدين بذلك حالة انفصام غير مسبوقة، بين القول والفعل. هل كنا هكذا دائماً، أم أن هذه هي بعض إفرازات الحرب؟.

في مقال قديم، كتبته خلال حرب 1994م، بين الرئيس السابق علي عبد الله صالح وحلفائه، وبين الحزب الإشتراكي اليمني، تحدثت فيه عن حدود ديمقراطية كل منَّا، وأكدت بأن في داخل كل منَّا دكتاتوراً، يُعبِّر عن نفسه، كلما تهيأت له الظروف. وهذا التأكيد يجد اليوم من الشواهد ما يؤيده. فكل منَّا يدَّعي امتلاك الحقيقة، والآخرون على ضلال. وعلى هذا الإدعاء يبني مواقفه وعلاقاته. فأنت على حق، ما دمت معي. وأنت على باطل، ما دمت مخالفاً رأيي. ومع استمرار الحرب، اكتسبت هذه الظاهرة مزيداً من الحدة، إلى درجة أن عبارة في مقال، لا توافق مزاجنا، أو لا تساير موقفنا، يمكن أن تجلب على كاتبها الويل والثبور وعظائم الأمور. حتى أننا أصبحنا نتجنب الكتابة، إلا عند الضرورة.

لقد رفضنا الحرب قبل أن تبدأ. وحذَّرنا (أنصار الله) من العواقب الكارثية للتمدد العسكري، قبل أن يغادروا صنعاء، إلى تهامة وتعز وعدن وغيرها. والإخوة، الذين كانوا معنا في (اللجنة الشعبية للتقريب بين المكونات السياسية اليمنية)، يتذكرون هذا، إذا لم تكن الذاكرة قد فقدت صلاحيتها. ثم رفضنا الحرب عند اندلاعها، بكتابات وحوارات وبيانات واضحة. ورفضناها وهي تسحقنا وتدمِّر مقومات حياتنا وتفتِّت نسيجنا الإجتماعي وتبثُّ الفرقة بيننا وتحوِّل علاقاتنا الطيبة حقداً ونفوراً. ورفضنا استمرارها علناً، في كل ما كتبناه وقلناه. نعم، رفضنا الحرب بمجملها، بفلسفتها وفعلها وتأثيراتها وبكل تجلياتها وإفرازاتها. لم نجزِّئها، ولم نرفض بعض إفرازاتها ونقبل بالبعض الآخر.

الحرب بمجملها، بكل مظاهرها وبكل إفرازاتها مرفوضة عندنا جملة وتفصيلاً: إيقاف صرف المرتبات والمعاشات مرفوض، والحصار والتجويع والقتل بالجملة والتشريد والتغييب وتعذيب الأسرى وقتلهم والتمثيل بجثثهم ونهب الممتلكات الخاصة والعامة والإغتيالات الفردية والجماعية وقصف البيوت السكنية والمستشفيات والمدارس والأسواق والجسور والطرقات وقاعات الإفراح والعزاء وسيارات المسافرين ومحطات البنزين والمصانع والمزارع وتجمعات النازحين ...إلخ، كل هذا مرفوض. والعدوان الخارجي، الذي كنا ندرك منذ البداية أهدافه الحقيقية المضمرة، مرفوض. والإستيلاء على السلطة بالعنف، وما ترتب على استخدام العنف من انقسام اليمنيين وتمترسهم في خنادق متجابهة، مرفوض. وقد رأينا في الإنحياز إلى خندق من خنادق الإقتتال الداخلي، في ظل التدخل الخارجي وتبعية الأطراف الداخلية لهذه القوة أو تلك، من القوى الإقليمية المتصارعة، رأينا في ذلك عاملاً مساعداً في إطالة الحرب وتعميق الإنقسام والتشرذم، تمهيداً لتجزئة اليمن إلى دويلات متعددة وهزيلة. وهذا في قناعتنا، إذا لم يجانبنا الصواب، هو الهدف البعيد لكل ما يدور على الساحة اليمنية، مثلما هو هدف مؤكد للحروب المدعومة والممولة على الساحة العربية.

لقد كان خيارنا وما يزال: إنقاذ اليمن، بوقف الحرب والتوجه نحو طاولة الحوار وإرساء قاعدة للتعايش والشراكة الوطنية، تُبنى عليها دولتنا المدنية، الكافلة والحامية لليمن كله ولليمنيين جميعهم، دون استثناء. هذا الخيار ليس خيار الجبناء والمترددين وأصحاب المنطقة الرمادية، كما جرى توصيفه، من قبل أصحاب الرؤوس الحامية، في الخنادق المتجابهة. بل هو الخيار الوطني المسؤول. إنَّ رفض الحرب، أياً كانت أطرافها، والمطالبة بإيقافها، هو موقف يتطلب قدراً من الشجاعة، يتجاوز شجاعة المنحازين لهذا الخندق أو ذاك. لأن من يختار هذا الموقف، يضع نفسه في مرمى الجميع، ويتوقع أن يسيء إليه الجميع. وقد حصل هذا. وعندما نختار طريق السلم والحوار والشراكة الوطنية وبناء الدولة المدنية، فنحن لا نقول: إيقاف الحرب وكفى. بل نقول: إيقاف الحرب، كخطوة ضرورية للتوجه نحو الحوار وبناء الدولة، دولة اليمنيين جميعهم، التي يحكمها صندوق الإنتخابات، ولا يتغوَّل فيها أحد على أحد، ولا يُقصى فيها أحد. فالبديل لإيقاف الحرب هو استمرار كوارثها وتدمير ما  تبقى من شروط الحياة الإنسانية في اليمن. 

إن سخرية البعض من نداء السلام، ليست أمراً مستغرباً. ففي كل الحروب، يبدو نداء السلام صوتاً نشازاً. فالمتحاربون، كل منهم يسعى إلى سحق خصمه وتحقيق الحسم في ميدان القتال. ونحن ندعو إلى الحسم على طاولة الحوار. لأن كلفة الحسم في ميدان القتال كلفة عالية، على الوطن وعلى الشعب، ولن يستفيد منه، إذا تحقق أصلاً، سوى بعض الحكام والمنتفعين. في حين أن الحسم على طاولة الحوار طريق مأمون، يؤسس للشراكة الوطنية وللتفاهم والتعايش والمحبة، ويجني ثماره الشعب بكامله. 

نحن نعرف الحرب، ربما أكثر ممن ينتقدون موقفنا، ونقدِّر أهوالها، ونخشى آثارها على الإنسان اليمني، على المدى القريب والبعيد. لذا نتمسك بدعوة السلام ونخلص لها، ولا نتحسس إن ازور عنا بعض أصدقائنا، أو غضب علينا من يشاء منهم أن يغضب. وسنظل نعبِّر عن رأينا بوضوح وجلاء، تجاه ما يُرتكب في بلادنا وبحق شعبنا من مجازر يومية، ليس آخرها قصف مكتب الرئاسة، في صنعاء، والبيوت الآمنة في منطقة الأزرقين، بالقرب من صنعاء. وهذا موضوع أود أن أتوقف عنده قليلاً.

فعلى إثر قصف مكتب الرئاسة، في قلب العاصمة صنعاء، وما سببه من تدمير ومن سقوط عشرات القتلى والجرحى، أصدرت (جماعة نداء السلام) بيانَ إدانةٍ واستنكار. ونشرته، في عصر اليوم التالي للقصف، في عدد من المواقع، وفتحت الباب لمن يريد المشاركة فيه أن يضيف اسمه إلى قائمة المشاركين. وفي غضون ساعات قليلة، كان البيان قد عُدِّل وغُيِّر واستُبعدت منه كلمات وعبارات وفقرات، وأدخلت عليه أخرى. ولم يأت المساء، حتى كانت المواقع تتبادل البيان نفسه بثلاث صيغ مختلفة. وكان واضحاً أن هناك أكثر من شخص، قد غيَّر وعدَّل وبدَّل، لجعل البيان متطابقاً مع موقفه السياسي.

إن الوضع الطبيعي في مثل هذه الحالة، هو أن يبقى البيان على صورته الأصليه. ومن يقرأه إما أن يقتنع به، ويضيف اسمه إلى قائمة المشاركين فيه، أو أن لا يقتنع به، فيمتنع عن إضافة اسمه. إن الأمر فعلاً بهذه البساطة، وليس معقداً بالمرَّة. ولكن الحالة، التي أوصلتنا الحرب إليها، جعلت كل منَّا يسعى إلى الإنتصار لوجهة نظره ولموقفه، ولو أدى الأمر إلى التدخل في صياغة بيان صادر عن مكون من المكونات أو جماعة من الجماعات، ومعبِّر عن موقف هذا المكون أو هذه الجماعة.

ومع ذلك فقد فهمنا الدوافع ولم نعبِّر عن اعتراضنا على الصياغات المختلفة. ورضينا بجوهر البيان، وهو استنكار وإدانة القصف والقتل المجَّاني للمدنيين. لكنه استجد أمر غير متوقع. فقد استاء أحد المشاركين من إضافة، قصف وزارتي الدفاع والداخلية، في إحدى الصياغات، وأعلن انسحابه من قائمة المشاركين. ولأنه قد وجه خطاب الإنسحاب إلى عبد الباري طاهر وأحمد قايد الصايدي، عضوي جماعة نداء السلام، فقد رأيت من واجبي أن أوضح الأمر، وأن أشير إلى أن البيان كان في الأصل متعلقاً بقصف مكتب الرئاسة، وأن الصيغة الأصلية قد جرى التدخل فيها. وبالطبع فإن توضيحي هذا لا يعني بأي حال أننا لا ندين قصف وزارتي الدفاع والداخلية وكل عمليات القصف اليومية، التي تواصلت على مدى السنوات الماضية، وطالت كل شيء. ولكن البيان تناول حادثة بعينها، كنموذج لمئات وآلاف الحوادث. إننا ندين كل قصف ونستنكر كل قتل لليمنيين. فكل يمني يسقط قتيلاً أو جريحاً، هو من دمنا ولحمنا. بغض النظر عن الخندق، الذي يتمترس فيه. وعلى هذا بنينا موقفنا المبدئي من الحرب بمجملها.

وبعد نشر التوضيح فوجئنا بأن إسم (جماعة نداء السلام)، أي إسم الجهة، التي أصدرت البيان قد حُذف من قائمة المشاركين، وحُذف معه إسمَيْ (عبد الباري طاهر وأحمد قايد الصايدي)، عضوَيْ الجماعة. مع أننا لم نضع هذين الإسمين، بل وضعهما، كما يبدو، أحد الأصدقاء، دون أن يأخذ رأينا في ذلك. فنحن نفضل الإكتفاء بالإسم الجامع (جماعة نداء السلام). وبحذف هذه الأسماء، إسم جماعة نداء السلام وإسمي العضوين المذكورين، تم انتزاع البيان من أصحابه، واستبعادهم. ويمكن لمن لديه قدرة على الضحك أن يضحك. فالأمر في غاية الطرافة. ومع ذلك فقد أدت الجماعة واجبها ورفعت صوتها وتجاوب معها الكثيرون. وهذا هو المهم في نهاية المطاف، أن ترتفع الأصوات المستنكرة لهذه الأعمال الوحشية.

لقد أوردت هذه الواقعة، لتوجيه الإنتباه إلى المدى، الذي وصلنا إليه. فقد أصبح كل منا لا يطيق إلا رأيه ولا يسمع إلا صوته. بل إننا قد نسخِّر أوقاتنا وطاقاتنا الذهنية لشيطنة الآخرين، الذين يختلفون معنا في الرأي. وهذه حالة علينا جميعنا أن نفكر في كيفية تجاوزها. فكم من أصدقاء، في سياق هذه الحرب الملعونة، فقدوا صداقاتهم وتقطعت علاقاتهم، بعضهم ببعض. ألا يجب على حملة الأقلام، التي قد تصبح أحياناً أشد إيذاءً من الرصاص، ألا يجب عليهم أن يعملوا بكل جهدهم على التواصل ومد جسور التفاهم، على قاعدة (رأيك صواب يحتمل الخطأ ورأيي خطأ يحتمل الصواب). أليس هذا أجدى وأنفع لبلدنا وشعبنا، بل وحتى أفضل لصحتنا النفسية، في هذه الظروف الصعبة؟ أليس من الأصوب أن نبدي تجاه بعضنا شيئاً من التسامح والتفهم، لا سيما ونحن نعتبر أنفسنا متعلمين، ونمتلك قدراً، ولو ضئيلاً، من الثقافة، ولا نحمل سلاحاً ولا نطلق رصاصاً؟ ولماذا نتعمَّد أحياناً سوء الفهم وتشويه المواقف، ما مصلحتنا في ذلك؟ ألا يجمل بنا في هذا الوضع الكارثي، الذي نعيشه، أن نحاول إبداء شيء من التسامح والتفهم؟ فقد نكتشف أن التسامح والتفهم مفيدان ولا يكلِّفان شيئاً، وأن عكسهما يكلِّف الكثير.

إننا، وأقصد جميع اليمنيين دون استثناء، ندرك ما يدور في وطننا العربي وفي جواره وفي العالم. وندرك أننا جزء من العالم وامتداد لصراعاته. وأننا تحولنا جميعنا إلى أدوات في هذه الصراعات. فلماذا لا نحكِّم العقل فيما بيننا، ونتوافق ونتشارك في صنع مستقبل اليمن، بعيداً عن المصالح الخارجية وصراعاتها؟ من منا لا يدرك أن وراء الحرب واستمرارها مصالح إقليمية ودولية، وأن لا مصلحة لليمنيين فيها؟. أفلا نستيقظ ونعقل ونتفاهم ونتوافق على الخروج من هذه الحرب، ونضع أسساً نتفق عليها، لبناء دولة، لا ينفرد بالسلطة فيها أحد ولا يُقصَى أحد، ولا تدين بالولاء لأي قوة خارجية؟.

إن مشاكلنا مع الجيران، وعلى  وجه التحديد، المملكة السعودية والإمارات وقطر وإيران، يمكن حلها، بإقامة علاقات معها، مبنية على حسن الجوار والإحترام المتبادل والتعامل الندِّي، الذي يراعي المصالح الوطنية للجميع، وكذا بتأكيدنا، عملياً لا نظرياً، على أننا لسنا مع أحد ضد أحد، ولن نكون أداة لهم في صراعاتهم، فليبحثوا عن أدوات أخرى غيرنا، أو ليصارع بعضهم بعضاً، صراعاً مباشراً، بعيداً عنا. ففينا ما يكفينا، ولدينا من الهموم والمهام ما يشغلنا عنهم عقوداً من الزمان. لدينا بلد مدمر وشعب جائع ممزق مريض ودولة منهارة.

ولكن لكي يفهم الجيران ويعقلوا، يجب علينا نحن أولاً أن نعقل ونفهم. فالأمر كله، أو جلُّه، يتوقف علينا نحن، يتوقف على قادتنا السياسيين والعسكريين وقادة الرأي، من حملة الأقلام، التي يجب أن توظف لإيقاف الحرب، تمهيداً لطي صفحتها نهايئاً وتجاوز مسبباتها وأحداثها وآثارها، لا في تأجيجها وصب الزيت على نيرانها. نعم نحن المعنيين بأمننا واستقرارنا ومصالحنا الوطنية. ولو توافقنا وتنازل بعضنا لبعض، في سبيل المصلحة الوطنية، واتجهنا بنيِّة صادقة، إلى تجاوز ما نحن فيه، أسباباً ومؤثرات وآثاراً، وإلى بناء دولتنا، على أسس الشراكة وعدم الإنفراد، وتحويل المليشيات المسلحة المختلفة إلى مكونات سياسية مدنية، تنتهج العمل السياسي السلمي وتحتكم إلى صندوق الإنتخابات، الذي نشارك عبره كلنا في اختيار من يحكمنا، لدورة إنتخابية يحددها الدستور، إلى غير ذلك من التدابير، التي لا بد أن نقدم عليها، اليوم أو غداً. وما لم نقدم عليها فسنندثر جميعنا ويتمزق وطنننا، ويتحول إلى (فَيْدْ) للقوى الخارجية. أفليس من الأفضل لنا والأكثر صواباً، أن نتوجه اليوم، بدلاً من الغد، لإنجاز هذه التدابير، لننقذ أنفسنا ووطننا؟. المسألة هنا تحتاج إلى عقل، فهل نعقل؟، وإلى صدق، فهل نصدق؟ وإلى التخلي عن أوهام النصر، لأن الكل خاسر، ما دام الخاسر الأكبر هو الوطن، كما كررنا مراراً.