نسختا حزب الاصلاح بين " تعز القطرية" و "مأرب السعودية"
قبل 5 شهر, 6 يوم

من غرائب الحياة السياسية في اليمن، ان كل حزب او تنظيم سياسي فيه  لديه نسختان تسويقتان  لموافقه وتحالفاته، وفي ربع قرن تعززت هذه الحالة، ليس كنتيجة طبيعية لعملية  الشق والاستنساخ التي اتبعها نظام صالح مع كثير من الاحزاب لإضعاف العملية السياسية  وتشويهها  ،والتي فتت المكون الواحد الى مكونين ويزيد ( انموذج الناصريين والبعثيين)، وانما في اطار الاحزاب والتنظيمات التي لم تتعرض للتجريف، و حافظ اكبر مكوناته على لٌحمته التنظيمية.

خلال سنوات الحرب الثلاث تقوت هذه النزعة ،وصارت متعينة بوضوح متداخلة بحالة الاصطفافات ومفروزاتها في المشهد العام . فرأينا  مثلا "مؤتمرين شعبيين" الاول  ارتبط بعلي عبدالله صالح، ومشروعه التحالفي مع الحوثيين ،الذي انجز انقلاباً على عملية التوافق السياسي  ،وما ترتب على ذلك من حالة الاحتراب والفوضى التي تشهدها البلاد، والثاني الذي سمى نفسه بالمؤتمر الداعم للشرعية ، واستطاع ، برموزه القريبين من صالح ايضا، من الامساك بمفاصل الحكومة الشرعية وقراراتها وفسادها . ورأينا كحالة ثانية " تنظيما وحدويا ناصريا "  قيادة الصف الاول فيه جزء فاعل من بنية الشرعية ،،وتحتل فيه مواقع ،مهمة في مستشارية الرئاسة وعلى رأس وزارة سيادية ، وفي ذات الوقت بعض من قيادة الصف الاول والثاني  فيه موجودة في صنعاء ، تعمل تحت غطاء حوثي واضح، يستتبعها احيانا اصدار بيانات مؤيدة لبعض خطواتهم، وان العديد من الوظائف العليا (وكلاء وزارات ومحافظات) و التي منحت للتنظيم في فترة حكومة الوفاق الوطني، لم تزل تشغر  من قيادات حزبية ، لم يقطع اصحابها علاقتهم بالتنظيم.

الحزب الاشتراكي اليمني  كحالة ثالثة، وهو من اكثر الاحزاب التي تعرضت لهزات مميتة منذ صيف 94، لم يخرج بعد من دوامة الشتات القاتل بين الاطراف، والتي فرضت عليه حالة الاستكانة والمطاوعة، فلا هو قادر على فك ارتباطه ببعض مكونات الحراك بصخبها العنصري ، حتى لا يفقد رأسماله الجغرافي حيت نشا وحكم ، ولا هو قادر على التخلي عن الشرعية بسبب مرموزها السياسي وفكرتها الاخلاقية لاستعادة الدولة والحفاظ على الهوية اليمنية ، ولا هو قادر على اتخاذ اجراءات تأديبية صارمة في حق بعض قياداته في الصف الاول والثاني ، التي تعمل في اطار الانقلاب الحوثي.

الاحزاب الصغيرة لم تسلم هي الاخرى  من هذه الصرعة ،فاتحاد القوى الشعبية لديه ممثل في المجلس السياسي الاعلى ووزير في حكومة صنعاء ، في ذات الوقت لديه امين عام مساعد ،وقيادات اخرى اعلنت انضمامها للشرعية وباسم الحزب ، اما حزب البعث بمجزؤاته وولاءاته المشتتة  فيشكل لحظة من الهلام التي لا تبصر لها شكلا  اين هي وماذا تريد؟؟ .وزيران  محسوبان على جناحيه في حكومة صنعاء وكل واحد منهما يمثل طرفا في حكومة الانقلاب، التي تشكلت  ما قبل مقتلة صالح .  اما اخر الاحزاب وهو حزب التجمع الوحدوي اليمني (الحزب الذي انتمي اليه) فقد اصدر قبل ايام بيانا  يعلن فيه رفضه لبيان التكتل الجنوبي لدعم الشرعية  الذي تضمن اسمين من قياداته الجنوبيين كأعضاء في التكتل، لكنه حتى الان لم يتخذ قرارا تأديبيا رسميا بحق احد اعضاء هيئته العليا ورئيس احد فروعه في المحافظات الجنوبية ، الذي يشغر موقع وزاري في حكومة صنعاء، رغم تسريب الحزب لبيان خجول  نفي علاقته بتوزير عضوه !!

والحالات المقروءة  هذه  لم تتجاوز التباس الحالة اليمنية بانقسامها السياسي  ومستتبعاتها ،التي فرضتها حالة الاحتراب والتذرر الطويل، لكن احد اكبر الاحزاب واكثرها تأثيرا في الحياة السياسية ، ووجوده كطرق اصيل في الازمات المتلاحقة في البلاد منذ الاستفتاء على دستور دولة الوحدة في العام  1991 ، ونعني حزب التجمع اليمني للإصلاح، فيشكل حالة متفردة  لا تتشابه بغيرها ، فهو مثل الحوثيين لم يتعرض للتجريف والانقسام، وحافظ كأي تنظيم عصبوي سري مغلق على تماسكه التنظيمي ، فهو كحزب موجود في اطار الشرعية، واحد المؤثرين في قراراتها، ولديه جناح عسكري منظم لم يستزف حتى الان ،غير ان هذا الحزب لايزال يعلب كبهلوان بالبيضة والحجر ، للحفاظ على مصالحه الكثيرة، وعلى راسها علاقته بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين ، ففي الوقت الذي تصر بياناته على انه حزب وطني يمني، لكنه لم  يستطع اقناع احد بفك ارتباطه بقطر وتركيا والسعودية، وان قيادة الظل فيه بتأثيراتها السياسية والمالية ذات الولاء القطري تتحرك بغطاء تركي،  لتمنع الحرج عن القيادة الرسمية (الاسمية) ، التي تتواجد في الرياض لإيهام العالم بانتهاء علاقة الحزب بمركز التنظيم.

عند انطلاق "عاصفة الحزم" كان واضحا ان الدول الاربع ذات التأثير الفاعل في التحالف العربي ( السعودية والامارات ومصر وقطر) كانت قد اتفقت على التحرك بناء على قوة التأثير التي تمتلكها كل دولة على الارض، فمصر كانت تنوي تحرير الساحل الغربي بحكم القرب والجوار والمصلحة، والامارات اخذت على عاتقها تحرير الشريط الجنوبي ومدنه وموانيه لأهداف استراتيجية تخدم مصالحها التي تجلت الان بشكل فج في سقطرى و الساحل الغربي لتعز الذي سلمته لمواليها من بقايا الحرس العائلي . والسعودية  ستعمل على الحفاظ على مارب وحضرموت من أي اختراق ـ حتى بتمكين القاعدة منهما ـ  والاهم ازالة الخطر عن حدودها الجنوبية ،التي هي في الاصل اراض يمنية.  اما قطر فقد اوكل لها الاشراف على ادارة معركة تحرير تعز واب "اقليم الجند" ، بحكم تأثيرها المباشر والقوي على اكبر المكونات السياسية فيه . لكن بعد فترة وجيزة تخلصت مصر من مطب الساحل، تحت مبرر انشغالها  بقضاياها الامنية في سيناء وبالجوار الليبي، ووجدت قطر في خلافتها المبكر مع الامارات والسعودية الفرصة السانحة لتطويع ملف تعز لخدمة خطابها الاعلامي باستخدام اذرعها الميليشاوية والسياسية لتعطيل التحرير، وهو ما وافق هوى الامارات، التي استخدمت ذات الملف كعقدة كبرى ، لتصفية حساباتها مع قطر باستهداف حزب الاصلاح  بإيجاد موالين لها ، ومن ذات البنية الايديولوجية، قادرين على اعاقة خطواته من البروز كوكيل متصرف في المحافظة.

الاصلاح في مارب ،التي صارت الملاذ الآمن لجناحية القبلي والعسكري الاكثر ارتباطا بالسعودية، بات يتصرف فيها كحكومة مستقلة ،تستطيع التأثير في اخطر قرارات الحرب، وعلى راسها موضوع الحسم ،الذي لا يريد ان يكون بالنسبة له "قفزة في الفراغ" ، مالم يضمن اللقمة المُشبعة من الغنيمة. فما دام قد خسر الجنوب لصالح الحراك المدعوم اماراتيا والذي استطاع تشويه صورته في الشارع الجنوبي، وفقد الشمال  لصالح الخصم المذهبي، الذي يرى في تمثيله حقا تاريخيا ولو بالقوة ،  لهذا لم يتبق امامه سوى القبض على جمرة تعز ، بما تمثله من قيمة سياسية وبشرية، وعدم التنازل عنها لشركاء الدم والتضحيات حتى وان  ابتلعتها الفوضى ودمرها البارود ، وليس واردا في اذهان متحزبيه قبل قياداته  التفريط بمأرب مهما كلفهم الامر، لأنها بحساباتهم التكتيكية أخر المتارس، التي يوفر لها الغطاء السعودي كل وسائل القوة والتأثير لتحقيق حلم السلطة.