بين الكوريتين واليمنين
قبل 3 شهر, 4 يوم

بعد عنصر المفاجأة من إعلان خبر لقاء محتمل في مايو (أيار) المقبل، بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، هل بالإمكان تصور حدوث مفاجأة مماثلة بين أطراف الأزمة اليمنية - اليمنية؟

قد يستغرب البعض من هذه المقاربة بين القضيتين، فالاختلاف كبير بينهما. فلقاء ترمب مع كيم هو لقاء بين زعيمي دولتين، بينما في الأزمة اليمنية - اليمنية هناك طرف واحد معترف به دولياً، وهو الرئيس عبد ربه منصور هادي رئيس الجمهورية اليمنية، أما بقية الأطراف اليمنية - مثل عبد الملك الحوثي رئيس حركة الحوثيين - فهي ليست طرفاً معترفاً به دولياً، ولكنه يتم الاعتراف بها كأحد أطراف سلطة الأمر الواقع التي تتعامل معها الأمم المتحدة وأطراف دولية أخرى وإقليمية، بمستويات تمثيل مختلفة في التحاور معها، في سبل حل الأزمة اليمنية، وتطبيق قرارات مجلس الأمن الدولي ذات العلاقة بالشأن اليمني، والطرف الآخر هو الحراك الجنوبي الذي جاء ذكره بالنص مع الحوثيين في قرار مجلس الأمن الدولي رقم (2140) الصادر في فبراير (شباط) 2014، مع ضرورة الإشارة هنا إلى ميلاد «المجلس الانتقالي الجنوبي» في مايو 2017 الذي أصبح بمثابة سلطة أمر واقع، له حضور في الجنوب إلى جانب الحراك الجنوبي.

فالبرنامج النووي لكوريا الشمالية يثير قلقاً متصاعداً بسبب النجاحات التي حققها، ليس فقط على صعيد حليفي الولايات المتحدة في كوريا الجنوبية واليابان؛ بل بات يهدد أجزاء من الولايات المتحدة نتيجة تطوير كوريا الشمالية أنظمتها الصاروخية.

وفي أزمة الحرب اليمنية، وبعد تجاوب المملكة العربية السعودية وتلبيتها طلب الرئيس هادي مساعدته في مواجهة الانقلابيين على الشرعية، لوقف مخاطر التمدد الإيراني في منطقة الجزيرة العربية، فمن الأرجح أن لا الرئيس هادي، ولا دول التحالف العربي الذي تشكل بعد ذلك، كانوا يعتقدون أن ساحة العمليات العسكرية ستقتصر حصرياً في إطار الأراضي اليمنية، ولن تمتد إلى أبعد من ذلك.

ولكن إذا بالحرب تمتد إلى تهديد أمن الأراضي السعودية، لتصل إلى إطلاق الصواريخ الباليستية على الرياض وإلى أقدس الأماكن المقدسة الإسلامية في مكة المكرمة، ليتحول الصراع من أزمة يمنية - يمنية إلى صراع إقليمي خليجي عربي - إيراني، ويتطور تدريجياً إلى صراع دولي، بتهديد الحوثيين والإيرانيين ممرات الملاحة الدولية في باب المندب والمحيط الهندي، وتوجه إحدى دول التحالف العربي وبعض القوى الكبرى إلى تعزيز وجودها العسكري بالقرب من هذه الممرات الدولية المهمة، لحماية مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية العالمية، كما حدث مؤخراً على أثر زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يوم الأحد 11 مارس (آذار) الحالي، من السماح للهند باستخدام قواعدها العسكرية في الإمارات العربية المتحدة وفي جيبوتي، وجزيرة لا ريونيون في المحيط الهندي، لفك الطوق عن محاصرة الصين لها، بوجود قاعدة عسكرية لها في جيبوتي.

من الواضح مما سبق أهمية الموقع الجيواستراتيجي لجنوب اليمن، الذي يطل على باب المندب وبحر العرب والمحيط الهندي، وهو ما يعطي الأزمة اليمنية الراهنة أبعاداً دولية وإقليمية، ولهذا أصبح الأمر يتطلب تفكيك عناصر الأزمة المتمثلة في الأساس بأزمة يمنية – يمنية، تمثل وتهدد بشكل مباشر أمن المملكة العربية السعودية واستقرارها، بحكم حدودها المشتركة مع جنوب اليمن، ومع اليمن الشمالي.

فجوهر الأزمة اليمنية - اليمنية ينحصر في الأساس في أزمة فشل الوحدة اليمنية التي تمت بين جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن) والجمهورية العربية اليمنية (اليمن الشمالي)، بتأسيس الجمهورية اليمنية في 22 مايو 1990.

وهنا نقطة اختلاف جوهري بين وضع الكوريتين والفيتناميتين والألمانيتين، فهذه الدول تصنف وفق القانون الدولي بالدول المجزأة، بمعنى أنها كانت جميعها تشكل كل منها دولة واحدة، تجزأت بفعل نتائج الحرب العالمية الثانية بصفة رئيسية، بعكس الوحدة اليمنية التي تمت كالوحدة المصرية – السورية، من منطلق قومي عربي، ولم يكن اليمن دولة واحدة قبل ذلك.

ولحل فشل مشروع الوحدة، يتطلب الأمر التفاوض المباشر بين الطرفين، لإيجاد صيغة فك الارتباط لإنهاء الوحدة سلمياً بينهما.

والوجه الآخر للأزمة اليمنية - اليمنية يتمثل في وجود الشرعية برئاسة الرئيس هادي من جهة، والحوثيين وأنصارهم من جهة أخرى، كسلطة أمر واقع في أغلب أجزاء اليمن الشمالي.

فهل بإمكان الرئيس هادي مفاجأة العالم مثل مفاجأة الرئيسين الأميركي والكوري الشمالي بأخذ مبادرة استثنائية لحل الأزمة اليمنية – اليمنية، بالتنسيق مع المملكة العربية السعودية قائدة التحالف العربي، ومع دولة الإمارات، وبقية دول التحالف، لوضع حد للحرب اليمنية وكلفتها المادية الباهظة، وخصوصاً أن الحل السلمي للأزمة هو الحل الذي أكد عليه مؤخراً الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، خلال زيارته الأخيرة لبريطانيا.

وفي سبيل تحقيق ذلك، سيتطلب الأمر من الرئيس هادي قدراً كبيراً من الشجاعة والجرأة، في التخلص أولاً من تجار الحروب المستفيدين من استمرارية الحرب وبقاء الأوضاع كما هي دون تغيير، وضرورة قيامه ثانياً بتشكيل حكومة جديدة تعمل بمساعدة السعودية ودول التحالف، في سبل فتح صفحة جديدة في شأن الأزمة اليمنية – اليمنية، والعلاقة الأمنية والاستراتيجية بدول الجوار العربية.

موعد اللقاء الأميركي - الكوري الشمالي، تحدد مبدئياً في مايو القادم، وهو الشهر الذي قد يؤرخ له يمنياً ببدء المفاوضات لفك الارتباط ونهاية الحرب المدمرة.

نقلا عن الشرق الاوسط

...

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet