الحركة الاجتماعية الاحتجاجية السلمية في الجنوب
قبل 9 شهر, 3 يوم

بين النص الدستوري والممارسة

الإهداء :إلى الحرك الجنوبي بكل تياراته واتجاهاته ، على طريق وحدته .

* هذه الدراسة كتبت في العام 2008م وجرى نشر القسم الأعظم منها في صحيفة الأيام / عدن في العدد رقم (5409) بتاريخ 22مايو 2008م، ص 15+ 17،كاملتين، المهم أن يقرأ هذا الموضوع باعتباره وثيقة تسجيلية، واقعية، للتاريخ السياسي، الاجتماعي، لتبلور وتشكل القضية الجنوبية، ومن هنا قيمة هذا الموضوع سياسياً،ووطنياً، وتاريخياً، وتوثيقياً ، والمادة نشرت في كتاب "اليمن في تحولات السياسة والواقع " قراءة نقدية في علاقة الدين بالسياسة ، والسلطة بالمجتمع للكاتب "من ص279 إلى ص307 طبعة أولى يوليو 2011م وهي تنشر كما هي في الكتاب دون تعديل حرف واحد "كوثيقة" .

(2- 6)

1. ظاهرة الحركات الاجتماعية التاريخية:

نشأت ظاهرة الحركات الاجتماعية الاحتجاجية الحديثة والمعاصرة، تاريخياً مرتبطة بالفعل السياسي، الوطني، والقومي والتحرري، والإنساني العالمي. وغالباً ما كانت هذه الحركات رديفة أو ملحقة أو غير منفصلة عن الفعل السياسي العام لقوى حركة التحرر الوطني والقومي في العالم.

ومثلت حركات العمال، والطلاب، والفلاحين، والشباب والمرأة، طلائع الحركات الاجتماعية الاحتجاجية في صورها السلمية المختلفة، والاحتجاجية التي أخذت شكل الإضرابات العنيفة، حتى العصيان المدني، وصولاً إلى استخدام أشكال مختلفة من العنف، التي لا تصل إلى العنف المسلح، - وفي بعضها وصلت إلى العنف المسلح - وتميزت هذه الحركات باتسامها بأنها حركات اجتماعية، قطاعية , طبقية، شرائحية، فئوية، مهنية، إلى جانب اتسامها بالطابع الأيديولوجي، الصرف، والمواقف السياسية الواضحة والمحددة، وبأنها في الغالب ذات طابع حزبي، حركي، وتتسم بقدر معين من التنظيم أو هي في الأصل امتدادات لعمليات سياسية، تنظيمية، حزبية، بهذا القدر أو ذاك، وهي بالتأكيد حركات اجتماعية لعبت دوراً عظيماً ومؤثراً في تأريخ الكفاح الوطني، والقومي، والاجتماعي، والإنساني، في بلدانها وفي العالم في تلك المراحل، وقدمت إسهاماتها النوعية الإبداعية الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والوطنية، والتأريخية, وفي الكتابة الاجتماعية التاريخية لم نجد – حسب قراءاتنا المحدودة – اتفاقاً أو إجماعاً على أن هناك تعريفاً جامعاً لمعنى ومفهوم الحركات الاجتماعية (حيث يتسع حيناً ليشمل في طياته مختلف المسارات والسيرورات الاجتماعية مهما تنوعت أو تعددت، وتضيق حيناً آخر بحيث تشير فقط إلى سلوك جمعي له فرادة تميزه، وله بناء، وتنظيم، وقيادة، ويهدف إلى تغيير الأوضاع القائمة، أو تغيير بعض جوانبها الأساسية على الأقل)

وحين تدرس ظاهرة الحركة الاجتماعية الاحتجاجية بصورها المختلفة في بعدها التأريخي، فإنها لا تقرأ خارج اشتراطاتها الأيديولوجية، والحزبية، والعقيدية عموماً، وخارج المواقف السياسية الطبقية. (الملتزمة)، وتؤكد الكتابات السوسيولوجية والسوسيو / سياسية، التاريخية على أن الفعل الحقيقي والدور الناشط لهذه الحركات توقف مع أواخر النصف الثاني من الستينيات وكانت حركة الطلاب، والشباب، في فرنسا 1968م آخر لحظات تعبيرها عن فعلها التاريخي – ولم تشهد السبعينيات أثراً وفعلاً لمثل تلك الحركات الاجتماعية، باستثناء ما ارتبط بقضايا اقتصاديه، معيشية مباشرة، كانت انتفاضة 18-19 يناير 1977م آخرها في مصر, التي أسمتها السلطة المصرية انتفاضة الحرامية وحولتها إلى قضية سياسية، ووطنية، قومية، وكأنها حركة انقلاب على النظام -مثل محاولات سلطة الوحدة بالحرب والدم تصوير الحركة الاجتماعية الجماهيرية السلمية في المحافظات الجنوبية، بأنها عمالة، وجناية، وانفصال، وزوبعة، وفرقعات- لم ينقذها سوى حكم القضاء المصري الذي حكم باعتبارها حركة اجتماعية عفوية لم تقف خلفها أهداف سياسية حزبية أيديولوجية مباشرة وهي آخر عهدنا بالحركات الاجتماعية في المنطقة العربية، والتي عادت إلينا فورتها السياسية الاجتماعية الاحتجاجية الجديدة في المنطقة العربية مع حركة "كفاية". فقد أشعلت حركة "كفاية" في مصر شرارة انطلاقة مدنية اجتماعية سياسية ثقافية جديدة، حركة استطاعت منذ بدايتها أن تستقطب جماهير اجتماعية وشعبية إلى صفها –وإن كانت محدودة من حيث الحجم، والعدد- مع أن قياداتها فكرية، وثقافية، وسياسية نخبوية، ولكنها التقطت هموم وقضايا الناس في مصر وامتد أثرها إلى العديد من محافظات جمهورية مصر العربية، وبدأت تأخذ شكلاً تنظيمياً أولياً لها. وتحولت تدريجياً من حركة اجتماعية، مدنية، سلمية، حقوقية، إلى حركة تتبنى وتتمثل قضايا ومشكلات سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وقانونية، ودستورية، ودخلت من قلب المطالب الحقوقية العامة، إلى تفعيل القضايا والمشكلات السياسية والوطنية والقومية العربية، التي تواجهها الأمة العربية قاطبة، واستأثرت لفترة طويلة من سنوات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين بالشارع وباهتمامات الفكر السياسي والاجتماعي ((وشهدت مصر خلال عام 2007م مسيرات غضب. واعتصامات واحتجاجات في الشوارع تستمر أياماً، مطالبين بحقوقهم المدنية، والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية والدستورية، إلى المطالبة بتغيير النظام سلمياً وديمقراطياً. ووصلت إلى نحو 500 خمسمائة احتجاج وإضراب واعتصام للحقوق)). وكانت الحركة الاجتماعية الاحتجاجية ( كفاية ) هي التي قرعت جرس الإنذار، كسراً لحاجز الخوف، وحركت بركة الماء الآسنة، لتبعث وتحيي صوت المجتمع من جديد في فورة انطلاقة مدنية ديمقراطية، ما تزال تتحرك بين إظهار القوة والخفوت، وذلك شأن الحركات الاجتماعية الاحتجاجية، والاعتصامية، في أكثر من واقع عربي وعالمي. فليس من تاريخ صاعد أبداً، فحركة الفعل الاجتماعي المدني، بين مد، وجزر، بين صعود، وخفوت، على أن الأمر هنا في الاستمرارية، في التواصل ومراكمة رأس المال الثقافي، والاجتماعي، والسياسي، المدني، وهو في تقديرنا يتحقق اليوم في مناخ الإقرار العالمي والمحلي بدرجات متفاوتة بالتعددية، والتنوع، والديمقراطية، في سياقها القولي العام- على الأقل – ومن المهم اليوم على جماعات البحث السوسيولوجي، والسياسي والثقافي، الاجتماعي التاريخي، الاهتمام بظاهرة الحركات الاجتماعية، وهذه البدايات ... التي تتشكل في أكثر من حالة عربية – مصر، المغرب، تونس، البحرين – واليمن، على خصوصية الحالة اليمنية المجسدة في صورة الاحتجاجات المدنية السلمية في الجنوب، وهو ما يستدعي قراءة سوسيو / سياسية، خاصة، وهو ما سنحاول عرضه في فقرة لاحقة، والبحث عن كيفية وطرائق تنميتها، ومراكمتها، وتطويرها، بصورة سليمة، وصحيحة من خلال أولاً: محاولة قراءتها بعقل موضوعي نقدي، والأهم ثانياً رعايتها وتقويمها وتطويرها، حتى لا يتم إجهاضها في المهد، وفي تقديرنا أن بحث هذا الموضوع يدخل في صلب اهتمامات علم الاجتماع السياسي، وعلم الاجتماع المدني.

في تقديرنا أن فترة الاستقطاب الدولي السابقة – فترة الحرب الباردة – التي تشكلت على أساس أيديولوجي، عقائدي، وحزبي ضيق، وتوازن عسكري، وأمني، حدد مسبقاً مسار الحركات الاجتماعية بالأيدلوجية، وبالحزب القائد، والقائد الضرورة، وغياب كلي للمجتمع، والمدني منه على وجه التحديد، مما أضعف فعالية ودور الحركات الاجتماعية في واقع الممارسة، بعد أن جرى تقسيم العالم إلى قطبين عالميين-معسكرين- كان من نتيجة ذلك، ضرب فكرة التعددية، والديمقراطية، والحق في الاختلاف والتنوع، وتقليص مساحة هامش الحريات إلى الصفر، وإذا كنا اليوم وبعد زوال تلكم الثنائية القطبية العالمية، نعيش حالة من هيمنة واحدية، في صورة إمبراطورية القطب الواحد، في طابعها العولمي العسكري، والاستعماري الجديد، فإنها في تقديرنا هيمنة مؤقتة، آيلة للزوال، لا تملك شروط الحياة، والقدرة على الاستمرار في واقع صيرورة العالمية التاريخية، التي تؤكد أننا قطعاً سائرون نحو عالم متعدد الأقطاب، عالم تعددي..، عالم الحركات الاجتماعية الاحتجاجية الجماهيرية السلمية الواسعة، وهو مصدر إعلان التعددية، والديمقراطية، كخيار إنساني كوني، يعيش حتى اللحظة حالة مخاضات عسيرة، ومعقدة، ولكنها ذات طابع تاريخي، تؤكد يومياً وباستمرار حضور حق الناس، والشعوب، والدول، في اختيار طرائق حياتها، وحقها في الشراكة والمشاركة في السلطة والثروة، وفي تقرير مصائرها، وخياراتها المستقبلية، وهو ما يفسر صعود الحركات الاجتماعية الجماهيرية، الاحتجاجية السلمية والديمقراطية في العالم قاطبة، بدءاً من عقر الإمبريالية الرأسمالية، وصولاً إلى العالم النامي أو المتخلف، من "دافوس"، إلى "دربن" وغيرها، إلى "كفاية" في مصر، وكفاية في غير مصر، وصولاً إلى الحركة الاجتماعية الجماهيرية السلمية في المحافظات الجنوبية والشرقية .

إن المستقبل مع من يكافح من أجله، وليس من ينتظر الفرج من السماء أو من سلطة فاسدة. وأستطيع القول أن الحركة الاجتماعية الاحتجاجية السلمية العالمية، وامتداداتها في عالمنا العربي، تفتح اليوم كوة كبيرة وعميقة في بنية التفكير والوعي الديمقراطي، باتجاه توسيع فضاء المجال السياسي الديمقراطي والتعددي. وعلى محدودية حجم ووجود وفعل الظاهرة الاجتماعية الجماهيرية الاحتجاجية، فإن أثارها الإيجابية، واضحة في اتجاه دمقرطة الفكر السياسي في البلاد العربية كلها، وللحركة الاجتماعية الجماهيرية المحصورة حتى اللحظة في المحافظات الجنوبية والشرقية، دور لا يستهان به في رفع قضية المجتمع المدني، إلى جدول أعمال السياسة، وفي تفعيل وتعزيز دور ومكانة منظمات المجتمع المدني، لتخرج من حالة الرتابة، والارتباك والجمود، والضعف، الذي تعيشه لتدخل مشاركة في الفعل المدني، السياسي، والديمقراطي، كما يجب أن يكون دورها، ولا يستطيع أحد أن ينكر أن الحركة الاجتماعية السياسية الجماهيرية السلمية، جزء لا يتجزء من الفعل السياسي والاجتماعي والوطني العام بخصوصياته اليمنية القائمة، وأنها سبقت الأحداث السياسية وأعلنت ضرورة تصحيحها وتغييرها، ومن أنها كذلك سبقت الدور السياسي "التقليدي" للمعارضة القائمة، وفرضت عليها مستوى أعلى وأرفع من الفعل السياسي، والديمقراطي، والاجتماعي..، بما لا يعني قطعاً أن هناك حالة من التناقض أو التضاد والصراع فيما بينهما، قدر ما هي حركة سياسية نوعية جديدة تتشكل في الواقع السياسي اليمني ببطئ وبالتدريج، مم ينتج عملية سياسية، اجتماعية تاريخية تفاعلية تكاملية وطنية وهو ما نرجوه ونأمله. ولا نرى في المواجهة العسكرية والأمنية الجارية للحركة الاجتماعية السلمية من قبل السلطة سوى دليل عجز السلطة، وغياب لمشروعها السياسي، والوطني، والديمقراطي. تعبيراً عن إفلاس النظام وطنياً، وسياسياً، وديمقراطياً.

إن ما يتشكل في ظواهر الاجتماع السياسي، والاجتماعي المدني السلمي، في صورة اللجان الشعبية – قبل عدة سنوات - وجمعيات المتقاعدين العسكريين، والأمنيين، والمدنيين، في صورة تصاعد حركاتها الاجتماعية (الحقوقية, السياسية)، وفي شكل الاعتصامات الجماهيرية السلميةالجارية، في المحافظات الجنوبية، والشرقية، تحديداً، إنما هي تجسيد لبداية تعبير الوعي المدني السلمي الديمقراطي عن نفسه، وعن حضوره، في مواجهة أشكال ثقافة، وتنظيمات وتجمعات ما قبل الدولة.

إن صورة الحركات الاجتماعية الاحتجاجية في طابعها السلمي النوعي الجديد، سواءً في مصر في صورة حركة " كفاية " أو في غيرها من المناطق، بما فيه بعض دول الخليج ( الكويت، البحرين )، أو في صورة ما يجري تحديداً في المحافظات الجنوبية والشرقية (جنوب اليمن)، فإنها وإن كانت استمراراً لصورة فعل تاريخ الحركات الاجتماعية التاريخية، ووليدة وعي اجتماعي مدني مكبوت، ومقموع، إلا أنها تختلف عنها جذرياً، كونها تأتي في سياق تأريخي مختلف، وفي شروط ديمقراطية، وتعددية كونية، وهو أنها حركات اجتماعية غير أيديولوجية، بالمعنى القديم، وغير حزبية، ومفتوحة، وذات هموم وإشكالات وطنية، وقومية، وإنسانية عامة. بما لا يعني أنها معادية للأيديولوجية، والفكر السياسي المدني الحديث، أو أنها تقف على النقيض من الأحزاب أو معادية لها. قدر ما هي مكملة ومتفاعلة مع الفعل السياسي الوطني، والمدني والديمقراطي العام في كل الوطن، ولكن بعيد رفع سقف السياسي إلى مستوى أعلى ممارسة، وفكراً بالضرورة.

2. المقدمات الموضوعية والسياسية لتشكيل اللجان والحركات الاجتماعية السلمية في اليمن بعد الوحدة:

بدأ أول حراك سلمي يعلن عن نفسه في صورة تململات اجتماعية وسياسية واحتجاجات فردية، وجماعية محدودة، تحديداً في محافظات حضرموت، والضالع قبل أن تتحول إلى محافظة، ومحافظة عدن، وكان للخطاب السياسي الذي عبرت عنه صحف " الثوري " لـ " الاشتراكي " (والشورى ) لـ " اتحاد القوى الشعبية "، وصحيفة " الأيام " خصوصاً، هي بداية التعبير عن خطاب الرفض لنتائج حرب 1994م، وما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية، وحالة الفيد والنهب للأملاك العامة (الدولة) وأملاك الجمعيات التعاونية المختلفة (مشتركة)، والأملاك الفردية (الخاصة)، وسادت بعد حرب 1994م، حالة من أللاقانون (فوضى مدروسة ومقصودة) واحتقار للدستور والقانون، وفكرة النظام، وغياب أي دور حقيقي لها جميعاً في واقع وفعل نشاط مؤسسات وهيئات الدولة وأجهزتها الأمنية والإدارية إلا بما يكرس حالة الفوضى والنهب العام، والواسع لكل شيء في أرض الجنوب، ترافق ذلك وبصورة كبيرة مع حالة من عسكرة الحياة المعيشية، والمجتمع كله، في محافظات الجنوب، وغلب الطابع الأمني، والاستخباراتي، على واقع إدارة المحافظات الجنوبية والشرقية، وهي أمور جديدة لم يألفها ويعهدها تأريخ حياة المجتمع، والدولة، في كل الجنوب، لا في زمن الاستعمار، ولا في زمن الحكم الشمولي من قِبَل الحزب الواحد -الحزب الاشتراكي- تخلت معه دولة الرعاية السابقة عن أي دور لها بعد أن جرى عملياً حلها -أي الدولة ومقوماتها- وتسريح جيشها، وأمنها، ومعظم كادرها الوظيفي الإداري، وتحول قطاع من يسمون ( خليك في البيت ) هو القطاع الغالب من الموظفين الجنوبيين الواقع خارج نطاق الوظيفة ( العمل )، صاحبت كل ذلك هجرة ديموغرافية (سكانية) عكسية (كعمالة وغيرها) خاصة إلى محافظات، عدن، حضرموت، وأبين، ولحج، حتى أصبحت الحالة اليوم –حينها- تعم جميع محافظات الجنوب، من المحافظة إلى المديرية، حتى القرية، وتحولت الأرض، التي أصبحت اليوم قضية خطيرة واحدة من المشكلات الكبرى إلى جانب ظاهرة المقاعدين، والمسرحين قسراً، من أعمالهم، ووظائفهم، هي المقدمات التي أنتجت موضوعياً، وذاتياً ظاهرة الحراك الاجتماعي، والسياسي الواسع، التي تشهدها البلاد، في صورة التجمعات، واللجان، والمنظمات، والتشكيلات الاجتماعية الجماهيرية الممتدة في كل مناطق أرض الجنوب، وأصبح التمييز السياسي والاقتصادي، والمالي والتنموي بين الشمال والجنوب ظاهرة واضحة وبارزة، بعد أن تحولت دار الحرب المهزومة ( الجنوب ) في حرب 1994م إلى أرض فيدٍ وغنيمة، بل أستطيع القول من خلال الكثير من المعطيات والوقائع والحقائق وكأنها تحولت إلى أرض "خراجية"، وكأن أهلها، "ذميين"، ويمكن العودة حول ذلك إلى :

            تقرير الدكتور صالح علي باصرة رئيس لجنة التحقيق والكشف عن قضية الأرض والأملاك العامة والخاصة، وهو تقرير نشرت أخبار أو تسريبات أو تفصيلات عامة عنه، كما أجريت معه مقابلة حول ذلك منها مقابلة ضافية مع موقع ( نيوز يمن ) حوله، وأعادت " الأيام " نشره، وفيه إشارات كثيرة حول ذلك الفيد، والنهب الواسع، لأرض الدولة، والأملاك الخاصة، وهو تقرير واسع ومفصل تصل صفحاته إلى 300 صفحة -كما يذاع- أشار في المقابلة المذكورة د. باصرة قائلاً "من غير المعقول أن نافذاً يأخذ ألفي (2000) فدان وآخر غير قادر في الحصول على قطعة أرض 15× 15 متراً - ويقول: نحن نعرف أن هؤلاء المتنفذين الذين يسطون على أملاك الناس ليسوا من المحافظات الشمالية وحدها، بل هناك من المحافظات الجنوبية أيضاً... وهناك قضايا تميز أوضاع أبناء المحافظات الجنوبية كقضية البطالة..." وفي المقابلة إشارات صريحة لأخطاء الدولة وعدم معالجتها للقضايا من 94-1995م.

            إليكم وثيقة رسمية تكشف مدى التمييز السياسي، والاقتصادي، والمالي، والتنموي، بين الشمال والجنوب، وهي أرقام واردة لعامين حول ما خُصص لسبع محافظات جنوبية، كما أوردتها وثيقة رسمية نشرتها صحيفة " الأيام ".  تقول : خلال عام 2006م جرى افتتاح 1423 مشروعاً بتكلفة ( 124.003.930.000) ريال بمناسبة الذكرى السادسة عشرة للعيد الوطني 22 مايو، ولوحظ أن أكثر من نصف المبلغ المذكور خصص للمشاريع التي نفذت في محافظتين فقط هما، "الحديدة" التي بلغ عدد المشاريع التي نفذت فيها ( 239) مشروعاً بتكلفة بلغت(44.587.599.000) ريال، وكذا أمانة العاصمة التي بلغ عدد مشاريعها 28 مشروعاً بتكلفة ( 22.888.416.000) ريال، وهو مبلغ كان أكبر من تكاليف مشاريع 7 محافظات جنوبية وهي عدن، لحج، أبين، شبوة، حضرموت، المهرة، الضالع، التي بلغت تكاليف مشاريعها مبلغ ( 16.459.155.000) ريال. خصصت لتنفيذ (292) مشروعاً من أصل ( 1423) مشروعاً، ونفس الأرقام تضاعفت وبنفس الطريقة هو ما تم تخصيصه في العام 2007م وفق الوثيقة الرسمية التي نشرتها صحيفة "الأيام".

            وإليكم هنا أنموذجاً ( هو أُنموذج منتشر ومعمم في جميع المحافظات الجنوبية ) حيث تم تمليك معظم مباني الدولة بمديرية الشعيب لمتنفذين وقيادات عسكرية، وأمنية، مؤتمرية، ووجاهات، بينما جميع المرافق الحكومية تمارس نشاطها في مبانٍ مستأجرة، وبعضها في تلك المباني التي تم تمليكها لمتنفذين ( مقرات الميلشيات، ولجان الدفاع الشعبي، ومؤسسة اللحوم، والأشغال العامة، ومجمعٍ حكومي كان يضم إدارة التربية، والمحكمة، والنيابة، والسجل المدني، والبريد، وعدداً من المخازن، وكذا مبانٍ أخرى بعضها حديثة البناء، كان يمكن الاستفادة منها، وتهدر مئات الملايين لاستئجار مبانٍ أخرى وتمت هذه العملية قسراً رغم معارضة الأهالي، وكأنها صفقة فيد كما جاء في الصحيفة "ونفس الأمر حدث في عدن، وفي حضرموت، وأبين ولحج، في قضايا الأرض، إلى مباني مؤسسات وهيئات الدولة، والمعلومات حول ذلك كثيرة، مطلوب، تجميعها، وحصرها، وتوثيقها.

            في مجال النفط، واحدة من خمس مؤسسات نفطية يديرها شماليون، إضافة إلى شركتين نفطيتين قائمتين بذاتهما خارج إطار الشركات التابعة للمؤسسة العامة للنفط، أما على مستوى التوظيف الإداري في تلك الشركات الوطنية، وفي الشركات الأجنبية العاملة في استخراج النفط، فقواها العاملة هامشية من أبناء مناطق الاستخراج النفطي.. أما استثمارات القطاع الخاص في المجال النفطي أو الشركات المساهمة مع الشركات الأجنبية فمعظمها من رؤوس الأموال الشمالية (متنفذين) والتي تعمل في خطوط النفط في حضرموت، وشبوة والمهرة، مثل شركة سبأ للنفط، والغاز، وشركة إحسان وكتيس، ومجموعة هائل سعيد، وشركة "دون" البريطانية... الخ، ما يعني تشابك المصالح بين النخب الحاكمة مع القطاع الخاص، وكلاهما من خارج المناطق الجنوبية"

            ظاهرة المؤسسة الاقتصادية (العسكرية سابقاً والتي حتى اليوم لا نعلم قانونياً تتبع من ؟) هي عملياً دولة داخل الدولة، ونفوذها، الاقتصادي، والمالي، والتجاري، والسياسي، والأمني والعسكري بلا حدود، وهي عملياً التي تدير الكثير من قضايا الحياة في مدن الجنوب، وهي داخلة في جميع قضايا النزاع، وطرف أساس في جميع المشاكل.

            جرى شمللة الذاكرة الجنوبية كما تشير إلى ذلك القاصة هدى العطاس (وعمم نظام صنعاء تكريس رموز الشمال، على حساب تهميش رموز الجنوب، فسميت المدارس، والشوارع وخلافه -بعد تغيير الأسماء الوطنية، والتاريخية الجنوبية- الباحث- في عدن والمدن الجنوبية بأسماء أعلام شماليين، مما حدا بتصعيد النغمة الشعورية لدى الجنوبيين، وترى أن الجنوبي لا يمتلك ثقافة الفيد كما هو عند الشمالي) ، ويدخل في التمييز بين الشمال والجنوب التمييز بين مناضلي وقياديي ثورة 26 سبتمبر، وثورة 14 أكتوبر، في كل شيء، خلاصة ذلك أن الشمال هو الأصل، وهو الوحدوي، والجنوبي فرع، ملحق، وهو بالنتيجة الانفصالي، وجاءت الحركة الاحتجاجية السلمية في الجنوب ليكرس الخطاب الرسمي كل هجومه الخطابي عليها باعتبارها حركة انفصالية في صورة الاعتصامات والحراك الاجتماعي السياسي في المحافظات الجنوبية والشرقية.

            هناك تقرير أعدته باحثة هولندية اسمُها (فلاورا) حول فشل سياسة الاندماج الوطني في اليمن عبارة عن رسالة ماجستير قدمت فحواها في مقابلة أجرتها معها صحيفة " الثوري " في عددين من خلال نزول وكشف ميداني للباحثة استنتجت فيه  فشل الاندماج الوطني بين الشمال، والجنوب، بفعل السياسات القائمة والجارية منذ ما بعد حرب 1994م حتى اليوم.

            حتى الأدب (الشعر، القصة، الرواية)، دخلت طرفاً واضحاً لتكشف أزمة الروح والوعي الوطني تجاه الوحدة بعد قيامها وتحديداً بعد حرب 1994م وظهور نتائجها المأسوية والكارثية، ويمكن العودة إلى بعض قصص هدى العطاس الأخيرة وإلى مجموعة قصصية، للقاص، محمد علي شائف، وإلى رواية (الملكة المغدورة) ورواية (طائر الخراب) ورواية (دملان) بوجه خاص ورواية (عرق الآلهة) وجميعها، للروائي حبيب عبد الرب سروري وجميعها تكشف واقع الاختلال الجذري الذي أصبح يطال الوعي، والروح، والوجدان، وهو أقسى أنواع الوعي، بالتشطير، والانفصال، وإليكم أنموذجاً من قصيدة شعرية لشاعر كبير ومبدع (كريم الحنكي) يكشف فيها عمق أزمة الوعي، والروح، تجاه قضية الوحدة بعد الحرب تقول:

((البلاد هنا – كلها – جهة واحدة.

 السهول، السواحل، حتى السحاب، السماء سروات الربى العدنية تلك الجبال شمالية:

كيف ترى أستلُّ من جغرافيتها

كل ذاك الجنوب؟

كل هذا الشمال الذي استهلك الروح

حتى نجد لا جنوب لها يستفز

ونشرت له أخيراً قصيدة بعنوان ( 2007-2008م ( عام الفأر ) يحكي ذلك الوجع الذي تحول شرخاً في النفس نشرته صحيفة " الثوري" وقصيدة بعنوان "جبل المعنى" في صحيفة التجمع، وحين يصل الأمر إلى الشعر والقصة، والرواية، فذلك يعني أن عمق الشرخ في الوعي والعقل والوجدان، والنفس، قد بلغ الذورة، وهو في تقديري من أخطر وأكثر المؤشرات كارثية وفجائعية ومأسوية. أُقيس ذلك بدلالة غياب، شعر، وأدب، الوحدة، المعبر عنها بعد قيامها كحلمٍ رواد اليمنيين طويلاً وأنتج أدب الوحدة اليمنية، شعراً، وقصائد، ونثراً، قبل قيامها، وما إن تحقق انكسر وترك شظاياه تعيد صياغة مشهد العقل والوعي الاجتماعي، بل وحتى السلوك باتجاه مغاير ومناقض لفكرة الوحدة واحتمالات استمرارها الآمنة والطبيعية.

وإليكم ختاماً لهذه الفقرة خلاصة لواقع المأساة التي أنتجتها حرب 1994م والتي أفرزت ما يمكن تسميته بالفعل القضية الوطنية اليمنية الجنوبية (القضية الجنوبية) أو الهوية الجنوبية -المقصود الهوية السياسية- كما يطلق عليهابعض قيادات التجمعات والجمعيات واللجان الجنوبية التي تشكل مضمون وجوهر الحركة الاجتماعية الاحتجاجية السلمية في جميع محافظات، ومديريات، ومناطق الجنوب. وهذا الجدول الاستخلاصي هو حصيلة الخطاب الأيديولوجي والسياسي الجنوبي المعارض، بل وحصيلة كتابات صف واسع من الكتاب والباحثين حين يقابلون بين ما يجرى في جنوب اليمن، بعد الوحدة بالحرب في عام 1994م، وما جرى في العراق منذ احتلاله عام 2003م.

 الهوامش :-

 

(()- د. إبراهيم بيومي غانم، خبير في العلوم السياسية، المركز القومي للبحوث الاجتماعية الجنائية. مادة في الأنترنت غير معلومة المصدر السابق على هذا النشر.

(2)- صلاح الدين حافظ صحيفة الخليج الإماراتية العدد (10447) تاريخ 26/12/2007م ص10. بتصرف من الكاتب لا يخل بالمعنى .

(3) - صحيفة الأيام العدد (5210) تاريخ 29/9/2007م نقلاً عن موقع نيوز يمن.

 (4)- صحيفة الأيام العدد (5220) 10/10/2007م أكتوبر، الأربعاء.

(5) -عضو قيادة المجلس المحلي صحيفة " الأيام " العدد ( 5223) تاريخ 17 /10/2007م الأربعاء ص 5.

 (6)- د. محمد علي السقاف – صحيفة "الأيام" – العدد (5236) تاريخ 1/11/2007م الخميس / الجمعة.ص7

(7) هدى العطاس، صحيفة النداء سلسلة حلقات في أعداد متتالية - الأعداد(

 (8) - يمكن العودة إلى صحيفة " الثوري "، العدد (1816) تاريخ 15/4/2004م أجراها منصور هائل.

(9)كريم الحنكي صحيفة التجمع الوحدوي / عدن العدد

(10) كريم الحنكي، صحيفة " الثوري "، صنعاء الخميس العدد (1990) تاريخ 17/1/2008م.

(11) كريم الحنكي، صحيفة التجمع الوحدوي اليمني الأثنين 11/10/2008م العدد

           

انقر هنا من أجل الرد أو إعادة التوجيه

....

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet