اليمن: نهاية المطاف
قبل 24 يوم, 16 ساعة

بقلم: آشر أوركبي

ترجمة: د/عبده البحش

من النص الإنجليزي المنشور في المجلة الامريكية: موجز السياسة الدولية

استمرت المحادثات الأولية في جنيف بين الحكومة اليمنية والحركة الحوثية، والتي سبقت بأيام من الضجيج الإعلامي والتطلعات المفرطة في التفاؤل، حيث لم تتمكن تلك المحادثات من اقناع الجانبين في الجلوس على طاولة واحدة، واتهم الوفد الحكومي الحوثيين بالتعمد في تأجيل انعقاد المؤتمر في موعده المحدد سلفا، وواصل ممثلو الرئيس هادي في وصف الحوثيين بالمتمردين بدلا من مجموعة سياسية شرعية خلال المفاوضات.

ان انهيار مفاوضات السلام يرمز الى فشل النظام السياسي الحالي، اذ لا يمكن لأي قدر من القصف الجوي أو المفاوضات الخاطئة ان تبدد العداوات التاريخية المتراكمة في البلد او تحل المشكلات العميقة والمعقدة، اذ يتطلب الامر بدلا من ذلك اجراء اصلاح شامل لهيكل الدولة الراهن، من اجل معالجة المظالم العالقة، التي كانت وما زالت تشكل عقبات امام الاستقرار الإقليمي لأكثر من خمسة عقود من الزمن.

في سبتمبر عام 1962م، أطاحت الثورة اليمنية الجمهورية العلمانية بسلالة امامية حاكمة، عمرها 900 عام، مما أدى الى ست سنوات من الحرب الاهلية الدموية، وعقود من التوتر السياسي بين القبائل الشمالية الموالية للإمام المخلوع، وقوى الثورة الجمهورية المدعومة من القوميين العرب. وقد خلف رحيل الجيل الثوري الجمهوري اليمني فراغا في التسلسل الهرمي السياسي للبلاد والشرعية الشعبية، مما فتح إمكانية إعادة الزيدية الدينية التي تنادي بها الحركة الحوثية الحالية، بعد 50 عاما من التهميش. ولذلك فانه من غير المحتمل ان تتخلى الحركة الحوثية وحلفاؤها عن مكاسبهم العسكرية الأخيرة دون ضمانات ملموسة للسلطة السياسية.

تعتبر مدينة عدن في جنوب اليمن هي المسرح الأكثر نشاطا للحرك في البلد، حيث تمثل المركز الرئيسي للحراك المطالب باستقلال جنوب اليمن، اذ أدت سنوات من الاحتجاجات الغير عنيفة في الشوارع، بعد حرب أهلية وجيزة في عام 1994م، الى تحويل تلك المظاهرات السلمية الى دعوة للاستقلال وتحالف عسكري يقاتل من اجل الحصول على الحكم الذاتي والتحرر من سيطرة الشمال.

مع كل يوم يمر من القتال بين القوات الحوثية وتحالف فضفاض من الحراك الجنوبي والقوات الموالية للرئيس هادي، فانه من غير المرجح ان مؤيدي الحراك الجنوبي سيوافقون على ان يكونوا جزءا من حكومة وطنية جنبنا الى جنب مع قادة الحركة الحوثية.

في اوج الاضطرابات المحلية في اليمن، يواصل التحالف العربي بقيادة السعودية حملته الجوية المستعرة، التي توسعت لتشمل كلا من اهداف الحوثيين ومنازل حلفاؤهم الداعمين للانقلاب. ولحد الان لا توجد استراتيجية واضحة لدى القيادة السعودية للخروج من هذه الحرب، لان وقف القصف الجوي والعمليات العسكرية البرية قد يعرض الحدود السعودية الجنوبية الى غارات الحوثيين، وهو ما يعيد المخاوف السعودية مجددا على امن حدودها الجنوبية، التي بدأت ابان الحرب الأولى بين البلدين عام 1933م، عندما ضمت السعودية اراضي عسير وجيزان ونجران المتنازع عليها.

قبل الاعمال القتالية الحالية تمت الإشادة بالإطاحة بالرئيس اليمني علي عبد الله صالح والحكومة الانتقالية التي ترعاها الأمم المتحدة كنموذج للاستقرار في المنطقة. وقد اقترح الرئيس هادي تقسيم اليمن الى ستة أقاليم بقصد تقسيم معقل الحوثي الى ثلاثة اقسام، وهو ما أدى الى غضب القيادة الحوثية ودفعها الى السير نحو العاصمة صنعاء، وبدلا من تقسيم البلاد الى ستة أقاليم يمكن إعادة تقسيمها على نحو أفضل الى ثلاثة اقاليم وفقا لحدود المعركة الحالية، وهذا يعني ان الحوثيين يستطيعون الحفاظ على معقلهم الشمالي المحيط بمدينة صعدة، كما يمكن للحراك الجنوبي ان يتولى الحكم في المنطقة الجنوبية المتمركزة حول عدن. اما منطقة شرق اليمن (حضرموت) وهي منطقة تتمتع حاليا بالحكم الذاتي نسبيا، ويمكن ان تشكل اقليما ثالثا، وهذا سوف يؤدي في النهاية الى ان تنضوي الأقاليم الثلاثة تحت اشراف سلطة اتحادية تتألف من ممثلين عن الأقاليم، وسيكون كل إقليم مسؤول عن الإدارة المحلية المستقلة والانتخابات، بينما ستمثل الحكومة المركزية الدولة دبلوماسيا.

ان الحالة الموحدة للثلاثة الأقاليم المقترحة هي انعكاس للتحالفات السياسية الحالية وحل أمثل للصراعات التاريخية التي تعرقل الاستقرار في المنطقة. وهذا يعني ان الحركة الحوثية ستكون حرة في تنظيم سلطة مستوحاة من الهياكل الدينية والقبلية في حدود المملكة اليمنية الامامية التي امتدت على مدى 900 عام، كما سيكون للحراك الجنوبي حرية انتخاب حكومة الجنوب وممارسة سيطرة أكبر على الاقتصاد الإقليمي وتخفيف التوتر مع النصف الشمالي من البلاد، وستكون منطقة حضرموت الشرقية حرة في تشكيل تحالف اقتصادي أوثق مع المملكة العربية السعودية، مما يفتح فرصة لبناء خط انابيب نفط سعودي يقود الى المحيط الهندي، مما يؤدي الى تجنب الممرات المائية المثيرة للجدل في مضيق هرمز. ان ضعف الحكومة المركزية اليمنية من شأنه ان يقلل المخاوف السعودية الأمنية على المدى الطويل. غير انه سيكون من الضروري انشاء منطقة دولية مؤقتة منزوعة السلاح على طول الحدود اليمنية السعودية على غرار بعثة مراقبي الأمم المتحدة في اليمن لعام 1963م من اجل منع التوترات الحوثية السعودية والحد من خروجها عن السيطرة.

لقد أصبح الامر واضحا لجميع الأطراف التي شاركت في الإطاحة بالرئيس علي عبد الله صالح عام 2012م، هو ان حكومة مركزية قوية عززت الفساد والبيروقراطية غير الفعالة، وافرزت جيشا متضخم، وطائفة محيطة بزعيم واحد حكم البلاد لأكثر من 33 عاما. ان استبدال الجمهورية اليمنية المركزية بدولة اتحادية لا مركزية سيفتح فرصا سياسية إضافية على المستويين المحلي والإقليمي في يد جيل الشباب اليمني الذي استولى عليه ديكتاتور لمدة 33 عاما، وهذا قد يجعل اليمن نموذجا حقيقيا للاستقرار والمشاركة السياسية المحلية للمنطقة التي لا تزال غارقة في اثار نماذج الدولة الديكتاتورية المركزية.

......

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet