أما آن للأطراف اليمنية المتصارعة أن تلتقي بعيدا عن الأجندات الخارجية؟!
قبل 1 شهر, 3 يوم

لعل الأطراف اليمنية المتصارعة قد وصلت بعد قرابة ثلاث سنوات من الحرب التي تشهدها اليمن إلى قناعة بأن الحسم العسكري لتلك الحرب قد صار في حكم المستحيل، وهو ماذكرناه منذ الأيام الأولى لبداية التدخل العسكري الخارجي في اليمن.

وحتى لو فرضنا جدلا قدرة التحالف الخليجي على فرض الحسم العسكري في اليمن فهو قطعا لن يفعل ذلك من أجل (الرئيس) هادي وشرعيته، لكنه سيفعله بما يوافق أجندات الدول التي تقوده.

وسيكون من الغباء (ولن نقول من الجنون) إن كنا لا نزال نعتقد بأن التحالف الخليجي دخل اليمن لينفذ مطالب الأطراف اليمنية التي استنجدت به، خصوصا ونحن نشاهد ذلك التحالف وقد منع طائرة الرئيس هادي من الهبوط في مناطق سيطرته لأكثر من مرة، إلى جانب كيل التحالف لمختلف أنواع الإهانات لحكومة هادي (حكومة بن دغر) التي يقول عنها بأنها تمثل الحكومة الشرعية لليمن.

وذلك ليس بأمر مستغرب، على الأقل بالنسبة لي، لأن أجندات التحالف من وراء تدخله في اليمن صارت واضحة وجلية ولا تحتاج لكثير تحليل من أجل إدراكها، وتتمثل بثلاثة أهداف رئيسة:

1) حسم ملفات داخلية شائكة في دول التحالف نفسها، مثلت الحرب في اليمن وسيلة من أجل التسريع بحسمها وتقديم المبررات لها.

2) استخدام ورقة الحرب في اليمن كورقة ضغط على قوى إقليمية منافسة بغرض الحصول على تنازلات من تلك القوى هنا أو هناك.

3) الحصول على حصة أكبر من كعكة تقاسم النفوذ في اليمن، والسطو على ثرواته، وتحديد مستقبله السياسي بما يخدم مصالح تلك القوى بغض النظر عن مصلحة شعبه.

وإذا تحققت تلك الأهداف لدول التحالف التي تشن حربها في اليمن فلن يهمها بعدها أن يذهب هادي وحكومته، والأحزاب والقوى المتحالفة معها، ومعهما الشعب اليمني برمته (الموالي لهم والمعادي) إلى قعر الجحيم.

وذلك يجعلنا نوجه دعوة للأطراف اليمنية التي ارتمت في أحضان دول التحالف الخليجي بأن تبدأ التفكير بضرورة إنتاج حل يمني للحرب والصراع القائمين في اليمن.

 وعله من المناسب أن نذكرهم هنا بما فعله الرئيس الإرياني رئيس المجلس الجمهوري في شمال اليمن في سبعينات القرن العشرين عندما أدرك بأن الحرب بين الجمهوريين والملكيين القائمة آنذاك لن تتوقف إلا بتواصل مباشر بين الأطراف اليمنية بعيدا عن الأجندات الخارجية المتصارعة والتي كانت تدعم هذا الطرف أو ذاك، وهو ما مكنه من إيقاف تلك الحرب في نهاية المطاف.

لكن ذلك لن يكون متيسرا بطبيعة الحال للأطراف اليمنية المتعاونة مع التحالف الخليجي إلا إن خطت الحكومة القائمة في صنعاء (حكومة بن حبتور) الممثلة للحوثي وصالح خطوات جادة وصادقة تقربها من الأطراف اليمنية المتعاونة مع التحالف الخليجي.

ونحن لا نقصد هنا بالخطوات الجادة والصادقة الدعوات المتكررة التي نسمعها من رئاسة المؤتمر الشعبي وقيادة أنصار الله (الحوثيين) عن استعدادهم لمد يدهم للسلام، لكننا نتحدث عن خطوات واقعية يلمسها الجميع على الأرض، يتمثل أهمها بالتالي:

أ) إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين المحتسبين على الأطراف اليمنية المتعاونة مع التحالف الخليجي.

ب) إلغاء جميع قرارات الفصل والاستبعاد التي تمت في حق الموظفين العموميين بسبب مواقفهم السياسية أو احتسابهم على أطراف سياسية تمترست في الجانب الآخر.

ج) القبول بالشراكة الوطنية الكاملة، ويجب أن يتمثل ذلك بقرارات يلمسها الطرف الآخر على الأرض ويقتنع بأن من يحكمون في صنعاء صاروا على استعداد لوقف سياسة الاستحواذ الممنهج الذي يمارسونه في حق المؤسسات العامة ومختلف مقدرات الدولة.

د) تفعيل الدستور القائم واحترام القوانين النافذة ولوائحها وإيقاف مختلف أنواع التعيينات والقرارات التي تتعارض مع نصوصها.

ه) الاستعداد الكامل لوقف حربهم الداخلية التي يشنونها في العديد من ماطق اليمن والتي لا علاقة لها بحربهم ضد دول التحالف الخليجي وكانوا قد بدأوها قبل التدخل الخارجي في اليمن، خصوصا الحرب التي تدور رحاها في محافظة تعز.

و) عدم ربط قرارهم بتوقف الحرب في اليمن بأي أجندات خارجية مواجهة لأجندات التحالف الخليجي الذي يشن حربه في اليمن، والتعامل فقط مع أجندات داخلية خاصة بهم.

هذه الخطوات وغيرها إن تحققت ولمسها المواطن كواقع عملي على الأرض لاشك بأنه سيكون لها دور في الحد من التخوفات والمحاذير لدى الأطراف اليمنية الأخرى التي تقف في الصف المقابل.

ويمكن للأحزاب والقوى اليمنية التي انقسمت نخبها وتوزعت بين الأطراف المتصارعة أن تلعب دورا بارزا في إتمام المصالحة اليمنية - اليمنية وفقا لأسس عادلة إن صدقت نواياها، بحيث تضمن تلك المصالحة لجميع الأطراف الحد الأدنى من مصالحها بما لا يخل بالمصلحة الوطنية العلياء لليمن التي يجب أن تظل قاسما مشتركا يلتف من حوله الجميع.

وعلى جميع الأطراف أن يضعوا في حسبانهم أرواح عشرات الآلاف من اليمنيين التي أزهقت ولا زالت تزهق، وكذلك دماء أضعافهم من الجرحي والمعوقين التي سالت دماءهم ولازالت تسال، ومعهم الملايين من الجوعى والمشردين والموظفين الذين انقطعت مرتباتهم، وكذلك الخراب والدمار الذي عم معظم مناطق اليمن بسبب الحرب التي تشهدها بشقيها الخارجي والداخلي.

أعرف أن هناك تجارا للحرب اليمنية كماهو الحال مع كل حرب، وهؤلاء التجار أصبحوا مستفيدين من استمرار الحرب، وصارت تمثل لهم بقرة حلوب لايريدون لضرعها أن ينقطع عنهم، وسيستميتون من أجل منع توقفها، وهم منتشرون في صنعاء وفي عدن وفي غيرهما من المدن اليمنية، ويمتد انتشارهم خارجيا ليشمل الرياض وأبوظبي وطهران وغيرها من العواصم.

لكننا نعرف أيضا بأن هؤلاء التجار لو عرفوا صدق النوايا لدى القيادات السياسية بمختلف لون طيفها، وأدركوا أنهم سيصبحون في مواجهة الشعب اليمني بمختلف انتماءاته السياسية والجهوية والمذهبية إن أصروا على غيهم، حتما سيتراجعون، ومالم فعلى القوى الوطنية النزيهة أن تجهز القوائم السوداء بهم التي تفضحهم وتشهر بهم على الملأ. وقد أثبتت المصالحة التي تمت في تعز مؤخرا في المناطق الواقعة تحت سيطرة حكومة بن دغر بأن التجار المتمصلحين من الحرب يرعوون إن وجدوا موقفا حازما وصادقا من بقية الأطراف.

بعد كل هذا الذي أوردناه سيتبادر سؤال إلى ذهن القارئ: ماذا عن دول التحالف الخليجي، هل ستوافق على وقف الحرب بعيدا عن الأجندات الخاصة بها في حال توافقت الأطراف اليمنية على مصالحة وطنية شاملة؟

وردا على ذلك نقول بأن تجارب التاريخ علمتنا بأن أي تدخل خارجي يرضخ في نهاية المطاف لأي موقف داخلي شامل وموحد، ويرسل للأطراف الداخلية التي تماهت معه، وربطت مصالحها به، وصارت مجرد دمى في يديه لأن تنخرط في ذلك الموقف الوطني الداخلي وتصبح جزء منه، خصوصا إن أدرك بأن إصراره على أجنداته الجشعة المستبدة والمنفردة سيفقده حتى المصالح الطبيعية التي كان بإمكانه ضمانها في ظل عمله على تحقيقها وفقا لرؤية الأطراف الداخلية ومصالحها المشتركة.

 والتحالف الخليجي لن يكون استثناء لدروس التاريخ التي يتوجب عليه استيعابها. خصوصا أن اليمنيين يؤمنون بسياسة حسن الجوار، طالماء تعامل ذلك الجوار معهم كشقيق لهم، وليس كمحتل يريد أن يستبد بالأمور في وطنهم من دونهم.

....

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet