الذي "يفيد" الحوثيين و "لا يضر" غيرهم !!
قبل 4 شهر, 16 يوم

بمعاينة فاحصة لمعادلة الحرب، سنلحظ ان الاطراف المؤسسة فيها لم تتباين تاريخياً ،وان اعترت مسيرة علاقاتها بعض محطات الصدام. فسياسة الادارة بالأزمات التي اعتمدها مركز الحكم وحلفائه التاريخيين طيلة ثلاثة عقود لإدامة تسلطه وفساده،  اضعفت كل المكونات ،وعملت في ذات الوقت على نفخ بالون الكارثة، المشبع بالأوبئة والامراض (السياسية والاجتماعية) وهيأته  للانفجار في كل لحظة.

ثورة فبراير  2011 (التي عبرت عن ارادة المجتمع في التغيير ،وتفجير البالون في مربع الحكم، وليس على رؤوس الضحايا) حولها المركز الى اصل المشكلة، حين تخفى بداخلها ،اولاً ثم اختطفها، الجزء الصلب في السلطة الفاسدة المثار ضدها.

النظام انقسم على نفسه بفعل الثورة،  والصحيح ايضا ان الاطراف المحسوبة علي فبراير "داخل السلطة وخارجها"  انقسمت هي الاخرى، لتصنع جميعها ممهدات الحرب، التي انضجتها الفترة الانتقالية باعتباطها ،وسرعت من عجلتها مخرجات مؤتمر الحوار، حين اعتبرها المركز العصبوي للحكم موجهة ضده كقوى وجغرافيا ومذهب، ليتسنى له التجييش ضدها.

 الطرف الاكثر تماسكا وعصبوية وفتوة، وحده من خطى اكبر الخطوات باتجاهها، لأنه امتهن الحرب وتقوى بها، في الوقت الذي كان خصومه غارقين في الاستكانة والفساد. وحين وجد هذا الطرف ( الحوثيون) كل الطرق مفتوحة امامه للاستيلاء على السلطة ـ بتواطؤ مع نافذين في ادارة البلاد وفي مقدمتهم على صالح "بأمواله" و مواليه من عسكر وقبائل ورجال اعمال ،واطراف اقليمية مصابة بـ "فوبيا الاخوان"، و راع طائفي طامع بعاصمة رابعة، يصدر اليها ثورته ـ  لم يحتكم الى عقل سياسي كابح ، بل وضع اصبعه على الزناد، ومضى في اسقاط الدولة ومرموزاتها .

 وحين استطعم السلطة وملذاتها ،راح يعيث فسادا واستبدادا وتجويعاً، ويجيش القُصَر والعصبويين بشعارات خادعة ومضللة، قادرة على تأبيد المحاربين، في حرب لا يريد  لها ان  تنتهي ، لأنه لا يستطيع الحياة بدونها، ولا يمتلك في الاصل مشاريع بديلة لعنفها، وفي مقدمتها المشروع السياسي . والحرب وفقا لذهنية هذا الطرف وهي الوسيلة الانجع لتوريط الجميع في الدم، ليسهل عليه تاليا، المناورة لتوزيع اعبائها على الجميع " قتلة وضحايا".

باختصار ما يفيد الحوثيين هي الحرب وغياب الدولة، واستمرارهما هو ما يبقي الحركة حية ،ويقوي نفوذها  ويجعل من الشعار الالتفافي الطويل لموت امريكا واسرائيل يبدأ وينتهي في رقاب اليمنيين.

و الذي "لا يضر" غير الحوثيين داخل معادلة الحرب (من حلفاء وخصوم) هي الحرب نفسها واستمرارها ايضا. لأنها  الوسيلة للبقاء والتكسب لأفراد وجماعات واحزاب، تخوص فيها بنسب متفاوتة، ومشغلات مختلفة.

 

فعلي صالح لم تضره الحرب، بل عززت من وجوده كرقم داخل المعادلة، لان الحصانة التي منحت له ابقت نظامه قائماً، كسلطة عميقة متغلغلة داخل بنى الادارة، والاجهزة الامنية والعسكرية، ويستطيع التحكم بها، لفرض بقائه في واجهة الاحداث، لا شباع  رغبته الانتقامية من الجميع.

الشرعية بنيتها السياسية والعسكرية والادارية، مستفيدة من استمرار الحرب، لأنها توفر لرموزها الحماية الاخلاقية اللازمة، التي بواسطتها تستطيع الاستثمار بمعاناة المواطنين والضحايا معا. وهي باب التكسب من النوافذ العديدة، التي يفتحها اقتصادها، القائم على الاتجار غير القانوني بالسلاح والعملة ومواد الاغاثة والوقود ،بذات الكيفية التي يسلكها طرف الانقلاب في صنعاء.

قيادات الاحزاب هي الاخرى، وجدت في الحرب  مدخلا للثراء، التي تتيحها الوظيفة بمسمياتها "الاستشارية والدبلوماسية" التي اسبغت على العشرات منهم ،ثمنا لتعطيل حركة احزابهم، واسكات اصواتها الرافضة للفتل والانتهاكات والفساد.

جماعات العنف الديني، المرتبطة بالأحزاب والشخصيات ومراكز النفوذ، وجدت في الحرب الفرصة الذهبية للحضور بداخلها اما بوصفها جزء من المعادلة بالانتماء الى بعض "فصائل المقاومة"، او باستغلال المساحات المهملة والمنسية، لإعادة ترتيب بناها التنظيمية والعسكرية من جديد، بعد تعرضها لضربات موجعة في عدن وحضرموت وابين.

الجماعات الانعزالية المتطرفة، التي استغلت ترهل السلطة الشرعية وميوعتها وفسادها، لإعادة تسويق نفسها من باب استعادة الدولة، ببيع الوهم للمواطن الجنوبي ،بواسطة خطاب مشبع بالكراهية ونبذ الاخر، الذي لا يخدم الجانب الاخلاقي للقضية الجنوبية.

ومقابل هذا كله وفرت الحرب لـ "دول التحالف" امكانية اعادة ترسيم مصالحها على اساس  اقتصادي وسياسي، بالاستيلاء على مناطق الثروة في "مأرب وشبوة وحضرموت" والممرات المائية الحيوية" باب المندب" والجزر الاستراتيجية "سقطرى وميون وحنيش" وان الكلفة بالنسبة لدولة مثل الامارات هي اقل بكثير من كلفة تعطيل موانيها في حال استقرار حال ميناء عدن مثلا. وهي بالنسبة للسعودية  التوكيد على الاستمرار بوضع اليد علي بلاد منسية، لا تصلح الا ان تكون حديقة خلفية مهملة، تُكب فيها كل القاذورات.

...

لمتابعة قناة التغيير نت على تيلجيرام

https://telegram.me/altagheernet