الحكاية الحوثية من آخرها ..!!!
قبل 1 سنة, 8 شهر

لا تفترق الحكاية الحوثية في مأساتها ومشاهدها التراجيدية عن مجمل الحكاية اليمنية بل لعلها أحد أهم فصول حكاية اليمن منذ قرابة العقدين من الزمن ..

ولئن رويتْ من آخرها فلأنّ أولها طال سرده قبل أن تخرجها الأحداث الدراماتيكية منذ 2011م من "القمقم الصعداوي" إلى القمم الإقليمية والدولية بما في ذلك الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي .

لم يُتح لـ "أنصار الله" كما يسمون أنفسهم فرصة الخروج من خانة (المتمردين) منذ 2004م ، باستنثاء فترة قصيرة سابقة من التفاهم غير المعلن الذي جرى في الكواليس بين السلطة وبينهم لأسباب لا يعلمها إلا الراسخون في الحرب .

لقد كانت الاحتجاجات الشبابية الشعبية التي انطلقت في 11 فبراير 2011م أهم فرصة تاريخية لهم ولغيرهم ليتجاوزا ما رسم لهم من خطوط حمراء طيلة ثلاثة عقود ، على أنه كان من المتعين أن يكون الحامل لهذا الخروج هو مشروع وطني جامع يؤسس لدولة مدنية حديثة لطالما حلم بها اليمنيون من صعدة حتى المهرة .

الحراك الجنوبي السبّاق إلى العملية الثورية 2007م تخفّف من عبء الانتفاضة بصورة انعزالية مع توسع الاحتجاجات في الشمال إلا أنه سرعان ما اصطدم بحائط مبكى لم يكن في حسبان قياداته المتعددة حينما مورس على تلك الاحتجاجات الشمالية ما لا يقل عما تلقاه الحراك الجنوبي من القتل والقمع والتنكيل من قبل سلطة صنعاء التي استطاعت بالتعاون والشراكة الكاملة مع مجلس التعاون الخليجي بقيادة الرياض أن تترك القضية الجنوبية ترزح في محليتها وتم التعامل مع ما سمي بـ (الأزمة) سياسياً عبر "المبادرة الخليجية" التي لم تأت على ذكر الجنوب .

الحوثيون حكايتهم مختلفة .. إنها أشبه بقصص لاعب قمار غير محترف ما أن يربح في بدء الجولة حتى يضاعف خساراته مستعيناً برصيد لا يملكه ، ولا يبدو أنه قادر على سداده .

هذه الحكاية الأغرب على الإطلاق ليس على مستوى اليمن بل على مستوى العالم إذ لم يحدث أن توفرت لجماعة مسلحة لم تقدم مشروعاً سياسياً واضحاً حتى اللحظة كما توفرت للحوثيين من فرص تاريخية لا يمكن تعويضها ..

هم أنفسهم لا يعرفون البداية ليدركوا نهاية الحكاية ذلك لأنهم طبقوا شعاراً شعبياً (مابدى بدينا عليه1) وأضافوا إليه شعاراً مبتكراً : (ما بدينا عليه بدينا عليه2) .. تطبيق الشعار الأول كان كفيلاً بخسارتهم لكل المكاسب (السياسية) التي توفرت لهم منذ انخراطهم السلمي في الاحتجاجات والاعتصامات 2011 وبالتالي اشتراكهم في مؤتمر الحوار الوطني فضلا عن خسارة المكاسب التي تراكمت منذ دخولهم عمران ثم صنعاء ، وكان من أهم عوامل انطلاق (عاصفة الحزم) 2015م التي جعلت الشعب كعصف مأكول.

كما أنّ تطبيقهم للشعار الثاني المبتكر كان سبباً في اقتحامهم مناطق الجنوب في عملية مقامرة خارج التغطية ، ومن ثمّ خروجهم من عدن بعد دخول قوات التحالف إليها استهلالاً لحكاية غير مسبوقة من شأنها أن تؤسس لواقع لا يبدو حاملاً لبوادر الأمن والاستقرار ، بقدر ماهو مثقل بمختلف معالم العنف والتطرف والجماعات الإرهابية في مشهد غير منفصل عمّا يدور في المنطقة برمتها .

بهذا الشعار عقد الحوثيون العزم لاقتحام عدن وبسلاح حرب سلطة 1994م ليخرجوا منها تاركين حكاية حرب عبثية لم تدم طويلاً وحقل ألغام يُعد نتيجة وليست سبباً لا يُعرف تاريخ صلاحيته ، كما تركوا في الأطلال قصة شراكة في المظلومية لطالما تم تسويقها في بعض الأروقة السياسية حينما اقترنت القضية الجنوبية بقضية صعدة قبل أن تفترقا إلى الأبد .

الشعاران 1+ 2 متلازمان أخرجا الحكاية الحوثية من عدن لتدخلها تعز ومناطق أخرى دون أية رؤية تستحق الذكر سوى تعميق الكراهية و إيصال الاحتقان القائم إلى فوهة بركان تتعاظم مع مزيد الإخفاقات المهولة في إدارة عبثية لمؤسسات شبه الدولة المنهوبة وأسلوب التعامل مع المعارضين وتوسيع دائرتهم ، إضافة إلى الفساد المستشري الذي أزكم الأنوف ، ناهيك عن تحول المدنيين من أطفال ونساء وشيوخ إلى ضحايا لحروب ومواجهات عسكرية يومية لا ناقة لهم فيها ولاجمل .

وبعيداً عن شعار (الصرخة!!!) ، فإن الحكاية الحوثية اشتهرت أيضاً بشعار آخر عجيب : (لا نـبالي لا نبالي) وهو تكثيف لخيارات لا مرحلية ولا استراتيجية ولا تمت بصلة للحرب ولا للسلم ، ولا للحوار والمفاوضات برعاية أممية والتي يُراد لها أن تضاف إلى قائمة مفقوداتهم السابقة التي من  أهمها " اتفاق السلم والشراكة "  .

 هذه الحكاية التي تصدرت المشهد اليمني ومتربعة عليه محاولةً إلغاء كل عناصره لم تكن لوحيد قرن بل بات لها راويان غير منسجمين لم يسبق لهما الاطلاع أو فهم المثل الأمريكي القائل : ((حصان برأسين لا يفوز بسباق )) ..

لم يدرك أحد الرأسين أن تركة البلد المريض لا تبدو مغرية لاستواء الجودي بل إنها تبدو أكثر قابلية لإزاحته إلى حيث كان قبل الطوفان إن لم يكن أكثر من ذلك ! .

كما لا يبدو أنّ الرأس الآخر قد أدرك صدق المثل الشعبي القائل : "آخرة المحنّش للحنش" !!