كيف سيديرون بلادا بدأت تتحلل بفعل مغامراتهم ؟!
قبل 2 سنة, 9 شهر

بعد ان احكموا سيطرتهم على مديريات محافظة البيضاء، خلال الاسبوع الماضي، سينقل الحوثيون معركتهم القادمة والكبيرة الى مأرب الغنية، تحت مظلة الجيش بكامل تشكيلاته العسكرية  (البرية والجوية)، بعد ان صاروا يتحكمون بقاداته وبقراراتهم، حتى وان بدا نفوذ الرئيس السابق علي عبد الله صالح على بعض مكوناته حاضرا. لان التحالف القوي بين الطرفين ،يجعل من توحد هدفهما امرا بديهياً في هذا الظرف !!

بعد مأرب، لن تستعصي عليهم تعز، ليس لان من تعهد في اكتوبر من العام الماضي الذود عنها عسكرياً، قد صار يعمل مع الجماعة ،بل ويقود غرفة عملياتهم،  ونعني هنا وزير الدفاع محمود الصبيحي، وانما لكون الحوثيون صاروا موجودين فعلا فيها، بعناصرهم والمتعاونين معهم، وقبل هذا وذاك بقرارهم القوى داخل المنظومة الامنية والعسكرية في المحافظة،  التي لم تزل تدار من المركز، ويستبدل قادتها الجنود النظاميين  بالمليشيا التي تتسلل الى المحافظة، وبقية المحافظات التي لم يستبيحوها رسمياً  بالزي العسكري،  في عملية ضخ  وتمكين لم تعد خافية على احد .

وبعد مأرب وتعز، سيكونون قد سيطروا على كل جغرافية الجمهورية العربية اليمنية، الي كانت تتحكم بها المملكة المتوكلية اليمنية قبل سبتمبر 1962،ولن تخلوا المسألة هنا من مشغل الحق التاريخي في (استرداد) الحكم  في هذه المناطق. وخلال توسعهم هذا، سيناورون على كل الجبهات السياسية والامنية،  حتى تتعزز سلطتهم وتتقوى على الارض ، ولن يقطعوا حوارهم مع القوى السياسية، وقد يوقعون معها اتفاقات وبرعاية اممية، ان احسوا بالضغط الشديد، لكنهم سيعملون على تعطيلها والباس ذلك بالأخرين، كما فعلوا باتفاق السلم والشراكة، وغيره من الاتفاقات التي سبقته .

نتذكر تماماً كيف تركوا الاطراف تبحث عن مخارج بعد ازمة المشتقات النفطية، فاجتاحوا العاصمة  وكيف تركوا الاخرين منشغلين في تشكيل حكومة الكفاءات، فابتلعوا الحديدة وذمار واب وحجة والمحويت،  وهاهم اليوم يستغلون  انشغال الشارع  والقوى السياسية بالحوار، فنصبوا انفسهم حكاماً بموجب اعلان دستوري وتحت سقفه ابتلعوا البيضاء، وسيفتعلون ارباكا جديدا لدخول مارب  في وقت ليس ببعيد، وكل ذلك باسم مكافحة الارهاب واحكام سيطرة الدولة التي تخصهم  !!.

ستنفتح شهيتهم اكثر للسيطرة والحكم، وسيلغون الاخرين من طريقهم بذات  الطريقة الخمينية، التي استولت في اواخر سبعينيات القرن الماضي على الثورة الايرانية، التي كانت الخمينية مكوناً واحدا فيها، من ضمن مكونات اخرى عديدة ومتنوعة، يسارية وليبرالية وقومية.

قلنا في الاسبوع الماضي ان الحوثيين في وقت واحد، يحاورون ويناورون  ويعززون سلطاتهم الفعلية على الارض،  بازاحات خصومهم، واصدقاءهم معاً، وتمكين عناصر الجماعة في المواقع الحساسة في المؤسسات فمن مكتب  رئاسة الجمهورية ،الى جهاز الامن السياسي والامن القومي وبقية المؤسسات والوزارات.

الحوثيون يسيطرون بقوتهم وتنظيمهم، وسيذهبون بعيدا في هذه السيطرة التي ستصل الى الانتهاكات  الفضيعة للحقوق والحريات بحق معارضيهم،  لكن السؤال الذي يبرز بقوة كيف سيديرون البلاد  المقبلة على التحلل بفعل هذه المغامرات !؟

من السهولة ان تسيطر بالقوة، في ظل غياب الاخرين وهشاشتهم على الارض، وتحكم بذات الادوات التي قلت انك جئت لاجتثاثها ،لكن كيف تستطيع ان تدير بلادا على شفا هاوية، دون ان تقودها الى القعر بممارسات تنفر الجميع منها ؟!

فالمنظور في الازمة  التي تعيشها  البلاد، هو الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعانيه،  جراء توقف النشاط الاستثماري والتجاري،  وتوقف المساعدات الخارجية، التي تعتمد عليها السلطة في تدبير شئون مواطنيها  في المعيش على حافة الفقر، لكن غير المنظور بجلاء في هذه الازمة،  هي تلك الاستدعاءات الطائفية والمناطقية التي تتجسد على الارض، بفعل نزوع الغلبة، الذي تمارسه الميليشيا بتحالفاتها العسكرية والامنية مع متنفذي القرار فيها، والمنتمين الى الهضبة الشمالية ،من اجل احكام القبضة الحديدية على كل شيء،و التي ستجعل من الاخرين بالضرورة ان يتكتلوا طائفياً ومناطقياً ضد هذا التحالف  الاهوج.

فعسكرة الاقتصاد لصالح قوى النفوذ الجديدة، التي حلت محل القوى القديمة لن يديم حكمها، دون اكلاف باهظة، وان الحكم بذات الادوات و(المهارات القديمة) التي لم تزل  ترى  في المناطق الاخرى بثرواتها ومقدراتها  فيداً  تاريخياً ،ومواطنيها يقبعون في درجات دنيا في سلم التراتبية الحقوقية والاجتماعية بالنسبة لمواطن اليمن الاعلى من منظورهم،  لم يعد هو العصا السحرية في ادامة حق السيطرة كما يتوهمون ،فالتحولات في الوعي وتطور اشكال المقاومة ،من قبل ابناء  المناطق المغلوبة،  وحتى من ابناء المركز المقدس وسكانه المتضررين من الاوضاع المأسوية المتفاقمة، تخلق كل يوم معطيات على الارض، اقلها  تلك التي تقول للحكام الجدد انهم ليسوا لوحدهم على هذه الارض، المتعددة والمتنوعة ثقافياً ومذهبياً، و لم تعد مغلقة كما كانت قبل اكثر من خمسين عاماً، حين تركها اخر الائمة محمد البدر بن احمد بن يحي حميد الدين .