يمن ما بعد 20 يناير وعبد ربه .. الى اين ؟!
قبل 2 سنة, 9 شهر

يمن ما قبل 21 سبتمبر 2014 بالتأكيد ليس هو يمن ما بعدها، فسقوط اخر معاقل الجناحين العسكري والديني لحزب الاصلاح في العاصمة صنعاء، المتمثلان بالفرقة الاولى مدرع وجامعة الايمان، بيد التحالف ( الصالحوثي) جعل من الطرف الذي خرج منتصراً من الازمة ومتبوعاتها الحربية (الحوثيون)  بتسيد المشهد، ومؤثراً فيه داخل العاصمة، و تالياً بعض المحافظات التي سُلمت له .

باسم اتفاق السلم الشراكة ـ الذي وقع كاتفاق بين الاطراف السياسية مساء اجتياح العاصمة ـ ضغط هذا الطرف بكل الاتجاهات، وبشتى الوسائل من اجل ابتلاع الدولة، بشعارات الفعل الثوري وشرعيته كما يفهم الثورة، وبواسطة اللجان الثورية واللجان الشعبية  (التي هي خليط من منتسبي وانصار جماعة الحوثي، وبلاطجة النظام السابق، وعسكريين فارغين ومتحوثين مزاودين) احتل هذا الطرف المؤسسات، ومارس رقابة مالية فجة من خلال عناصر قليلة الخبرة والدراية، في مساحات اقرب الى تصفية حسابات لخصومات قاتلة، منها لتصحيح الاوضاع، بدليل ان المؤسسات والجهات التي تدار بواسطة عناصر تقترب منه،  او من المحسوبين على حليفه الاول (علي عبد الله صالح) لم يقترب منها مثل هذا التصحيح.

وتالياً قدم هذا الطرف نفسه كبديل للدولة، في الامساك بالملف الامني، في العاصمة والمدن التي دخلتها  عناصرهم المسلحة (اب والحديدة) ،الى جانب انه وضع نفسه  على رأس الجميع، في موضوع مكافحة الارهاب، في تنسيق امني واستخباراتي واضح مع الامريكان، كما ستدل احداث الاشهر الثلاثة التالية.

بعد ان اطمئن طرفا التحالف الي تصفية الخصوم الرئيسيين لهما، (بيت الاحمر وعلي محسن والزنداني) كان بالضرورة ان يتجه السهم في اتجاه رئيس الجمهورية، التي كانت الماكينات الاعلامية  قد بدأت  بشن حملات شعواء على الرجل ، فأظهرته ضعيفاً مرتهن القرار،  ومتأمر لتفتيت البلاد ....الى اخر تلك التهم.

لهذا لم تصل البلاد الى العشرين من يناير2015، الا وهي تتجه الى المجهول بالاستيلاء على دار الرئاسة ومحاصرة الرئيس في منزله بدون حراسه وطاقمه.

عبد ربه منصور هادي لم يكن خصماً بائناً للحوثيين، بل انه اتهم بالتآمر معهم من اجل ان يتخلص هو من اطراف تعيق امساكه للقرار، فقيل انه سلم لهم دماج وحاشد وعمران،  بل وادخلهم بمعية وزير دفاعه السابق محمد ناصر احمد الى صنعاء !! فلماذا انقلب عليه الحوثيون اذاً؟!

المسألة ليست بالضبط لكونه حاكماً  جاء من خارج المركز المقدس،  وان كانت هذه الفرضية احد مفاعيل المجس الطائفي في اذهان العامة، من مواطني الشمال  والذي صار مرسوماً بوعيها ايضاً بكونه فاعل رئيسي لتدمير وتفتيت البلاد ،وانه يتأمر لتعصيف الشمال واستقرار الجنوب، لتهيئته للانفصال  كما يحاول اعلام خصومه  الصاقه به!! 

المسألة  ابعد من ذلك بكثير، و تختزل في ان المستتر والفاعل الاقوى في طرفي التحالف (علي عبد الله صالح)، الذي لم ير في عبد ربه سوى خصماً غير سهل، يمتلك من كروت اللعب المؤثرة والقوية ما كان سيجعله مركز نفوذ مسيطر وبدعم خارجي، لهذا اشتغل في اوساط انصاره على التنويع ذاته،  بان الرئيس متأمر على حزبه وعلى (ولده) وناكر للجميل ومبدد للمال العام، وضارب القوى ببعضها كما أوضحته الرسالة، التي  نشرت بعد يوم واحد من استقالة الثاني وقيلت ان صالح بعثها للرئيس هادي قبلها بشهر!!

لا احد ينكر ان عبده ربه قد اُضعف، لأنه لم يكن يمتلك من القوة التي تمكنه من مجابهة خصومه بها، في مركز عدائي ومغلق. اضعفته القوى السياسية، التي ظلت تناور من اجل التكسب، على حساب مشروع بناء الدولة،   وخذله الخارج وعلى رأسه الولايات المتحدة، التي باتت ترى في الحوثيين القوى البديلة، التي يمكن الاعتماد عليها في موضوع مكافحة الارهاب ،وخذلته التفاهمات الاقليمية الايرانية العمانية والاماراتية، وبمباركة غير معلنة للسعودية التي باتت اقرب من أي وقت مضى لإعادة ترتيب الملف اليمني (شمالاً وجنوباً) مع تولي سلمان بن عبد العزيز الحكم، وصعود نجم الحفيد محمد بن نائف ـ رجل امريكا الجديد والممسك بملف مكافحة الارهاب واحد المستهدفين الكبار من تنظيم القاعدة وداعش.

يمن ما بعد 20 يناير وما بعد هادي، الذي اتفق الخارج قبل الداخل، على اعادة ترتيب وضع الاولى بالتزامن مع ازاحة الثاني ـ حتى وان بقي على رأس مجلس رئاسي مؤقت ـ  ليست هي التي نعرفها، ولا تلك التي  حلمنا بها دولة مواطنة متساوية معافاة ومستقرة، ذات صيف  مبدد كما يقال . يمن ما بعد 20 يناير اقرب الي التشظي والفوضى، التي ستعيد رسم الجغرافية السياسية بمعزل عن الدولة المركزية الواحدة، ومراكز النفوذ التقليدية .