الحوثيون من (ترييف) السياسة الى تسييلها!!
قبل 2 سنة, 10 شهر

اكثر من ثلاثة اشهر، منذ صار الحوثيون  الرقم الاهم، في القرارين السياسي والسيادي، بوجودهم على الارض كقوة ضاغطة على الجميع  ـ باستثناء حليفهم  الابرز  الرئيس السابق وطاقمه الضيق ـ  يمكن القول، ان ما هو متعين في التمدد الحوثي،  هو ابتلاع الدولة  الرخوة، وفرض سياسات الامر الواقع، وبالتلويح بالعنف، في حال رأوا في  موقف الاخر، لا يتطابق مع نزوعهم الاستحواذي.

اعتبرنا في اكثر من مقاربة، ان  المدينة الجامعة لروح للتعدد، هي التي  تصنع السياسة كمفهوم كلي، لإدارة الشأن العام، في اطار وظيفة الدولة، التي خولها مواطنوها احتكار العنف والقهر، لإنفاذ قوانين  توافق الناس عليها، ومع ظهور استحكامات الحوثيين، على المسارين الامني والسياسي، مطلع اغسطس الماضي بالمسيرات المناهضة  لقرار رفع اسعار المشتقات  النفطية،  وما اعقبها من حصار للعاصمة، بمخيمات المحتجين قبل مهاجمتها، ودخولها من الجهة الشمالية الغربية، راينا كيف اتجهت كل انظار اليمنيين والعالم الى جبال مران بصعدة، حيث معقل زعيم الجماعة، تنتظر الحل السياسي من هناك، اولا بواسطة لجنة رئاسية، مشكلة من شخصيات حزبية وازنة ،عادت الى صنعاء بعد اكثر من اسبوع ،بمبادرة اعلنتها مطلع سبتمبر ،في اجتماع موسع لقيادة الدولة واجهزتها والمكونات الحزبية والسياسية والمنظمات ـ جميعهم وقفوا وصفقوا ـ الا الحوثيون، اعتبروها لا تعنيهم لا من قريب او بعيد، ولم يكن امام رئيس الدولة المحاصر، سوى بالاستنجاد بمبعوث الامين العام للأمم المتحدة (جمال بن عمر)، الذي ذهب الى (مران ) بأفضلية انه سمح له بحمل التليفون، ليعود الى صنعاء بعد اربعة ايام من المفاوضات الشاقة والمضنية ،في الوقت الذي كانت  الميليشيا المستترة بمقاتلي الحرس الجمهوري،  والقوات الخاصة ،قد بدأت فعلاً بدك اخر معاقل علي محسن والاصلاح ـ مقر الفرقة الاولى وجامعة الايمان ـ

قال لي احد الاصدقاء الموقعين على اتفاق السلم والشراكة  مساء الاحد 21 سبتمبر 2014،  انهم بقوا في دار الرئاسة منذ الثامنة صباحا حتى الثامنة  مساء، ينتظرون قدوم ممثلي زعيم الجماعة المخولين بتوقيع الاتفاق ،اللذان وصلا بطائرة مروحية، بعد ان استكملت الميليشيا اسقاط المدينة، لهذا لم يوقعوا ساعتها على الملحق الامني ،الذي طالبهم بالانسحاب، واعادة منهوبات الاسلحة من المعسكرات، في عمران وصنعاء،  لانهم قد باتوا القوى الفعلية على الارض، التي تدار  من خارج العاصمة.

قبل انطلاق مؤتمر الحوار الوطني في مارس 2013 ،ذهب جمال بن عمر الى صعدة لمقابلة زعيم الجماعة  واستقبل الاول الثاني في القصر الجمهوري، لتسوية  مشاركة الجماعة في المؤتمر، وحددت نسبة مشاركتها  برقم اعتبر حينها مبالغاً فيه، وفي المرة الثانية، انتظر بن عمر لقرابة يوم كامل في القصر الجمهوري بصعدة، حتى سمح له بالانتقال الى  مران في17 سبتمبر ،التي عاد منها بمسودة اتفاق السلم والشراكة، عشية اجتياح المدينة.

عبد الملك الحوثي ،الذي روعي ظرفه الامني في اللقاء الاول، ولم تسمح حدود تحركاته مدينة صعدة  وقصرها الجمهوري ،بات هو الان وباقل من عامين ،من يؤثر في حركة رئيس الدولة وحكومته في صنعاء وثمان محافظات !!

قال لنا احد العليمين، ان  مسلحي الجماعة لم يسمحوا لوزير النقل بمرافقة  رئيس الوزراء صباح الجمعة 26 ديسمبر، في زيارته لمطار صنعاء الجديد،  وحين هدد بعدم الدخول الى المرفق (المتعثر) بدون وزيره، تم التواصل بمران  وبعد نصف ساعة، جاء الامر (من قائد المسيرة)، بالسماح للوزير بمرافقة رئيس الوزراء !!

اللحظة السياسة، التي تدار من غير مركزها الجامع،  وانما من خارجها، الذي ظل حتى الامس، هامشاً ريفياً مقصياً، ومغيباً بل ومعاقب بالبارود ،والتنكيل لستة اعوام ، وتدار منه ببعد احادي خشن ،يفرض تعالياَ فجاً على الجميع، حتى اولئك الموقعين على اتفاق السلم والشراكة.

بعد اشهر ثلاثة ،اتضح انه ليس للجماعة من برنامج سياسي، او رؤى استراتيجية، لإدارة البلاد، التي صارت تتحكم بها، وان مفاعيل القوة واشتراطاتها، غدت الموجه الحاد في تعاطيها مع مشغورات المجال العام فتعيين شاب، بدون خبرات في موقع عسكري كبير(نائب رئيس هيئة الاركان) ومؤهلاته انه عنصر نشط في الجماعة، وينتمي لبنية الاصطفاء السلالي بوضوح ،يفقد الجماعة بريقها المختلف، الذي حاولت تسويق مشروعها عبره ،حينما قالت بزهدها في المواقع المتقدمة، في الحكم والادارة، فماذا لوان الجماعة فرضت واحد من القادة العسكريين المشهود لهم بالكفاءة والنزاهة والخبرة  ـ وهم كثر ـ في هذا الموقع ، الم يكن فعل مثل هذا يعطي الجماعة صورة ايجابية محترمة ؟! .

ماذا لو ان الجماعة، حولت الاحتفاء بالمولد النبوي ـ الذي انفق عليه ببذخ مبالغ فيه ـ الى لحظة للتعايش، واطعام الأسر الفقيرة ،دون تحويله الى لحظة سياسية، لاستعراض القوة والتعالي،  وتجاوزات القيم الجمالية، والضرورات على نحو تلوين القباب التاريخية البيضاء في صنعاء باللون الاخضر، وتلوين احجار الارصفة اشارات المرور بذات اللون، وتلطيخ  اسوار المدينة وفضاءاتها بشعارات الصرخة، و(مقولات السيد الاب والابن والاخ)، وقبل هذا وذاك استجلاباً للعنف والدم ،على نحو ما رأينا الاربعاء الماضي في تفجير اب الانتحاري!!

ماذا لو ان الجماعة، لم تعزز من فكرة  استباحة تعز،  بتلك المقايضة السخيفة، بين وجودها المليشاوي المسلح، بأولئك العمال والموظفين والمهنيين، من ابناء تعز في عمران مثلاً، والذي قدرهم (صادق ابو شوارب) بعشرة الاف شخص.

ماذا لو ان عدم مهاجمة المدينة حتى الان، جاء تعاطياً ايجابياً مع الدعوات لتعزيز مدنية تعز، وخلوها من المليشيات وليس مرهوناً بإنضاج الظرف اللازم لذلك . الم يكن كل ذلك في صالحها، و تقوية قبولها سياسياً ؟!

ان تسييل السياسة وتميعيها بهذه الطريقة، تعزز من الفرز المناطقي وربما الطائفي، المُستجلِب للعنف، وتفكيك نسج المجتمع الهش وهويته الوطنية الجامعة.